مقال اليوم

ماذا لو… تولت الروبوتات أداء أعمالنا؟

هايلي بينيت Hayley Bennett
رسوم: جو والدرون Joe Waldron

تستكشف هذا السلسلة الجديدة العواقب غير المتوقعة للأسئلة الافتراضية.
وإذا رغبتم منا في الإجابة عن سؤال ما، تواصلوا معنا على REPLY@SCIENCEFOCUS.COM

يجادل مُنظِّر المستقبل Futurist مارتن فورد Martin Ford، في كتابه صعود الروبوتات The Rise Of The Robots الصادر عام 2015، في أننا نتجه نحو مستقبل من «البطالة التكنولوجية» الناتجة من الأتمتة والخوارزميات. وبعد فترة وجيزة ستتولى الروبوتات أداء وظائفنا، ومع تسلل الذكاء الاصطناعي (AI) إلى كل جانب من جوانب حياتنا، تُوضع خططٌ لعصر ما بعد العمل. ولكن في غياب روتين منتظم وأَجْرٍ، هل سننزلق في حالة من اليأس تجعلنا نتوسد الأريكة، ونعيش حياة ترف، أو ربما، سنجد وقتاً لحل أزمة المناخ؟

سيبقى للبشر وظائف يؤدونها

كم منَّا سيفقدون فعلياً وظائفهم لصالح الروبوتات؟ وجد تقرير صادر عن الأكاديمية البريطانية British Academy والجمعية الملكية Royal Society في عام 2018 أن 10 – %30 من الوظائف في المملكة المتحدة «لها قابلية عالية للأتمتة»، وهذا يعني أنه يمكن للآلات أن تتولى قريباً أداءها. فقد مُنِيَ قطاع التصنيع بالفعل بخسائر كبيرة؛ ووفقاً للتقرير، ستليها وظائف إعداد الوجبات السريعة والإدارة والمحاسبة، في حين ستحل المركبات ذاتية القيادة في نهاية المطاف محل السائقين. ومع ذلك، يتكهن التقرير أيضاً بأن البشر سيحتفظون ببعض الوظائف اليدوية ومنخفضة الأجر، مثل رعاية الأطفال والمسنين، والسباكة.
يقول د. لوك مارتينيلي Luke Martinelli، باحث السياسات من جامعة باث University of Bath، إن نظرة إلى الماضي تشير إلى أنه من غير المرجح أن نفقد جميع وظائفنا. وكانت هناك تكهنات مماثلة في القرن الـ19 ومرة أخرى في ثلاثينات القرن الـ20، ولم يحدث ذلك. «إذن، هناك [رأي] مفاده أن البشر سيكون لديهم دائماً عمل؛ لكننا سنفعل أشياء مختلفة». ويقترح مارتينيلي أننا سنحتفظ بالوظائف الأكثر إبداعاً وتلك التي تتطلب مهارات للتعامل مع الآخرين. ولكن حينها، يضيف مارتينلي، وبناء على الموقف الأكثر تشاؤماً، يمكن للروبوتات عمليّاً أن تفعل أي شيء. وعلى الجبهة الإبداعية، مثلا، تعمل أنظمة التعلم الآلي بالفعل على رسم لوحات ونقش منحوتات وتأليف الموسيقى وحتى المقاطع الترويجية للأفلام، بحيث لا يمكن تمييزها عن الفن البشري.
وإذا مضينا مع هذا السيناريو إلى نهايته المنطقية؛ فسيؤدي في نهاية المطاف إلى رضوخنا أمام حُكَّامنا الروبوتات. وفي الواقع، لدى نيوزيلندا بالفعل سياسيٌّ افتراضيٌّ مدعوم بالذكاء الاصطناعي يدعى سام Sam، يمكنه التحدث – دون خطأ أو تحريف – إلى الناخبين المحتملين، ويقال إنه سيترشح للبرلمان في الانتخابات المقبلة. ربما تؤدي الروبوتات هذه المهمة على نحو أفضل…

سنكون تُعساء جدّاً

في عام 1929، صار مجتمع بكامله في النمسا عاطلاً عن العمل بين عشية وضحاها عندما أغلق مصنع المنسوجات الذي وفر العمل للجميع تقريباً في قرية مارينتال Marienthal. وصار هذا الحدث مصدر إلهام للعمل الذي كرست عالمة علم النفس الاجتماعي ماري ياهودا Marie Jahoda حياتها له وتبلور في “نظرية الحرمان” Deprivation theory المتصلة بالبطالة.
اقترحت ياهودا التي أمضت عدة أسابيع مع سكان قرية مارينتال، تفسيراً لتجربة المشقة التي يواجهها الناس عندما يكونون عاطلين عن العمل. إذ لا يُوفر العملُ المالَ فحسب، ولكنه يفي أيضاً بالاحتياجات النفسية الأساسية بما في ذلك التواصل الاجتماعي والمكانة وتنظيم الوقت. ومع ذلك، لم يختبر أحد بدقة أفكار ياهودا إلى أن تحدثت د. أندريا زكمان Andrea Zechmann وزميلها البروفيسور كارستن بول Karsten Paul من جامعة فريدريش ألكسندر إرلانغن-نورنبرغ Friedrich-Alexander University Erlangen-Nürnberg في ألمانيا إلى مئات -الأشخاص الباحثين عن وظيفة. وأكدت دراستهما التي نُشرت عام 2019 أن البقاء دون عمل يسبب الضيق بسبب 7 احتياجات نفسية غير مستوفاة أهمها الغرض الجماعي: العمل يجعل حياتنا ذات معنى. ويقترح هذا أن البطالة الجماعية التي قد تسببها الروبوتات ستجعلنا بائسين. ما هو قدر هذا البؤس؟ لا يمكننا الاعتماد سوى على القليل مما نعرفه من دراسات البطالة الطويلة الأجل. وتقول زكمان: «بعد ذلك تكون رفاهية الناس جامدة لعدة أشهر أو حتى بضع سنوات. هذا يعني بوضوح أن العديد من العاطلين عن العمل منذ فترة طويلة يصابون بالاكتئاب». بالطبع، يحدث هذا في عالم يواصل فيه الناس البحث عن عمل. ويصعب التنبؤ بما قد يحدث عندما يُفقد أي أمل في العثور مجدداً على وظيفة.

سيكون هناك مزيد من الوقت لفعل أشياء أخرى

إحدى طرق سد الفجوة الضخمة التي يتركها العمل في برنامج حياتنا اليومي هو بملئها بمزيد من العمل، ولكن ليس بنوع العمل المأجور. وتقول زكمان: «في عالم ما بعد العمل، ما يبدو مهماً في رأي هو أنه يمكن للناس ملء وقت العمل بنشاط هادف… مثلا، قد يعني هذا الانخراط في عمل تطوعي، وهو ما يؤديه بعض الأشخاص بالفعل؛ لأنه يتعلق بالهدف الجماعي، فيمكنك العمل لتحقيق هدف أكبر».
ربما يمكننا إعطاء حياتنا هدفاً من خلال مساعدة الروبوتات على حل بعض المشكلات الأكثر إلحاحاً في العالم. وفي الماضي، قبل أن يتحول العلم إلى مهنة في حد ذاته، كان هناك ‘فلاسفة طبيعيون’ Natural philosophers لا يتلقون تمويلاً من أحد أو يمولون أنفسهم من مالهم الخاص. وحتى وقت متأخر من ثلاثينات القرن الـ20، كان غي كاليندار Guy Callendar، الذي اكتشف تغير المناخ، مجرد هاوٍ أكثر منه أكاديمي مؤهل. حالياً، يُراقب المتطوعون أو «العلماء المواطنون» Citizen scientists أسراب الفراشات والقمامة على الشاطئ. ويمكن للعاطلين عن العمل الانضمام إليهم.
بالنسبة إلى أولئك الذين يفضلون عدم قضاء وقت فراغهم في العمل، ماذا عن إلقاء نظرة على أوائل القرن الـ19 لرسم مخطط لمستقبل عالم الروائية جين أوستن، حيث يجلس الناس طوال اليوم بلا عمل يحاولون التوفيق بين رأسين أو ينظمون حفلات راقصة للمجتمع الراقي؟ إنها فكرة جذابة، ولكن قلة منا سيكون لديهم المال لمثل هذا البذخ. كان السيد دارسي، [بطل رواية جين أوستن «كبرياء وتحامل» Pride and Prejudice] يحقق دخلاً سنويّاً يعادل نحو ستة ملايين جنيه إسترليني قياساً على أيامنا هذه. حتى كاليندار كان ينعم أثناء رصده المترف للتغير المناخي بقَصْرِ والده المكون من 22 غرفة وفيه مختبر الدفيئة. ومن المحتمل أن تتولى الروبوتات مسألة اختيار شركاء؛ فتطبيقات المواعدة تستخدم بالفعل الخوارزميات وتعلم الآلة لزيادة فرص العثور على شريك.

قد تبقى هناك حاجة إلى العمل المنزلي

لا تأخذ نسخ المستقبل المتخيلة لما بعد العمل بالاعتبار كل الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر التي تشكل جزءاً كبيراً من حياتنا. وحتى إن توفر لدينا دخل أساسي صالح للعيش، وشعور بالهدف من بعض أنواع المساعي المجتمعية، سيتعين علينا غسل الملابس وجعل الأطفال يخلدون إلى النوم.
تقول د. هيلين هيستر Helen Hester، الباحثة في مجال التقنية النسوية Technofeminism ومؤلفة الكتاب الجديد بعد العمل: الكفاح لوقت الفراغ After Work: The Fight For Free Time، إن الآلات التي أدخلناها إلى المنازل حتى الآن لم توفر سوى راحة محدودة. وذلك لأننا نقضي أي وقت توفره لنا أجهزتنا المنزلية في حملة تنظيف أعمق وعلى المزيد من الأنشطة مع أطفالنا. فمثلا، أظهرت دراسة أجراها باحثون من جامعة أكسفورد Oxford University في عام 2016، أن في الولايات المتحدة، تقضي امرأة لديها طفل واحد نحو ساعتين أقل يوميّاً في الطهي والتنظيف مقارنة بما كانت عليه الحال في عشرينات القرن الـ20، ولكن ساعة أو أكثر مكتسبة من هذا ستخصص لرعاية الأطفال. لذلك، فمن المرجح أنه على الرغم من استعانتنا بروبوتات منزلية؛ فسنواصل في نهاية المطاف العمل على المهام المنزلية.
تعتقد هيستر أنه يمكننا أن نكون أكثر انفتاحاً على أتمتة أعمال الرعاية في المنزل؛ يمكننا مثلا، استخدام روبوتات الرعاية لمساعدتنا على رعاية الأطفال والأهل المسنين. ولكنها تقول إن هناك «قيمة أخلاقية» مرتبطة بأداء هذا العمل بأنفسنا والتي غالباً ما تؤدي بنا إلى «رفض الأتمتة دون إمعان التفكير في الأمر». لذلك ربما لا تكون العقبة الأكبر أمام امتلاك المزيد من الروبوتات في منازلنا تكنولوجيةً، وإنما تحفظاتنا على تسليم أعمالنا إلى الآلات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى