أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم الطبيعية

الهيدروجين الأخضر.. ثورة جديدة في الطاقات المتجددة

يشهد العالم ثورة في مجال استخدام الهيدروجين الأخضر والحصول عليه بتقنيات مناسبة نظرا لصداقته للبيئة وسهولة إنتاجه ورخص تكلفته وتخزينه واستخدامه في صناعات عدة.

د.وفاء محمد مصطفى
مركز بحوث الأمان النووي والإشعاعي
هيئة الطاقة الذرية المصرية        

    يتجه العالم نحو ثورة جديدة في مجال الطاقة بعد سنوات طويلة من استحواذ الوقود الأحفوري عليه. ويبدو أن البطل الواعد فيه هو الهيدروجين الأخضر الخالي من الكربون الذي يشهد ما يمكن تسميته بثورة في مجال الاستخدام لأنه وقود خالٍ من الكربون، ومصدر إنتاجه هو الماء. وتشهد عمليات إنتاجه فصل جزيئات الهيدروجين عن جزيئات الأكسجين في الماء بواسطة كهرباء تولدها مصادر طاقة متجددة مثل طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية.

  ومن المعلوم أن الماء هو الناتج الثانوي الوحيد لعملية احتراق الهيدروجين، لذا ظل الهيدروجين، على مدى عقود، مُغريًا للعلماء باعتباره مصدرًا للطاقة خاليًا من الكربون. بيد أن عملية إنتاج الهيدروجين التقليدية، التي تنطوي على تعريض الوقود الأحفوري للبخار، أبعد ما تكون عن الخلو من الكربون. ويُطلق على الهيدروجين الناتج بهذه الطريقة الهيدروجين الرمادي، وإذا عزل ثاني أكسيد الكربون عنه، يُعرف بالهيدروجين الأزرق.

 أما الهيدروجين الأخضر فأمره مختلف؛ إذ يجري إنتاجه عن طريق التحليل الكهربائي باستخدام آلاتٍ تعمل على تحليل الماء إلى عنصرَي الهيدروجين والأكسجين، دون أي نواتج ثانوية. وكان التحليل الكهربائي يتطلب، في المعتاد، استهلاك قدر كبيرٍ من الطاقة الكهربائية، إلى الحدِّ الذي جعل من إنتاجه بتلك الطريقة أمرا غير مجد. أما اليوم، فقد شهد الوضع تغيُّرًا يُعزى إلى سببين اثنين: أولهما تَوافُر فائض من الكهرباء المتجددة بكميات كبيرة في شبكات توزيع الكهرباء؛ فعوضًا عن تخزين الكهرباء الفائضة في مجموعات كبيرة من البطاريات، يمكن الاستعانة بها في عملية التحليل الكهربائي للماء، ومن ثم “تخزين” الكهرباء في صورة هيدروجين. وأما السبب الثاني فيرجع إلى ما تشهده آلات التحليل الكهربائي من زيادةٍ في كفاءتها.

مزايا الهيدروجين الأخضر

الهيدروجين هو العنصر الكيميائي الأكثر وجوداً في الطبيعة، وقد تضاعف الطلب عليه لاستخدامه كوقود ثلاث مرات. إضافة إلى ذلك، فهو مصدر طاقة نظيف لا ينبعث منه إلا بخار الماء ولا يترك أي بقايا في الهواء، على عكس الفحم والنفط.  ولغاز الهيدروجين علاقة طويلة جداً بالصناعة؛ إذ استخدم لتزويد السيارات والمناطيد وسفن الفضاء بالوقود منذ بداية القرن التاسع عشر.

   إن إزالة وتقليل نسبة الكربون في الجو عملية لا يمكن تأجيلها، وستعطي الهيدروجين أهمية أكبر. إضافة إلى ذلك، إذا انخفضت تكاليف إنتاجه بنسبة 50 % بحلول عام 2030 – كما تنبأ مجلس الهيدروجين العالمي – فسننظر إليه باعتباره أحد أنواع مصادر الطاقة النظيفة في المستقبل القريب.

  ووزن الهيدروجين الأخضر أقل من الهواء ب 14 مرة؛ أي إنه غاز خفيف جدا وذو طاقة عالية جدا عند تفاعل ذراته. ونحصل عليه من خلال عملية التحليل الكهربائي التي تستخدم تيارًا كهربائيًا لفصل الهيدروجين عن الأكسجين في الماء. والهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة في الكون، لكنه يوجد على الأرض متحدا مع الأكسجين في صورة مياه، وأيضا مع بعض المعادن والأحماض والطحالب وغير ذلك. ويتطلب تخزينه ضغطًا يصل إلى 700 مرة من الضغط الجوي العادي أو التبريد إلى 253 درجة مئوية تحت الصفر، فيما تعتبر الصين أكبر دولة مصدرة له.

ويشهد الطلب على الهيدروجين الأخضر ازديادا كبيرا مع تزايد المخاوف بشأن تغير المناخ، والحاجة الملحة لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ووفقًا لتقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) فإن تكنولوجيا إنتاج الهيدروجين الأخضر قد توفر نحو 25% من احتياجات الطاقة في العالم بحلول عام 2050، ويصبح سوقًا قابلاً للتوجيه بقيمة 10 تريليونات دولار بحلول عام 2050. ومن المتوقع أن يتجاوز الاستثمار في إنتاج الهيدروجين الأخضر بليون دولار سنويًا بحلول عام 2023.

 ويمكن إجمال مزايا الهيدروجين الأخضر في الأمور الآتية:

– نظيف: عند حرق الهيدروجين الأخضر لا تطلق أي منتجات جانبية ضارة في الغلاف الجوي ولا يمكن تحويله إلى مياه شرب مرة أخرى.

– طاقة الهيدروجين ليست سامة: لا يسبب الهيدروجين ضررا لصحة الإنسان على عكس الطاقة النووية أو الغاز الطبيعي.

– طاقة الهيدروجين عالية الكفاءة: الهيدروجين الأخضر كثيف بشكل لا يصدق في الطاقة وهو قادر على توفير الكثير من الطاقة.

– مستدام: الهيدروجين الأخضر لا ينبعث منه غازات ملوثة سواء أثناء الاحتراق أو أثناء الإنتاج.

– قابل للتخزين: من السهل تخزين الهيدروجين مما يسمح باستخدامه لاحقًا لأغراض أخرى وفي أوقات أخرى غير مباشرة بعد إنتاجه.

– متعدد الاستخدامات: يمكن تحويل الهيدروجين الأخضر إلى كهرباء أو غاز اصطناعي واستخدامه للأغراض المنزلية أو التجارية أو الصناعية أو التنقل.

– قابل للنقل: يمكن مزجه مع الغاز الطبيعي بنسب تصل إلى 20% واستخدام نفس أنابيب الغاز والبنية التحتية.

استثمارات هائلة

  تسعى شركات الطاقة إلى تطوير آلات التحليل الكهربائي التي يمكنها إنتاج الهيدروجين الأخضر بالتكلفة ذاتها التي يُنتَج بها الهيدروجين الرمادي والأزرق، وهو هدف يتوقع تحقيقه في غضون السنوات العشر المقبلة. وفي الوقت نفسه، شرعت شركات الطاقة بالاستعانة بآلات التحليل الكهربائي مباشرةً في مشروعات الطاقة المتجددة. فعلى سبيل المثال، ثمة ائتلاف من الشركات الراعية لمشروع يُسمى (غيغاستاك) Gigastack، يعتزم تزويد مزرعة الرياح البحرية (هورنزي تو) Hornsea Two، التابعة لشركة (أورستد) Ørsted بمعدات تحليل كهربائي تبلغ قدرتها 100 ميغاوات، من أجل توليد الهيدروجين الأخضر على نطاق صناعي.

   وترى مجموعة (إينرجي ترانزيشنس كوميشن)Energy Transitions Commission -وهي ائتلاف يضمُّ عددًا من شركات الطاقة- أن الهيدروجين الأخضر يُعَد واحدةً من أربع تقنيات ضرورية لتحقيق هدف اتفاق باريس للمناخ، المتمثل في تقليل ما يزيد على 10 بلايين طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًّا في القطاعات الصناعية التي تشكل التحدي الأكبر في هذا المضمار، مثل قطاعات التعدين، والتشييد والبناء، والصناعات الكيميائية.

ومع أن إنتاج الهيدروجين الأخضر ما زال يخطو خطواته الأولى، فهناك دول عدة تضخ استثمارات كبيرة في هذه التكنولوجيا، ولا سيّما الدول التي تتوافر لها طاقة متجددة قليلة التكلفة. ومن هذه الدول أستراليا التي تسعى إلى تصدير الهيدروجين المزمع إنتاجه عبر استغلال ما يتوافر لديها من طاقة شمسية وطاقة رياح، في حين تخطط تشيلي لإنتاج الهيدروجين في مناطق واقعة شمالي البلاد غنية بالكهرباء المُوَلَّدة باستخدام الطاقة الشمسية. وأما الصين فتعتزم إطلاق مليون مركبة تعمل بخلايا وقود الهيدروجين بحلول عام 2030.

   وتسعى بعض الدول، وفي مقدمتها النرويج وأستراليا والمغرب وتشيلي والسعودية والصين واليابان ومصر، إلى استخدام الهيدروجين الأخضر، ويرجع ذلك أساسًا إلى توافر كبير لديها من الطاقة المتجددة الرخيصة من الرياح أو الطاقة الشمسية أو الطاقة المائية.  الاستثناء من ذلك هو اليابان، التي تعتمد إلى حد كبير على الواردات لتزويدها بالطاقة. وقد افتتحت اليابان وحدة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بغرض تشغيل خلايا الوقود الهيدروجيني، في خطوة تهدف إلى تطوير استراتيجية الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع. وتتمتع هولندا بوضع جيد بفضل الإمكانات الكبيرة لطاقة الرياح في بحر الشمال.

  ونشرت المفوضية الأوروبية مؤخرًا خطة إنتاج الهيدروجين لعام 2030، التي تدعو فيها إلى زيادة قدرات إنتاج الهيدروجين لتصل إلى 500 غيغاوات بحلول عام 2050 (علمًا بأن القدرات الحالية لا تزيد على 0.1 غيغاوات). وهذا ما دفع مؤسسات مالية إلى توقع بلوغ قيمة الاستثمارات السوقية في إنتاج الهيدروجين الأخضر 12 تريليون دولار بحلول عام 2050.

وقبل مدة وجيزة اجتمع سبعة من أكبر مطوري مشاريع الهيدروجين الأخضر لإطلاق مبادرة Green Hydrogen Catapult في محاولة لزيادة إنتاجه بمقدار 50 ضِعفًا في السنوات الست المقبلة. وتهدف المبادرة الجديدة إلى خفض تكلفة الهيدروجين الأخضر إلى أقل من دولارين/كغم، مما سيساعد على خفض الانبعاثات الكربونية من الصناعات الأكثر كثافة في العالم بما في ذلك صناعة الصلب والشحن وإنتاج المواد.

استخدامات واعدة

 يمكن استخدام الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع في مجالات عدة، منها: السيارات والشاحنات الكهربائية التي تعمل بخلايا الوقود الهيدروجينية؛ وسفن الحاويات التي تعمل بالأمونيا السائلة المصنوعة من الهيدروجين؛ ومصافي (الفولاذ الأخضر) التي تحرق الهيدروجين كمصدر للحرارة بدلاً من الفحم؛ والتوربينات الكهربائية التي تعمل بالهيدروجين والتي يمكنها توليد الكهرباء في أوقات ذروة الطلب للمساعدة على تثبيت شبكة الكهرباء؛ والغاز الطبيعي المستخدم في الطبخ والتدفئة في المنازل.      وفي المستقبل يمكن استخدام الهيدروجين الأخضر في العمليات التي تحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة، مثل إنتاج الصلب الذي يستخدم الآن الغاز الطبيعي أو الفحم.

 والطريقة الأكثر انتشارا في الوقت الحالي لإنتاج الوقود الهيدروجيني هي (إصلاح الغاز الطبيعي)، أو (إصلاح البخار)، وهي عملية كيميائية تخضع لها الهيدروكربونات الطبيعية الموجودة في أنواع من الوقود الأحفوري مثل الغاز الطبيعي، بهدف إنتاج غاز الاصطناع.

  ومن المتوقع أن تنخفض تكاليف الإنتاج بنسبة 40% حتى عام 2025، حيث يجب استخدام أي تقنية على نطاق صناعي حتى تصبح مجدية اقتصاديًا. والأمر نفسه ينطبق على تقنيات التحليل الكهربائي، ففي الوقت الحالي انخفضت أسعار جهاز التحليل الكهربائي بنسبة 50% مقارنةً بخمس سنوات ماضية، ويرجع ذلك إلى التقدم الكبير في تكنولوجيا التحليل الكهربائي والقدرة على التصنيع.

إن نجاح إنتاج الهيدروجين الأخضر يعتمد بالدرجة الأولى على إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية ومن طاقة الرياح بتكلفة لا تزيد على 1.3 سنت للكيلووات/ساعة. وتستهدف البحوث تخفيض تلك التكلفة.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى