أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم البيئيةالعلوم الطبيعية

استدامة زرقاء من الفضاء.. أقمار اصطناعية ترصد البحار والمحيطات

  • شبكة هائلة من الأقمار الاصطناعية ترصد البحار والمحيطات وتكشف حوادث التسرب النفطي والتغيرات المفاجئة في حرارة سطح مياه البحر والأنشطة المسببة لتغير المناخ.
  • خوارزميات طيفية تتيح متابعة المنشآت الساحلية والأنشطة البشرية التي قد تؤثر على جودة مياه البحار والتجاوزات القانونية والأخطار المؤدية إلى حدوث ظاهرة نفوق الأحياء البحرية.

جاسم البناي
باحث في مجال الاستشعار عن بعد (الكويت)

بنظرة واحدة فقط على حركة الملاحة العالمية في البحار والمحيطات نستطيع فهم الضغط الذي تتعرض له البيئة البحرية، والذي يؤدي الإنسان الدور الرئيسي فيه. تمثل البحار الشاسعة والمحيطات العالية اليوم أحد أهم الميادين في ربط القارات السبع نظرا لدورها الحيوي في تصدير النفط واستيراده، ونقل البضائع، والسفر، والأنشطة الترويحية المختلفة، ولاسيما تلك التي تتركز في المناطق الساحلية. وأدى هذا الضغط الهائل إلى تدهور البيئة البحرية بما في ذلك البيئة الساحلية، ما لفت أنظار العلماء إلى حجم الضرر الذي قد يسببه الإنسان للبيئة البحرية إذا استمرت هذه الممارسات لعقود متتالية، خصوصًا مع اشتداد التغيرات المناخية الحاصلة في العالم، والتي تؤثر بشدة في موارد كوكبنا المائية، مع اعتقاد متزايد بتأثير الإنسان على مناخ الأرض.

ونجحت محاولات العلماء في القرن المنصرم في إدخال المفاهيم البيئية إلى السياسات العامة لدول العالم، مما انعكس على القرارات الحكومية لتلك الدول وسلوك الأفراد أيضًا. وهدفت تلك المحاولات إلى استغلال الموارد الطبيعية للعالم –بما في ذلك البحرية- دون الإضرار بالبيئة واستنزاف مواردها إلى الحد الذي لا يمكنها فيه أن تعيد اتزانها بنفسها فيه، وبذلك ولد مفهوم الاستدامة البيئية، في إشارة إلى تفاعل الإنسان مع البيئة مع حفظ حق الأجيال القادمة في الاستفادة من موارد الأرض الطبيعية دون تدهورها وربما نفادها.

رصد التعديات على البحار

  عانت دول العالم لسنوات طويلة في القرن الماضي من مشكلة رصد التجاوزات والتعديات الحاصلة على البيئة البحرية، نظرا لاتساعها وطبيعتها الحركية التي يصعب رصد الممارسات البشرية فيها. فعلى سبيل المثال، يبلغ اتساع المياه الإقليمية لدولة الكويت نحو ثمانية آلاف كيلومتر مربع، أما الزوارق التابعة لأجهزة الدولة، المخصصة لرصد التجاوزات القانونية والبيئية، فإنها لا تتمكن إلا من تغطية جزء بسيط فقط من هذه المساحة مكانيًا وزمنيًا.

وعلى مستوى رصد التغيرات الطبيعية -الفيزيوكيميائية والأحيائية- فإن ذلك لم يتعد بعض المحطات الثابتة والمتحركة، إضافة إلى المسوحات الميدانية المحدودة لمعرفة طبيعة مياه المحيطات والتغيرات التي تطرأ عليها. كان السؤال الحقيقي فيما يخص مياه بحارنا ومحيطاتنا هو: كيف يمكننا إدارة البيئة البحرية بكفاءة عالية وبرصد متواصل؟

كان من منافع الحرب العالمية الثانية الصدام التقني الذي حدث بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، فيما عرف بالحرب الباردة. وكان الفضاء إحدى أهم الساحات التي خصصت لاستعراض العضلات التقنية بين البلدين، فقد بدأ الاتحاد السوفييتي سباق التسلح الفضائي بإطلاق القمر الاصطناعي سبوتنيك 1 عام 1957 للدوران في مدار الأرض مستفيدا من قوانين نيوتن في حركة الأقمار حول كواكبها، تبع ذلك إرسال الملاح يوري غاغارين في مدار حول الأرض عام 1968. ودفعت هذه التحركات الولايات المتحدة إلى محاولة فعل شيء أكبر، فتمكنوا في سبعينيات القرن المنصرم من إرسال الإنسان إلى القمر بعد بعثات متتالية له. وبعد سنوات معدودة أطلقت ناسا أول قمر اصطناعي أمريكي عام 1972، عرف باسم لاندسات 1.

أنظمة تحديد المواقع 

في العام التالي بدأت وزارة الدفاع الأمريكية بتطوير نظام ملاحة عبر الأقمار الاصطناعية يعرف باسم نظام المواقع العالمي GPS، الذي انتهى العمل منه في عام 1995. وتبع إطلاق لاندسات 1 إطلاق عائلة من الأقمار الاصطناعية الشبيهة به، والتي كانت أكثر تطورًا. كانت تلك الأقمار -جنبًا إلى جنب مع أقمار GPS- حكرًا على الاستخدامات العسكرية والجيوسياسية الأمريكية.

   وفي بداية العقد الأول من القرن الحالي أتاحت الحكومة الأمريكية مرئيات أقمار لاندسات للعلماء والجمهور للاستفادة منها، كما أتاحت استخدام GPS للجميع مع التحكم في دقة النظام. مثلت الأقمار الاصطناعية القفزة الكبرى الأولى في رصد الأرض من الفضاء، فالنظرة الشمولية الشاسعة التي تتيحها مرئيات هذه الأقمار، إضافة الى الانتظام الزمني المتواصل في الرصد، أسقطت على حواسيب العلماء بيانات رقمية مكانية هائلة مثلت حجر الأساس لفهم الكوكب ومحاولة الحفاظ عليه.

  ومع تطور علوم الحاسوب وبرمجيات نظم المعلومات الجغرافية GIS المخصصة للاستفادة من هذه البيانات، إضافة إلى إطلاق العديد من الأقمار الاصطناعية للاستخدامات العلمية في رصد الأرض بمزايا عالية الجودة، أصبحنا في وضع يمكننا القول فيه إننا نحظى بنظرة أفضل من نظرة الطائر في رصد ومراقبة سطح الأرض، بما في ذلك البحار والمحيطات!الشكل (1) مثال على التغطية الواسعة للأقمار الاصطناعية مقارنة بمحطات الرصد الثابتة.

شبكة هائلة

تغطي الأرض اليوم شبكة هائلة من الأقمار الاصطناعية التي تتوالى الدوران عليها زمنيًا ومكانيًا لترسل لنا بيانات هائلة عنها. علميًا، ترسل المستشعرات المثبتة على الأقمار الاصطناعية البيانات بشكل مستمر إلى الأرض عند وجود خط مستقيم بينها وبين محطات الاستقبال الأرضية، فتعالج المحطات هذه البيانات وترسلها للمستخدمين والعلماء لتحليلها والاستفادة منها.

  تتشابه المستشعرات المثبتة في هذه الأقمار مع الكاميرات المزودة في هواتفنا في آلية التقاط الصور، غير أنها فائقة الوضوح، كما أنها تتمكن من التقاط نطاقات من الأشعة الطيفية لا تتمكن كاميرات هواتفنا من التقاطها، كالأشعة الحرارية المستخدمة في الكشف عن حرارة أجسادنا وغيرها. أما عن أقمار GPS فإنها شبكة تتكون من 24 قمرا اصطناعيا تدور حول الأرض بشكل مستمر، وصممت بحيث تغطي جميع المواقع في الأرض على مدار الساعة لتتمكن من تحديد مواقعنا في أي مكان باستخدام نظام التثليث. ومع كل هذه المزايا، يثار سؤال مفاده: كيف نستطيع استخدام شبكات الأقمار هذه في رصد البحار والمحيطات وتحقيق الاستدامة الزرقاء!

زرقة مياه الكوكب

   يساعد التكامل المعلوماتي المكاني على رصد البحار والمحيطات بكفاءة عالية، فحوادث التسرب النفطي وما يتعلق بذلك من إهمال لمياه الموازنة في الناقلات أصبحت أمرًا مكشوفًا من الفضاء، إذ نستطيع معرفة أوقات التسرب ومواقعها الجغرافية عبر المستشعرات فائقة الوضوح.

  ماذا بعد؟ مكننا نظام المواقع العالمي من تعقب حركة السفن عن طريق شرائح مثبتة في كل مركب مسجل، حيث ترخص السفن وناقلات النفط العملاقة اليوم بعد التأكد من عمل نظام يعرف باسم تحديد الهوية الآليautomatic identification system (AIS). ومع معرفة وقت حدوث التسرب وموقعه الجغرافي، يمكننا تحديد السفن والناقلات المارة في ذلك الموقع في وقت معين، ومن ثم فإن نظام الرقابة الصارمة هذا يفرض التزامًا كبيرًا في المحافظة على زرقة مياه الكوكب.

  ليس هذا فحسب، إذ ترصد المستشعرات الحرارية التغيرات المفاجئة في حرارة سطح مياه البحر، لاسيما تلك التي قد تتسبب بها محطات معالجة المياه وتوليد الكهرباء بسكب المياه المستخدمة في تبريد الآلات ومخلفات الصرف الصناعي في البحار دون تبريدها، ما يؤدي إلى نقص نسبة الأكسجين المذاب، ومن ثم إحداث ضرر جسيم في البيئة الأحيائية للمنطقة عينها.

  على الجانب الآخر طور العلماء بعض الخوارزميات الطيفية التي تتيح لنا رصد خصائص المياه كنسبة العوالق النباتية وتركيز الكلوروفيل فيها، مما يسمح بمتابعة المنشآت الساحلية والأنشطة البشرية التي قد تؤثر على جودة مياه البحار، فمجارير المياه التي تصب في البحار مثلًا قد تحتوي على تركيز عالٍ من المغذيات إذا لم تخضع للمعالجة، أو كان هناك بعض التجاوزات القانونية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى حدوث ظاهرة الازدهار الطحلبي وزيادة استهلاك الأكسجين المذاب بسبب التحلل، وهو ما يتسبب في حدوث ظاهرة نفوق الأحياء البحرية.

الشكل (2) تتيح لنا مرئيات الأقمار الاصطناعية رصد التجاوزات التي تتسبب في رفع حرارة المياه الساحلية.

رصد آثار تغير المناخ

على نطاق التغيرات طويلة المدى التي تحدث في الكوكب، تساهم الأقمار الاصطناعية بأرشيفها الزمني الضخم، في متابعة ورصد التغيرات ولاسيما تلك التي تعود إلى تغير المناخ بالدرجة الأولى ونشاط الإنسان، فبمقارنة مرئيتين ملتقطتين في فترتين زمنيتين مختلفتين يمكن متابعة ظواهر عدة مثل تآكل الشواطئ، ونفوق الشعاب المرجانية، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتأثير عمليات الردم والجرف في زيادة عكارة المياه وغيرها. أما رصد جودة مياه البحار والمحيطات فأصبح أمرا سهلا، مع إمكانية تحديد درجة دقة الرصد، مما يتيح لنا متابعة التغيرات الطبيعية والبشرية الحاصلة في كوكبنا بكفاءة عالية.

  شخصيًا، أجد متعة لا مثيل لها في رصد ومراقبة البيئة البحرية لدولة الكويت من الحاسوب في المنزل، في الأثناء التي أحتسي بها قهوتي المفضلة. ما يمكنني إخباركم به أنه حتى نستطيع حل مشكلة ما يجب أولًا فهمها بعناية، وحتى نفهمها كذلك يجب أن نتمكن من رصدها بجودة. تلك هي قصة الأقمار الاصطناعية ودورها في تحقيق الاستدامة الزرقاء!

الشكل (3) مرئية حرارية توضح التفاوت المكاني لدرجة حرارة سطح البحر في مياه دولة الكويت.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى