العلوم الطبيعية

غازات الشعلة في المنشآت الصناعية

محمد الحسن

أصبح العالم أكثر وعيا بشأن أخطار انبعاثات غازات الدفيئة، ولاسيما ثاني أكسيد الكربون، وتأثيراتها السلبية على البيئة ومواردها الطبيعية، وأخذ يسعى يوما بعد آخر للحد من انتشارها ودورها في زيادة الاحتباس الحراري العالمي.
وفرضت معظم الدول قوانين تحث القطاع الصناعي على الحد من انبعاثات ملوثات الهواء والضوضاء والضوء، والعمل على توفير الطاقة والمواد الخام، بما يسهم في جعل الأنشطة الصناعية أكثر استدامة وصداقة للبيئة والمجتمع المحلي.

ولما كان قطاع الصناعات البتروكيميائية يعد من أهم القطاعات الصناعية في عدد من الدول المنتجة للبترول، فقد حرصت تلك الدول على خفض حرق غازات الشعلة، المصاحبة لعمليات استخراج النفط وتكريره والصناعات المرتبطة به كليا. وهناك اتفاقية بهذا الصدد بين الدول المعنية تقضي بإنجاز ذلك بحلول عام 2030.

لماذا نحرق الغاز؟
يعتبر حرق الغاز طريقة آمنة وفعالة في المنشآت الصناعية للتخلص من الغازات القابلة للاشتعال في حالات الطوارئ، مثل انقطاع التيار الكهربائي أو عطل في المعدات أو حدوث أي حريق. والعديد من الأبخرة تكون مواد ضارة أو متفجرة أو قابلة للاشتعال، ولا يمكن إطلاقها ببساطة في الغلاف الجوي، لذلك فإن حرقها ضروري إذا لم تتوفر التقنية لاحتواء الانبعاثات.
وفي المقابل، تستخدم مشاعل الغاز للتخلص من الانبعاثات بشكل مقصود وروتيني عند تشغيل أو إطفاء تلك المنشآت الصناعية، من أجل حرق الغاز المتحرر القابل للاشتعال.

أضرار بيئية
يؤدي حرق غاز الشعلة إلى إطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد الكربون وأكاسيد النتروجين والهيدروكربونات إضافة إلى مركبات عضوية متطايرة وغيرها. وعلى سبيل المثال، يحتاج مصنع الإيثيلين الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 600 ألف طن سنويا إلى إشعال نحو 2500 طن من الإيثيلين أثناء بدء التشغيل. وبافتراض وجود كفاءة حرق بنسبة 98 %، ستشمل انبعاثات الهواء الناتجة: 7700 طن على الأقل من ثاني أكسيد الكربون، و20 طنا من أول أكسيد الكربون، و3.7 طن من أكسيد النتروجين، و7.5 طن من الهيدروكربونات، و50 طنا من المركبات العضوية المتطايرة.
وإذا تم تضمين جميع مصادر الحرق، مثل الإيثان والبروبيلين والبروبان، فسنرى أنه يتم إنتاج كميات هائلة من الانبعاثات في الهواء من خلال بدء عملية تشغيل واحدة.

نقاط الحرق
لإلغاء حرق الغاز، يجب علينا أولا أن نبحث في الأسباب الرئيسية للاشتعال. وتشمل الأنشطة التي يتم فيها استخدام الحرق: بدء تشغيل المصنع، وإيقاف التشغيل المجدول أو الطارئ، وإجراءات الصيانة، وحتى التشغيل العادي في بعض الأحيان.
وبدء التشغيل هو الانتقال من الحالة الأولية إلى وضع التشغيل النهائي. وخلال هذه العملية، يتم زيادة التغذية تدريجيا، وضغط المعدات، وتصل السوائل الساخنة أو الباردة إلى الظروف التشغيلية الخاصة بها. وأثناء هذه الأنشطة، تُوجه كميات كبيرة من الغاز للحرق في الشعلة.
وتشمل حالات الحرق الطارئة فشل التشغيل، والحوادث الطارئة مع ضواغط الغاز المتكسر، وضواغط دورة التبريد، وتعطل الأجهزة، والأعطال الكهربائية، وظروف الطقس، وغير ذلك. وكل هذه الأسباب قد تؤدي إلى إغلاق جزئي أو كلي للمصنع. وعند وقوع هذه الحوادث الطارئة يتم تخفيف الضغط على الأنابيب والمعدات وإرسال الغازات المنبعثة إلى الشعلة حتى يمكن العودة إلى ظروف التشغيل العادية، لأن أفضل خيار لضمان سلامة الأشخاص المعدات هو أسلوب الحرق، وهو وسيلة فعالة وآمنة وسريعة للتعامل مع الغازات الناشئة، وفي حالة حدوث أي طارئ يجب التصرف سريعا لإعادة المصنع إلى ظروف التشغيل العادية.

استرداد غازات الشعلة

إن إضافة وحدة استرداد غازات الشعلة (Flare-Gas Recovery Unit – FGRU) أمر منطقي من الناحية الاقتصادية؛ فغالبا ما تكون هذه الغازات من المواد الهيدروكربونية القيمة التي يمكن استخدامها كوقود أو حتى كمواد خام، ومن ثم، يمكن تعويض تكاليف وحدة الاسترداد من خلال استخدام الطاقة أو الموارد.
ومع التوسع في الأعمال الصناعية، وتزايد الاعتماد على صناعات تكرير النفط وتسييل الغاز والصناعات البتروكيميائية، يصبح من المنطقي التفكير بشكل أعمق في استخدام وحدات استرداد الغاز أثناء بدء التشغيل لتقليل الانبعاثات وخفض الهدر والضرر البيئي.
ومن أجل تحديد الحل الأنسب لاستعادة غازات الشعلة، يجب أن يكون لدينا فهم جيد لكيفية إنتاج غازات الاحتراق وتوزيعها والاستخدام الأفضل لها. وبغض النظر عن الطريقة التي يتم استخدامها، فإن استرداد بعض أو كل غازات الاحتراق سيقلل من تلوث الغلاف الجوي، فضلا عن تقليل الإشعاع الحراري والضوضاء والروائح، ويقلل من متطلبات الوقود ومن تكلفة صيانة الشعلة. في نهاية المطاف، يؤدي استرداد غاز الشعلة إلى زيادة كفاءة المصنع.
وتصميم وحدات الاسترجاع يجب أن يتوافق مع المعدات وألا يؤثر على سير العمليات، وهذا التصميم في مصانع البتروكيميائيات أكثر تعقيدا بكثير من تصميمها لمصنع للغاز الطبيعي المسال أو لمصافي البترول، لأن أداء العمليات والمعدات في تلك المصانع أمر حساس جدا. ويجب أن يضمن التصميم الحفاظ على تشغيل المصنع مستقرا وبعيدا عن حصول تفاعلات وآثار جانبية غير مرغوب بها. على سبيل المثال، هناك نوعان من عمليات الفصل الفيزيائي التي يمكن استخدامها في وحدات الاسترجاع في مصانع الأوليفينات: تقنية الفصل الغشائي (membrane separation) وتقنية الامتزاز (adsorption). وعند استخدام نمط المعالجة الحرارية المتأرجحة للامتزاز (temperature-swing adsorption – TSA) يزداد بشكل كبير خطر تفاعلات البلمرة غير المرغوب فيها، لكن مع المعالجة بالضغط المتأرجح (pressure-swing adsorption – PSA)، يمكن تجنب هذه المخاطر.
إن البحث عن الحلول السهلة من خلال إحراق الغاز يعد هدرا لثروات بشرية تقدر سنويا ببلايين الدولارات، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن إحراقه يضر بالبيئة المحلية ويساهم في زيادة انبعاث غازات الدفيئة وزيادة الاحتباس الحراري العالمي، لذا، كان لزاما على القطاع الصناعي، من منطلق مسؤوليته الاجتماعية تجاه البيئة والمجتمع، اتخاذ خطوات عملية لحفظ مقدرات الأمم والشعوب، والارتقاء بأدائه من خلال رفع كفاءة المصانع، وحماية البيئة من آثار عملياتها، والاستثمار في عمليات مستدامة تحقق الاستفادة المثلى من الموارد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق