العلوم التطبيقيةتكنولوجياملف العدد

التصنيع التجميعي للمعادن .. تطبيقات واعدة تواكب الثورة الرابعة

د. عمار الشغري
باحث في علم المواد بجامعة ماكغيل ، (كندا)

منذ أن انطلقت الثورة الصناعية الرابعة وهي تسعى إلى تحقيق اختراقات كبيرة في جميع المجالات وإحداث تطورات هائلة فيها، ربما كان في مقدمتها زيادة القدرة التنافسية الاقتصادية من خلال دمج تقنيات الإنتاج الحديثة في تقنيات المعلومات الجديدة. ويعد التصنيع التجميعي Additive Manufacturing أحد العوامل الرئيسية التي تعزز تلك الثورة وتمكنها، إضافة إلى أمور أخرى كإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية.
وحاليا، تبرز أهمية التصنيع التجميعي للمعادن في العمليات الصناعية المتنوعة، لاسيما في بناء التصاميم والنماذج المعقدة، وخفض وزن القطع، وإنتاج النماذج الأولية السريعة Rapid prototyping، مع أنه يستخدم أيضا لتشكيل مواد أخرى كالبلاستيك أو البوليمرات.

التصنيع التجميعي للمعادن
يتضمن التصنيع التجميعي، المعروف أيضًا بالطباعة ثلاثية الأبعاد 3D Printing ، دمج المواد لبناء نماذج وتصاميم رقمية ثلاثية الأبعاد. وبدأ هذا النوع من التصنيع يستخدم بدلا من طرق الصناعة التقليدية، كالسباكة والطحن والخراطة، لتصنيع قطع مختلفة في مجالات الطيران والمواصلات والصناعات البحرية والفضاء والطب الحيوي؛ نظرا لقدرته الكبيرة على تصنيع معادن ذات خصائص مميزة وبدقة عالية خلال مدة قصيرة وبكلفـة متدنية مقارنة بطرق الصناعة التقليدية.
وهنالك طرائق عدة تتضمنها الطباعة ثلاثية الأبعاد للمعادن، من أبرزها انصهار طبقة المسحوق Powder Bed Fusion التي يتم من خلالها دمج كل طبقة فوق الأخرى من مسحوق المعادن بطريقة انتقائية باستخدام مصدر طاقة مثل ليزر أو حزمة إلكترونات. وفي تلك العملية تقوم أسطوانة متحركة، على سبيل المثال، بفرش مسحوق المعدن في البداية، ثم يصهر الليزر أجزاء من طبقة المسحوق، وبعد ذلك تفرِش الأسطوانة طبقةً أخرى وهكذا. وتتراوح سماكة الطبقة الواحدة بين 20 و30 ميكرونا (الميكرون جزء من ألف جزء من المليمتر) وهو ما يعكس الدقة العالية لهذه التقنية في تصنيع التصاميم المعقدة.
وقد تتكون مادة المسحوق من معدن واحد أو من خليط من المعادن، ما ينتج عنه تنوع في خصائص القطع المعدنية الناتجة. والمعادن المتاحة حاليًا كثيرة، وتتراوح من التيتانيوم والألمنيوم والنيكل إلى الفولاذ المقاوم للصدأ، وهي تشهد تزايدا كبيرا. وهذه التقنية تستخدم لتصنيع الأجزاء المعدنية الصغيرة نسبيا والمعقدة، وتستهلك طاقة أقل مقارنة بالصناعات التقليدية الأخرى؛ نظرا لعدم اعتمادها على أدوات التصنيع أو قوالبه.

تركيبات الأسنان
هنالك أمثلة كثيرة على تطبيقات هذه التقنية، منها إنتاج إحدى شركات التصنيع التجميعي لتعويضات الأسنان في كندا هياكل معدنية لتركيبات الأسنان الجزئية المتحركة باستخام الطباعة ثلاثية الأبعاد. تقليديا، كان تصنيع هذه الهياكل المعدنية يجري باستخدام تقنية الصب. وهي عملية يدوية شاقة تتضمن صهر المعدن وصبه في قوالب معينة. وبسبب تعقيدها ، تتأثر هذه التقنية بشدة بمهارة فني الأسنان ودقته، إضافة إلى استغراقها مدة طويلة وكلفتها الكبيرة.
وهنا تبرز الفائدة الكبيرة للطباعة ثلاثية الأبعاد للمعادن التي أحدثت فارقا كبيرا في مجال تعويضات الأسنان. فباستخدام هذه الطباعة يجرى تصوير ثلاثي الأبعاد لفك المريض، ويستخدم الحاسوب لتصميم الهيكل المعدني، ثم يصنَّع من مسحوق المعدن باستخدام الليزر في طابعة ثلاثية الأبعاد. والمسحوق المعدني لهياكل التركيبات يتكون غالبا من خليطي الكوبالت والكروم إضافة إلى معادن أخرى كالموليبدينوم والمنغنيز والحديد والتنغستن . ويتراوح قطر جسيمات الخليط بين 6 و22 ميكرونا في حين تكون سماكة كل طبقة أثناء البناء نحو 30 ميكرونا.
وقد أجريت اختبارات لمعرفة الخصائص الميكانيكية للهياكل المعدنية المصنعة تجميعيا، فتبين أنها أكثر مقاومة وصلادة من تلك المصنعة بالطريقة التقليدية. وهكذا شهد مختبر تعويضات الأسنان التقليدي تطورا لافتا من إنتاج عدة تركيبات يوميا لكي يصبح خلال عدة أشهر منتجا لعشرات التركيبات في اليوم الواحد، وبجودة أعلى، بفضل اعتماده على التصنيع التجميعي للهياكل المعدنية.

المفاصل الصناعية
في مجال العظام بدأ التصنيع التجميعي بالاستعاضة عن طرق الصب التقليدية لإنتاج مفاصل الورك الصناعية، المستخدمة في عملية استبدال مفصل الورك الجراحية، نظرا لقدرته على بناء زرعات معدنية مسامية معقدة، وهو ما يحسن التوافق الحيوي للزرعة مع جسم الإنسان ويساعد لاحقا على نمو العظام. وتعتبر خاصية التدرج الوظيفي للمواد Functionally graded materials من أهم الخصائص التي يوفرها التصنيع التجميعي لهياكل الزرعات المسامية المعدنية. فمن خلاله يمكن التحكم في مسامية الزرعة ليتلاءم معامل مرونتها مع قساوة العظم القشري الخارجي، التي تبلغ 18 غيغاباسكال من جهة، ومع ليونة العظم الداخلي الأسفنجي التي تقل عن 1 غيغاباسكال من جهة أخرى. وهذا بدوره يساعد على الحد من تآكل العظم الذي قد تسببه الزرعات التقليدية.
وقد تمكن علماء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا California Institute of Technology في عام 2018 من تعديل تكنولوجيا التصنيع التجميعي لطباعة هياكل نانوية معدنية يقل حجمها عن 50 ميكرونا (تقريبا أصغر من نصف قطر شعرة الرأس) مما يفتح الباب أمام استخدام هذه التكنولوجيا في صناعة أجزاء متناهية في الصغر لخدمة تطبيقات الطب الحيوي والدارات المنطقية للحاسوب.

في الطيران والفضاء
في مجال الطيران استخدم التصنيع التجميعي في مجالات عدة، منها تخفيض وزن أحد حوامل محرك طائرة بنسبة 70% في مسابقة طرحتها شركة جنرال إلكتريك عام 2013. وتعود ميزة تخفيض الوزن إلى قدرة التصنيع التجميعي على دمج عدة أجزاء مختلفة في قطعة واحدة بخطوة واحدة ما يقلل متطلبات التجميع. ومن مزايا التصنيع التجميعي أنه يقلل الهدر في المواد إلى حد كبير جدا. ويمكن توضيح ذلك بما يسمى نسبة الشراء إلى الطيران But-to-Fly ratio، فهذه النسبة تمثل وزن المواد الأولية الداخلة في التصنيع إلى وزن المنتج النهائي. ففيما يخص عمليات التصنيع التقليدية، قد تبلغ نسبة الشراء إلى الطيران لمحرك طائرة ومكوناتها الهيكلية 10: 1 و20: 1 على التوالي. ويمكن خفض إحدى هاتين النسبتين لتبلغ 1 : 1 تقريبا باستخدام التصنيع التجميعي الذي يوفر إنتاج الشكل الصافي طبقة تلو أخرى بحسب المتطلبات، دون الحاجة إلى عمليات التصنيع التقليدية المختلفة مثل الصب و الصقل والحفر واللحام.
وفي مجال الفضاء، سمح التصنيع التجميعي لرواد الفضاء بصنع قطع غيار وأدوات معدنية أثناء وجودهم في الفضاء. فعلى سبيل المثال استخدم رواد الفضاء في الوكالة ناسا طابعة ثلاثية الأبعاد لصناعة مفاتيح ربط معدنية في محطة الفضاء الدولية. وتبرز أهمية التصنيع التجميعي في الفضاء من خلال تسهيل حياة رواد الفضاء، والحد من الحاجة إلى إرسال قطع غيار عن طريق بعثات قادمة من الأرض.

تحديات تقنية
ولرب سائل يتساءل: إذا كانت الطباعة ثلاثية الأبعاد للمعادن تتميز بطيف واسع من المزايا مقارنة بغيرها من الصناعات، فلماذا لم تنتشر بعد بصورة واسعة ؟
والإجابة عن ذلك لها جوانب عدة؛ فالأجزاء المعدنية المصنعة تجميعيا تحوي عادة ضغوطا داخلية متبقية ناتجة عن الحرارة بسبب الليزر الموضعي. لذا، يخضع العديد من الأجزاء المصنعة حاليًا للمعالجة الحرارية بعد بنائها. إضافة إلى ذلك، فإن بعض الأجزاء تحتاج إلى معالجة نهائية لسطوحها لتحقيق الجودة السطحية المطلوبة لبعض التطبيقات. وهناك أيضا حاجة لإزالة المواد الداعمة للبناء التي عادة ما تكون على شكل قاعدة هيكلية تبنى عليها القطعة المطلوبة بواسطة الليزر. وهذه العمليات المذكورة آنفا تسبب صعوبات إضافية تحد من انتشار هذه التقنية.
وأكثر الطرائق الواعدة لمواجهة هذه التحديات هي دمج التصنيع التجميعي في التصنيع الطرحي Subtractive Manufacturing خلال عملية تصنيع هجينة
Hybrid Manufacturing تشمل في آن واحد كلتا العمليتين (أي توفرإضافة المواد وإزالتها في الوقت نفسه)، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الفرص والابتكار لتطوير هذه التقنية وانتشارها وتعزيز حضورها في جميع المجالات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق