الاقتصادالعلوم الاجتماعية

متطلبات الاقتصاد المعرفي في الألفية الثالثة

الحكومات المعرفية .. قراءة مستقبلية

خالد الحشاش
مستشار الأمين العام للتخطيط والتنمية (الكويت)

يواجه العالم في القرن الحادي والعشرين، قرن الاقتصاد المعرفي والاستخدام الكثيف للابتكار المدفوع بالتكنولوجيات الناشئة والشبكات اللاسلكية المتطورة القادرة على نقل البيانات والمعلومات بسرعات غير مسبوقة، تحديات وتحولات لم يألفها من قبل، ولا تشبه شيئا مما مضى من حيث السرعة والتطور، والتغير في طبيعة الوظائف والأعمال والفرص الاستثمارية وانتشار الأسواق المعرفية، وهي الآلية التي بموجبها تُسيَّل أصول الملكية الفكرية على هيئة سلع وخدمات ذات قيمة اقتصادية على نحو يسهم في تنويع الفرص الاستثمارية والوظيفية وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك انتشار المدن المعرفية، ويصاحب ذلك اندماج الواقع الفعلي بالحلول الرقمية لينجم عنه بيئات تشغيلية معاصرة في مقدمتها الواقع الرقمي Onlife وواقع الأشياء On-things التي ستقود العالم نحو مستويات يتعذر على الحكومات التقليدية التنبؤ بتوجهاتها والإحاطة بتطبيقاتها والتحكم في مخرجاتها. وهذا الأمر دفع العديد من الحكومات إلى بذل جهود مضاعفة لاستشراف المستقبل من منظور الاقتصاد المعرفي لوضع الخطط الاستباقية التي تساعد على فهم توجهات القرن الحادي والعشرين وإدراك أدواته التنافسية المعاصرة ومعرفة طرائق ريادته وقوام إنتاجيته القائمة على المعرفة والابتكار، لاسيما في ضوء التغيرات الجوهرية ضمن طبيعة المجتمعات وتركيبتها الاجتماعية التي نجم عنها تحولات تعكس تفضيلات واهتمامات وتطلعات الأجيال الرقمية، تلك الأجيال التي باتت جزءا من اهتمام الأسواق العالمية ومستهدفات الحكومات لإعادة تعريف مفهوم القيمة العامة التي تنشأ عن كل المرافق العامة والأعمال والخدمات الحكومية كالتعليم والصحة والإسكان والنقل، إضافة إلى تحسين جودة الحياة، الأمر الذي وضع الحكومات في خط المواجهة مع الواقع المعرفي للألفية الثالثة، وهذا يتطلب فكرا متعمقا حول كيفية إدارة منظومة الاقتصاد المعرفي من خلال تبني نموذج حكومي قادر على إرساء قواعده لضمان البقاء ضمن دائرة التنافس الإقليمي.
ويعد مفهوم الحكومات المعرفية أحد أبرز نماذج الحكومات في الألفية الثالثة القادرة على محاكاة متطلبات اقتصاد المعرفة وبناء قواعده التنافسية وتحسين جودة الحياة المجتمعية بما يتسق وأهداف التنمية المستدامة 2030.

نماذج الحكومات في الألفية الثالثة
منذ بداية الألفية الثالثة، والعالم يواجه صراعا اقتصاديا وحراكا تنمويا مدفوعا بالثورة المعرفية، مما أدى إلى نسخ قواعد ومبادئ التنمية السائدة خلال القرن العشرين بقواعد معاصرة قائمة على الحلول الابتكارية والرقمية وبناء الأسواق والمدن ذات المحتوى المعرفي والذكي. فالتأصيل العميق لمفهوم التنمية يشير إلى التغيير، والتغيير في الألفية الثالثة مرتبط بقواعد وأصول المعرفة ضمن أطرها الاقتصادية والتعليمية والثقافية والاجتماعية، ومن لا يجيد لغة المعرفة يرتبط نشاطه التنموي بخطط وسياسات لا تحقق المقاصد والمأمول، وأي تنمية خارج منظومة الاقتصاد المعرفي هي عبث لا طائل منه، ينتج عنه اقتصاد محكوم عليه بالنمطية التقليدية تستنزف الأموال وتبدد الوقت والجهد مما يدفع الحكومات “التقليدية” إلى الخروج من دائرة المنافسة.
ولضمان استدامة منظومة الاقتصاد المعرفي، فإن ذلك لا يقتصر على إطلاق رؤية طموحة تتكون من خطط وسياسات فحسب، بل العمل على تطوير المناخ الفكري والمؤسسي والتشريعي السائد في الدولة، وتعزيز وفرة القياديين القادرين على ممارسة الأنشطة الاستشرافية لبناء بيئة جاذبة للاستثمار المعرفي وإرساء قواعد الأسواق المعرفية. فالمعرفة وما ينتج عنها من سلع وخدمات ابتكارية وحلول رقمية وأدوات تكنولوجية أشبه بصناعة الفخار القابلة للتشكل على هيئة ثروات وفرص وظيفية واستثمارية، تعمل على تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية وتحسين جودة الحياة، إذا ما خضعت لبيئة فكرية وتشغيلية خصبة، تؤمن بأن المعرفة ثروة وطنية ومخزون استراتيجي تدعم مسائل نمو الأسواق وتنمية الاقتصاد وتشجيع الاستثمار وتعزيز الإيرادات وبناء مهارات رأس المال البشري. وكل ذلك يدعو إلى التفكير العميق في شأن شكل الحكومات المستقبلية القادرة على تحقيق تلك المقاصد.
وفي هذا السياق، أظهرت أدبيات الألفية الثالثة اهتمام العديد من الحكومات بشأن تبني النماذج المعاصرة لشكل الإدارة العامة وما يتصل بها من تطوير السياسات والمرئيات لتشكل نموذجا معاصرا يتمحور حول مفهوم الإدارة العامة الجديدة new public management أو حوكمة الإدارة الجديدة new public governance، استجابة لمتطلبات الألفية المدفوعة بمحاور رئيسة أبرزها النزعة المعرفية والابتكارية والرقمية وأثرها في الأسواق العالمية؛ ومبادئ الثورة الصناعية الرابعة وأثرها في مستقبل بيئات الأعمال وأسواق العمل؛ والسعي العالمي إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030؛ والتحول في مفهوم القيمة العامة ومبادئ تحسين جودة الحياة.
فالنماذج الحكومية المتعاقبة ما هي إلا تعبير عن درجة التطور الفكري والإداري والتشغيلي السائد في دولة ما، ودلالة على درجة سرعة الاستجابة والمواءمة مع التغيرات العالمية. وأشكالها المتنوعة ما هي إلا وسائل تمكينية تدعم الخطط الاستراتيجية لضمان البقاء ضمن دائرة التنافس المستقبلي القائم كليا على المعرفة والابتكار. وبهذا الصدد، تنوعت مذاهب حكومات العالم في السعي إلى تبني نماذج تتسق وطبيعة الألفية طبقا لقدراتها وإمكاناتها البشرية والمؤسسية والمالية، أدنى مراتبها مفهوم الحكومات الإلكترونية التي تعد أساسا لكل تطور لاحق، ثم الرقمية والذكية. وعلى الرغم من اختلاف منهجيات واستراتيجيات وسياسات وطرق التنفيذ الخاصة بكل نموذج، فإن ثمة قواسم مشتركة بينها تتمثل في الرغبة الجادة بإصلاح منظومة الحوكمة والإدارة العامة، وتعزيز المرونة اللازمة لتطوير السلع والخدمات بطرق مبتكرة، وتحسين بيئات الأعمال والقيم العامة.
وعلى الرغم من أن جميع النماذج السابقة تعتمد في المقام الأول على الحلول الرقمية والتطبيقات التكنولوجية وشبكات الاتصالات لتحسين جودة الخدمات والأعمال وتطوير الأداء العام، فإنها تقف عاجزة أمام مواجهة الأزمات كونها نماذج موجهة للتطوير والتبسيط أكثر من حل المشكلات المعقدة ومواجهة الأزمات العالمية وبناء الاقتصاديات والأسواق، والتي تتطلب منظومة معرفية ذات طبيعة استشرافية مدفوعة بنوعية خاصة من نماذج الحكومات القادرة على توظيف واستغلال المعرفة اقتصاديا، وتنمويا، واجتماعيا، وتعليميا، وثقافيا، وسياسيا، وهو ما يطلق عليه نموذج الحكومات المعرفية الذي سيكون أحد أشكال حكومات المستقبل في الألفية الثالثة لما يتسم بخواص غير متاحة ضمن النماذج الإلكترونية والرقمية والذكية في كيفية فن إدارة التحديات والأزمات وتلبية متطلبات الألفية الثالثة المدفوعة بتطبيقات الاقتصاد المعرفي.

مفهوم الحكومات المعرفية
يشير مصطلح الحكومات المعرفية وفق الإطار المفاهيمي والمقاصد العامة إلى شكل الإدارة المستقبلية التي تجسد معاني التغير العميق في عمل المؤسسات العامة ضمن جوانبها القيادية والإدارية والتشغيلية والتشريعية، على نحو تكون فيه المعرفة إنتاجا واستغلالا مقصدها الاستراتيجي لتحقيق النمو والتنمية والريادة وتحسين جودة حياة أفراد المجتمع، ومحور ارتكاز تدور في فلكه كل رؤوس الأموال الحكومية الخمسة التي سيـأتي ذكرها لاحقا.
وينظر إلى الحكومات المعرفية على أنها ممارسة أكثر من كونها تحولا، ومرحلة متقدمة تتطلب تغييرات تتناول جوانب فن إدارة الموارد بطرائق تتسق ومتطلبات الألفية الثالثة، والقدرة الاستشرافية لمستقبل الاقتصاد وتوجهات المجتمع وبناء الأسواق المعرفية واستحداث فرص العمل المغايرة لنمطية القرن العشرين. كما تضطلع الحكومات المعرفية بمهام تغيير الفكر القيادي والثقافي المؤسسي بشأن أهمية الفرد في تحقيق التنمية المستدامة ودوره في بناء مقاصد الدولة المستقبلية عبر زيادة الإنتاج المعرفي، بمعنى آخر التركيز على الفرد ضمن النسق الجماعي أكثر من التركيز على الكتل المجتمعية، ومن ثم يعد بناء “شخصية الفرد المعرفية” إحدى أولويات الحكومات المعرفية في الألفية الثالثة عبر تمكينهم من التعليم المبكر للأطفال، مرورا بالتعليم العام، وحتى التعلم مدى الحياة، وحق النفاذ إلى المعلومات وقواعد البيانات والمجلات العلمية والبحثية لإثراء المجتمع بالأفكار الابتكارية ذات الجدوى الاقتصادية على نحو يذكي روح الإبداع والريادة.
كذلك تأتي مسائل إعادة تعريف القيم العامة في الألفية الثالثة ضمن قائمة أولويات الحكومات المعرفية، وهي قيم تختلف إلى حد كبير عن تلك السائدة في القرن العشرين نظرا للتغيرات الديموغرافية والمجتمعية والجيوسياسية وهيمنة تكنولوجيات المعلومات والمنصات الرقمية التي باتت ضمن نسيج القرن الحادي والعشرين.
إضافة إلى ما سبق، تهتم الحكومات المعرفية ببناء وتطوير منظومة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضياتSTEM ، والعمل على وضع خطط وبرامج استراتيجية لإصلاح اختلالات منظومة السلع المعرفية commercialization of knowledge ، بدءا من الإنتاج المعرفي حتى السوق الاستهلاكي على نحو يسمح باستدامة تدفق المعرفة ذات القيمة الاقتصادية، والعمل على إنشاء المدن المعرفية (يعبر مفهوم المدن المعرفية عن الاتجاهات المعاصرة للقرن الحادي والعشرين الذي يعرف كذلك بقرن المدن، وأحد أوجه مدن المستقبل التي يعول عليها في مواجهة تحديات وتحولات الألفية الثالثة megatrends والمشكلات العالمية كتغير المناخ واستنزاف الموارد والتحولات الديموغرافية ومتطلبات التنمية الحضرية، كما يعد المفهوم من المفاهيم المعاصرة الدالة على التطور الحضري والمعرفي والمؤسسي) التي تمثل بيئة خصبة لتوطين المعارف والخبرات والمواهب في الدولة.
إن حاجة الدول لتبني مفهوم الحكومات المعرفية باتت أمرا حتميا ومصيريا للتصدي لتحولات القرن الحادي والعشرين، كتغير المناخ وندرة المياه والأوضاع الجيوسياسية وهيمنة الأسواق المعرفية والخدمات الرقمية، والتي تتطلب نوعية خاصة من المؤسسات العامة الاقتصادية والبحثية القادرة على إدارة المعرفة بكفاءة عالية وبكلفة أقل تعمل على الحد من مخاطر تلك التحولات، كذلك الفاعلية الكبيرة في إدارة البيانات الضخمة لاستحداث فرص استثمارية تنافسية تعزز من التنوع الاقتصادي للدولة وتحسن من رفاهية المجتمع وجودة الحياة.
ونظرا لحداثة النموذج، فإنه لا يوجد تعريف دولي متفق عليه لمفهوم الحكومات المعرفية. بيد أنه من حيث الإطار العام، يعرف الكاتب الحكومات المعرفية على أنها “تلك الحكومات القائمة على زيادة التحصيل المعرفي واستغلاله بطرق اقتصادية تعزز من الناتج المحلي الإجمالي وتحقق التنمية الاجتماعية وتحسن من جودة الحياة”. ويتضح من الإطار التعريفي أن جوهر الحكومات المعرفية قائم على جودة الحصول على المعرفة، سواء إنتاجا أم تحصيلا، والعمل على توظيفها واستغلالها بفكر اقتصادي وتنموي، وهي بذلك تتفوق على باقي النماذج الحكومية السائدة من حيث الشمولية والمقاصد. فكل حكومة معرفية هي في الأصل حكومة إلكترونية، رقمية وذكية، كونها تعتمد على كل مكونات تلك النماذج إضافة إلى عنصر المعرفة الذي يعد المحرك الرئيسي للنمو والازدهار في القرن الحادي والعشرين.
وبخلاف الرأسمالية الصناعية الأولى التي تنظر إلى الموارد على أنها المصدر الرئيسي للثروة، فإن الرأسمالية الصناعية الثانية Capitalism 2.0 تنظر إلى المعرفة على أنها المصدر الرئيسي للاستدامة (يقصد بالاستدامة ضمن مفهومها العميق القدرة والمرونة العالية لإدارة الموارد والتكيف مع المتغيرات والتأقلم مع التحولات بما يكفل جودة الحياة للأجيال المتعاقبة) وتعزيز الثروة وتنويع القاعدة الإنتاجية والتنافسية، وإن التكنولوجيات الناشئة وشبكات الإنترنت ما هي إلا وسائل الإنتاج المعاصرة، كما تؤكد على أن أفضل طريقة لتحسين بيئة الأعمال ورفع الكفاءة الإنتاجية تتم من خلال الابتكار المؤسسي Institutional innovation والإنتاج المعرفي Knowledge production والترابط الحكومي Internetworked government.
ولا يقتصر دور الرأسمالية الثانية على تعزيز الممارسات الابتكارية والإبداعية وإنتاج السلع والخدمات المعرفية فحسب، بل هي محتوى معاصر يدفع الدول والمجتمعات إلى استحداث قيم عامة غير مسبوقة تتطلب نموذج الحكومات المعرفية القادرة على إدارة محتوى الرأسمالية الثانية بكفاءة وفاعلية؛ والاستخدام الكثيف للمعرفة والابتكار وتوظيفها لتعزيز الرفاهية والإنتاجية العالية؛ ودعم وتمكين مدن المستقبل.. مدن المعرفة المدفوعة بالواقع الرقمي وواقع الأشياء؛ والدخول ضمن عصر شبكات الذكاء Network intelligence الموسوم بعصر التغيير على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية.

الأطر التكوينية لمفهوم الحكومات المعرفية
لأنه قرن المعرفة، تؤدي المعرفة دورا رئيسيا ضمن عمليات الإنتاج الصناعي والخدمي، وهذا يتطلب بناء منظومة البيئة المعرفية لضمان استدامة مفهوم دروانية المعرفة Darwinism Knowledge (حالة التطور والتغير الدائم ضمن خواص المعارف على هيئة سلع وخدمات وإجراءات تحقق قيمة مضافة) التي تمثل اللبنة الأولى للأطر التكوينية لمفهوم الحكومات المعرفية، في حين تتشكل اللبنة الثانية عبر المواءمة بين مفهومي الحكومات الكمومية Quantified Governments والمجتمعات الكموميةQuantified Communities ، وهي مفاهيم تصف عمليات وأنشطة تحليل البيانات الضخمة المجمعة من مصادر متنوعة ذات صلة بالتنمية الاقتصادية والحضرية وسلوك الأفراد والمؤسسات ونماذج الأعمال المعاصرة new business models ، لتوسع مداركنا وفهمنا حول دينامية المؤسسات والمجتمعات ودورها في تعزيز الرفاهية الفردية والتنمية الاجتماعية، غير أن ذلك يتطلب نوعية خاصة من الفكر والإدارة والسياسات والخطط التي تدعم البيئة المعرفية لفهم فيزيائية النظم المؤسسية وكيفية دفعها نحو الترابط الحكومي الفعال، وهنا تتبلور الحاجة إلى نسخة متطورة من مفهوم إدارة المعرفة new generation of knowledge management أو ما يعرف بـ 2.0KM التي تمتلك خواص ومنهجيات وطرقا وأدوات تختلف عن المفهوم التقليدي لإدارة المعرفة، من حيث ارتباطها بمفاهيم جديدة كالابتكار الاجتماعي وشبكات الذكاء والترابط الحكومي ودروانية المعرفة، وهي مفاهيم لم تعالج ضمن النسخة الأولى من إدارة المعرفة.
وفي جانب متصل، نجم عن التقادم السريع للمعارف في ضوء الثورة الصناعية الرقمية والتقارب بين التكنولوجيات الناشئة انفجار في حجم البيانات وشكلها ونطاقها على المستوى العالمي بطرق تفوق قدرات نماذج الحكومات الحالية )الإلكترونية، والرقمية، والذكية) على استيعابها والتعامل معها باحترافية عالية، الأمر الذي قد يقلل من فرص نمو الدول وقدرتها على التنافس ضمن المحيط الإقليمي والعالمي. وهنا تتجلى أهمية تبني نموذج الحكومات المعرفية الذي يمتلك خواص تفتقرها باقي النماذج السابقة، من حيث كفاءة إدارة الإنتاج المعرفي وتوجيه التكنولوجيات وتوظيف البيانات بطرق ابتكارية غير مسبوقة تعمل على إحداث نقلة نوعية نحو مستويات فعالة تضمن لها البقاء ضمن دائرة التنافس والريادة، وهي أجندة يصعب تحقيق مقاصدها في ضوء النظم الحكومية التي تخلو من القواعد المعرفية والابتكارية. ومن ثم، يتضح أن مستقبل الحكومات بات منغمسا أكثر مما مضى ضمن مسائل الشبكات التعددية المرتبطة Internetworked، وهي شبكات تمثل اللبنة الثالثة من الأطر التكوينية لمفهوم الحكومات المعرفية التي تعتمد على المعرفة التشاركية محليا ودوليا لضمان تغذيتها بالبيانات والمعلومات اللازمة لاستدامتها. فالمعرفة التشاركية تمنح الحكومات المعاصرة قيمة نوعية تحقق لها التفاعل المرن مع مكونات المجتمع وجذب الاستثمار وتوطين الخبرات وتحسين بيئة الأعمال، وهي سمات لا يمكن الحصول عليها ضمن سياق النظم التقليدية وأساليب الإدارة الحكومية السائدة في القرن العشرين.

رؤوس الأموال الخمسة
في ضوء الاقتصاد المعرفي، تهتم الحكومات المعرفية ببناء “محفظة رؤوس الأموال الحكومية” التي تتمثل في خمسة أمور ، هي:

  1. رأس المال التشريعي: الذي يشير إلى إجمالي القيمة المضافة الناجمة عن جودة النسق التشريعي في الدولة الداعم للنهضة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية.
  2. رأس مال السياسات: الذي يشير إلى شبكة القواعد العامة والاتجاهات الفكرية التي تفسر طريقة استجابة وتفاعل الحكومات مع التحولات والمتغيرات على هيئة خطط، قوانين وبرامج لتمكين الدولة من تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
  3. رأس المال البشري: الذي يشير إلى حاصل المعرفة والقدرات والمهارات والخبرات المتجسدة في الأفراد والقابلة للاستخدام لتحقيق النهضة والنمو والرفاهية وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
  4. رأس المال المعرفي: الذي يشير إلى المخزون المتاح في الدولة من المعرفة التي تحمل قيما اقتصادية ومنافع تنموية.
  5. رأس المال الاجتماعي: الذي يشير إلى قيمة وجودة شبكة العلاقات الاجتماعية والثقافات السائدة في المجتمع والتي تؤثر في إنتاجية الفرد ضمن إطار مجتمعه. وهذه المحفظة ذات أثر بالغ في ضبط إيقاع إدارة منظومة الاقتصاد المعرفي كما ونوعا، إذا ما خضعت للفكر القيادي القادر على استشراف المستقبل والتعامل مع المعرفة على أنها الثروة الحقيقية المستدامة التي تدور في فلكها كل الأدوات والبرامج والاستراتيجيات والسياسات بما يتسق ورؤية الدولة ومستهدفاتها الاستراتيجية.

تعد هذه المحفظة الأساس الاستراتيجي والتنفيذي لبيئة الحكومات المعرفية، ومؤشرا إلى التجانس الفكري والمؤسسي للدولة في توجيه كل مواردها ونظمها نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وفي ضوئها تتحدد كل العمليات التشغيلية ضمن منظومة الاقتصاد المعرفي من حيث الجودة والمرونة والكفاءة والمخرجات.

النموذج الأولى للحكومات المعرفية
على الرغم من الممارسات الدولية لبعض أعمال الحكومات المعرفية، فإن المشهد العالمي يفتقر إلى نموذج للحكومات المعرفية نظرا لحداثته، مما يتعين وضع نموذج استرشادي قابل للتطوير والتعديل طبقا لظروف الدول ومعطياتها. وفي هذا السياق، نقدم مقترحا أوليا يساعد صناع السياسات ومتخذي القرارات على وضع التصور الأولي بشأن شكل الحكومات المعرفية في المستقبل والذي يتكون من ثماني ركائز: اللجنة الوطنية لاستشراف المستقبل، المجلس الأعلى للرؤساء التنفيذيين، محفظة رؤوس الأموال الحكومية، الأسواق المعرفية وأسواق العمل، إطلاق المجالس الحكومية، الفكر القيادي، التنمية المعرفية، والقيم والمؤشرات.
إن الخيار الاستراتيجي لتبني مفهوم الحكومات المعرفية أشبه بسفينة النجاة أمام تحديات ومتطلبات الألفية الثالثة التي تشكل نواة القلق الإيجابي للدول، على نحو يحفزها إلى الخروج من دائرة منهجية الفكر والإدارة السائدة في القرن العشرين التي باتت جزءا من التاريخ، إلى المزيد من الانفتاح العالمي والتأقلم الدولي لضمان استدامة منظومة الاقتصاد المعرفي التي تمثل مقصدا لمعظم مرئيات دول المنطقة.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى