الرياضيات التطبيقية

الرياضيات في حياتنا.. نظرية وتطبيق

د. أبو بكر خالد سعد الله

كثيراً ما نسمع أنَّ الرياضيات «جافة» وتفتقر إلى التطبيقات، وأن أهلها يكتفون بالبرهان على نظريات جلها عديم الفائدة، ويضعون مفاهيم لا علاقة لها بالواقع. وبالموازاة مع ذلك، لايشك هؤلاء في أن الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والمعلوماتية وعلم الفضاء والطب والصيدلة في تقدم دائم، وأنها اختصاصات ذات جدوى لا تضاهى. ذلك أن التقدم التقني والصحي يظهر لعامة الناس النجاح الباهر الذي حققته تلك الفروع العلمية المتميّزة، ويتساءل كثيرون باستغراب – حتى رجال الثقافة والفكر – عندما يتعلق الأمر بالرياضيات: هل مازال علماء الرياضيات يبحثون عن نظريات جديدة؟!

لاشكَّ أن الثقافة ذات الطابع الأدبي باتت الثقافة الجماهيرية الوحيدة في الساحة، إذ استطاعت أن تبسط نفوذها وتأثيرها على الأذهان، إلى حد أنها حجبت عن جل الناس الوجه الآخر للثقافة، لذا فإن علماء الرياضيات منزعجون أيما انزعاج من هذا الإقصاء بناء على مبررات واهية.
والواقع أن للرياضيات بعداً ثقافياً علمياً واضحاً في نظر أهلها: ألسنا نستخدم الأساس العشري في حساباتنا اليومية لأن لدينا عشر أصابع؟ ألسنا مضطرين إلى حل معادلات تفاضلية لتتبع مثلاً حركة كرة التنس وهي تقفز من مكان إلى آخر؟ على الرغم من أن ممارس هذه الرياضة لا يحل هذه المعادلات عندما يستقبل كرته أو يقذف بها إلى الخصم! إن الواقع يؤكد أن الرياضيات لم تشتهر بهذا الدور، بل اشتهرت بكونها المجال الذي ينجز ويصنع فيه البرهان والإثبات النظري لا غير.

علاقة وطيدة
إن علاقة الرياضيات ببعض مجالات الحياة وببعض التطبيقات التي لا يراها عامة الناس علاقة وطيدة، ويتغير الدور الذي تؤديه الرياضيات من وضعية إلى أخرى، فنحن نجدها أحياناً تكتفي بتوفير صيغ وعلاقات جاهزة للاستعمال، لا تتطلب جهداً كبيراً من المستخدم.
وفي حالات أخرى تساهم الرياضيات بشكل واسع في حل المسائل المطروحة، في كل فروع المعرفة، دون أن نشعر بذلك أحياناً، أي دون أن نعتبر أن التقدم الذي تسجله تلك المعارف مرتبط بمساهمة الرياضيات فيه. ولعل الكثيرين لا يعلمون أن بعض الخواص الفيزيائية تم اكتشافها عبر علاقات رياضية، وهو ما يثبت فعالية الرياضيات في العديد من المًواطِن، بل إننا نجد ميكانيك الكم مثلاً يستند برمته إلى تصور رياضي دون إدراك حقيقي للقوانين الفيزيائية.
وفيما يأتي عيّنة بسيطة من الأمثلة تبيّن مدى تغلغل الرياضيات وأبحاثها الحديثة في موضوعات شتى، ربما لا ينتبه إليها القارئ غير المختص:

1 – في مجال الطاقة:
في عام 2014 توصل فريق من علماء الرياضيات في جامعة مدريد (إسبانيا) إلى وضع نموذج رياضي وخوارزمية تسمح باقتصاد الطاقة وتكاليف استهلاكها في المصانع وشركات الإنتاج، ويوضح هذا النموذج الكيفية التي ينبغي بها توزيع المهمات على مختلف الآلات والتجهيزات داخل المصنع دون أن يتأثر الإنتاج، مع تخفيض استهلاك الطاقة إلى أقصى حد ممكن.

2 – في مجال الطب والصحة:
أثبت فريق فرنسي منذ بضعة أشهر أنَّ أزمات داء الصرع التي تصيب بعض الناس تسير وفق قواعد دقيقة في الرياضيات، وأثبتت الرياضيات أنَّ هناك 16 نوعاً مختلفاً من داء الصرع. والغريب أنه تبيّن أن الإنسان ليس وحده المخلوق الذي يصاب بهذه الأزمات، إذ نجد من ضحاياها أيضاً الفئران والأسماك والذباب. وهذا التصنيف يقدم معلومات قيمة للطبيب المعالج، وكذا للباحثين في صناعة الأدوية لتحضير الأدوية المناسبة.
يعتبر علماء الرياضيات أزمة الصرع أشبه بوضع شخص يتنقل في بلد جبلي تغمره الوديان والمروج والشواطئ. وهناك منطقة خاصة في هذا البلد محرمة عليه ومحاطة بسور مرتفع، لذا فالمتجول لا يستطيع الولوج إليها على الرغم من أنها قطعة من ذلك البلد، هذه المنطقة تمثّل أزمة الصرع، ويجب أن تتوافر ظروف بالغة التعقيد ليتمكن الشخص من دخولها.
ودمج فريق من علماء الرياضيات بين نظرية علم الأعصاب والبحث الأساسي والسريري للتوصل إلى النموذج الرياضي الذي يصف وقائع ما يحدث عندما يتمكن الإنسان من اجتياز ذلك السور المرتفع (الذي يوافق بداية الأزمة) إلى اللحظة التي يتمكن فيها الشخص من الخروج من المنطقة المحرمة (نهاية الأزمة)، ذلك أن مسارات دخول مرحلة الأزمة والخروج منها تتبع قواعد رياضية معينة.
وقد اختبر الباحثون عملياً خوارزميتهم وتوقعاتهم باستخدام قواعد بيانات دولية، حيث تفحصوا عدة أزمات صرع تعرض لها العديد من المخلوقات، ومن ثمّ تبين لهم أن الأمر سيان في موضوع هذه الأزمة، سواء تعلق الأمر بذبابة أو بفأر أو بالبشر.

3 – في مجال التقانة والاتصالات:
عندما يرغب العلماء والمهندسون في استكشاف نقائص في بعض المسائل من خلال الإشارات التي ترسلها أجهزة تقنية موجودة على سطح الأرض أو في باطنها أو في الفضاء؛ فإنهم يحتاجون إلى رياضيات معمقة تبحث في ما يسمى بـ «المسائل العكسية»: انطلاقاً من معرفتنا بأن إدخال معلومات معينة تنبثق عنه نتيجة (س)، فما هي المعلومات التي ينبغي إدخالها إذا ما أردنا الحصول على نتيجة (ص)؟
وعلى سبيل المثال؛ يلجأ علماء الزلازل إلى هذا الفرع من علم الرياضيات عندما يرغبون في الكشف عن المزايا الجيولوجية انطلاقاً من دراسة انتشار الأمواج المرسلة من مواقع الانفجارات الباطنية. وهناك أيضا نوع آخر من مسائل التحكم (مسائل التحكم الأفضل) مثل تحديد أفضل مسار لسيارة أو لجهاز متحرك خاضع لشروط معينة (كشرط تخفيض التكلفة أو تقليص مدة السير أو شرط الاختفاء عن الرادارات).

4 – في مجال التصوير:
باتت الصورة تؤدي دوراً يزداد أهمية يوماً بعد يوم، وأصبحت دقة الصورة من متطلبات العصر في جميع الميادين، بما فيها حقل الإعلام. ماذا يفعل مستقبِل الصورة عبر قمر صنعي مثلاً إذا كانت غير واضحة بسبب وجود بعض الغبار على عدسة المصور خلال التقاط الصورة، أو بسبب خلل في الإرسال؟ إنه يعالج الصورة بمساعدة حاسوبه المجهز ببرنامج معالج الصور، وما هي إلا لحظات حتى تصبح تلك الصورة واضحة لا شية فيها. كما أن استكشاف دقائق الأمور (مثل الحركة ومختلف المزايا) في صورة مأخوذة بآلة تصوير (عادية أو تحت الحمراء) يتطلب معالجة خاصة.
لقد أصبحت المعالجة الرقمية للصور مجالاً متقدماً شهد نجاحات كبيرة خلال السنوات السابقة، فهو يهتم بإرسال الصور لاسلكياً وبإعادة إخراج الصور والأفلام القديمة وتحليل الصور المأخوذة جواً أو عبر الأقمار الصنعية والصور الطبية، كما يهتم بالتعرف آلياً إلى الكتابة و الشوائب في المنتوجات الصناعية. وإن معالجة هذه المسائل تستند إلى دراسة نوع خاص من المعادلات التفاضلية الجزئية التي تشكل فرعاً قائماً بذاته في الرياضيات منذ عهد بعيد.

5 – في مجال التبليط:
كان علماء الرياضيات والفنانون وعلماء البلورات يتساءلون عن كيفية تغطية المستوى أو الفضاء بأشكال هندسية معينة (مثلثات، مستطيلات، مضلعات، دوائر..). وهذه المسألة لم ينته البحث فيها بعد، على الرغم من بساطتها الشكلية. وإذا ما أردت اختبار المحترفين فاطلب من أحدهم أن يعيد تبليط مطبخك الذي كان مبلطاً بمربعات عادية خضراء اللون – والإستعاضة عنها بمضلعات خماسية منتظمة زرقاء. إذا قال لك المحترف إنها عملية بسيطة فاعلم أنه لا يفقه ما يقول، ذلك أنه من المستحيل تبليط المطبخ بتلك الأشكال الخماسية دون ترك ثغرات خالية بين البلاط. وإذا طلبت منه أن يبلط المطبخ بنمطين من المعينات أضلاعها متساوية، لكن زواياها الحادة مختلفة (مثلا 36° و 72°)؛ فسيذهب ولن يعود إليك مرة أخرى.
إن حل مسألة تغطية المستوى بنفس الشكل الهندسي لم يعرف قفزة كبيرة إلا في نهاية القرن التاسع عشر، والسبب في ذلك أن أداة حله الرئيسية، وهي نظرية الزمر، لم تظهر إلا في تلك الفترة بأعمال إفريست غالوا حول حل المعادلات الجبرية.

6 – في مجال البلورات:
هناك مسائل لا يتصور القارئ أن عالم الرياضيات يطرحها على نفسه، منها هذا السؤال: عندما نلاحظ الطبيعة فإننا ندرك أن الكثير من البنى الهندسية فيها تتميز بشكل بلوري: تأمّل في بيوت النحل، وفي أعين الذباب مثلاً؛ كيف نفسّر هذه الظاهرة؟
نعلم أن معظم البلورات على المستوى المجهري تتشكل من ذرات مرتبة وفق شبكة دورية، أي على شكل رسم يتكرّر كما هو وضع شبكة الصيادين. والغريب أن هذا النوع من الشبكات نجده حاضراً في كل مكان حولنا. فعلى سبيل المثال، نلاحظ أنه في بلورات الثلج تنتظم الذرات وفق مضلعات سداسية الشكل، وهو ما يعطي أشكالاً جميلة، انظر أيضاً إلى بيوت النحل، والصخور البازلتية والخلايا التي تتكون منها أعين الحشرات.
وفي هذا السياق تجرى أبحاث عدة حول هذا الموضوع لمحاولة تفسير هذه الظاهرة، وذلك بدراسة الخواص الهندسية لهذه الترتيبات التي تتبناها الذرات. ومن ثم يسعى علماء الرياضيات بصفة خاصة إلى فهم تشكل البلورات والتنظيم التلقائي للمادة على المستوى المجهري.

الشبكات السداسية ونظرية هالس
في عام 1999 تمكن الباحث الأمريكي توماس هالس من برهان نظرية تقدم معلومات مهمة عن الشبكات السداسية الشكل على سطح المستوي. وتوصل هالس إلى نتيجته الباهرة اعتماداً على أعمال توالت خلال عقود طويلة من قبل علماء الرياضيات من مختلف البلدان.
ولتوضيح شأن هذه النظرية نعود إلى موضوع التبليط، ولنتصور أننا نريد تبليط سطح ببلاطات متساوية، ما هو شكل البلاطة الذي يوفر لنا استخدام أقل وصلات ممكنة؟ وبلغة الرياضيات نعبر عن هذا السؤال بالقول: ما هو شكل البلاط الذي يمكّن من تغطية السطح شريطة أن يكون مجمل محيطات البلاط أصغريا؟
تنص نظرية هالس على أن الشبكة المكونة من مضلعات سداسية منتظمة هي الأفضل. ومن هنا ندرك سبب اختيار النحل بيوتا سداسية الشكل: هذا الشكل هو الذي يضمن استخدام أقل كمية ممكن من الشمع المكوِّن لتلك البيوت. ومن هذا المنظور يستخدم شكل بيوت النحل كثيراً في الصناعة لأنه يضمن جودة الصلابة مع استخدام أقل كمية ممكنة من مواد التصنيع، ومن ثم يخفض الوزن بقدر كبير وكذلك الكلفة وتزيد الصلابة.
والواقع أن نظرية هالس تقدم الخواص الهندسية لبعض الترتيبات، لكنها لا تشرح سبب تفضيل الذرات التموضع وفق شبكة دورية. فالمادة موضوع معقد، وهي تتكوّن من العديد من المركبات. وينبغي أن نتذكر أن كل ذرة تُخْضِع بقية الذرات إلى قوى معينة.
والملاحظ أن الذرة لا تريد أن تكون على مقربة من ذرات أخرى، بل تفضل أن تكون تلك الذرات على بعد مسافات معقولة، وعليه فالذرة تقوم على الدوام بإبعاد الذرات الأقرب، مع جذب الأباعد إليها، محدثة بذلك توازناً في المسافات. لكن لماذا ينتهي المطاف بالذرات إلى أن تكون على شبكة دورية ذات شكل بلوري؟ حتى الآن ما تزال بعض الجوانب غامضة في هذه المسألة، وعلماء الرياضيات منشغلون بها!
وفي سياق هذه الدراسات قام باحثون بريطانيون بنشر نتائج من هذا القبيل خلال عام 2013 تخص البعد الثالث (أي الفضاء بدلا من المستوي). لكن الفرضيات التي اشترطوها على القوى المؤثرة في الذرات ليست مقنعة لجميع المعنيين. ومن جهة أخرى تم أخيراً إثبات أن الدوامات التي تظهر في الموصلات الفائقة عند إخضاعها لحقل مغنطيسي قوي لها سلوكات شبيهة بسلوك الجسيمات المنفردة التي تتموضع مجدداً على شبكة سداسية الشكل في المستوي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق