ملف العدد

سبق العرب في تأليف المعاجم العلمية

مصطفى يعقوب عبد النبي

لو أن باحثا محبّا للشعر أراد أن يتخير عنوانا لهذه لمقالة بما يوافق ما يحب، لوجب عليه أن يقول :

أجلّ المعارف عند الطلب

حديث المعاجم عند العرب

أصالة علم سبقنا بها

فنعم الأصول، إذا ما انتسب

والحديث عن المعاجم العربية فصل من فصول شتى تبين سبق العرب وريادتهم في هذا المجال. وإذا كانت الشعوب قد عرفت المعاجم اللغوية ذات الترتيب الأبجدي المتعارف عليها في عالم المعاجم والقواميس، فإن العرب ابتكروا أنماطا أخرى من المعاجم تمثلت في معاجم علمية تعد أول ما عُرِف في تاريخ العلم، مما ييسّر على طالب العلم معرفة مراده من علم ما في وقت وجيز، سواء كان مصطلحا علميا يريد تفسيره وشرحه فيطلبه في هذا المعجم أو ذاك، أو كان موضوعا علميا بذاته يحتاج فيه إلى التفصيل أو حتى ترجمة لحياة عالم بعينه.

معجم الفراهيدي

ويعد الخليل بن أحمد الفراهيدي (175 هـ /791 م) أول من صنّف معجما لغويا جديرا بهذا الاسم؛ لأنه جمع للمرة الأولى ألفاظ اللغة ورتبها ترتيبا علميا فريدا وشرح معانيها. وتعددت بعد ذلك المعاجم وتنوعت في نهجها وأساس ترتيب مفرداتها. ويعود تأليف أول معجم عربي إلى القرن الثامن الميلادي، وهذا يعني أن العرب سبقوا الأوروبيين في هذا المجال بتسعة قرون قبل ظهور أول معجم إنجليزي، وخمسة قرون قبل ظهور أول قاموس هجائي لاتيني.

تبدأ قصة المعاجم العلمية عندما بدأ العرب يجمعون مفردات لغتهم العربية إبان القرن الثاني من الهجرة، يقول الدكتور أحمد أمين: «كان المدونون الأولون في هذا العصر، يدونون المفردات حيثما اتفق، وكانوا يقيدون ما سمعوا من غير ترتيب. وكانت الخطوة الثانية أن جمعوا الكلمات الخاصة بموضوع واحد، وأظهر ما كان ذلك في كتب الأصمعي (216 هـ / 831 م) فله كتاب (الأنواء) وكتاب (خلق الفرس) وكتاب (الإبل) وكتاب (الشاء)، وهكذا يجمع ما ورد من الألفاظ اللغوية في موضع واحد، ويسمّيه كتابا، وقد يكون الكتاب بضع ورقات، ثم كانت الخطوة الثالثة عمل المعاجم».

ومن الأمور الطبيعية في ذلك الوقت أن تكون بداية التأليف في الإبل، وهي صاحبة المكانة الأسمى في حياة العربي. وذكر بعض الباحثين عناوين 15 كتابا عن الإبل في حين أفرد 11 كتابا فصلا أو أكثر لها. وكذلك اهتم المؤلفون العرب ببقية الحيوانات فألفوا الكثير من الكتب عن الحيوانات المفترسة مثل الأسد والذئب. وظاهر هذه الكتب لغوي بيد أن المدقق لمحتواها يجد أنها كتب علمية بامتياز؛ إذ إنها تتحدث عن كل شيء عن الحيوان مما لا يبعد كثيرا عن مراجع علوم الحيوان الحديثة.

مؤلفات النبات 

تنوعت مؤلفات العرب في النبات ما بين كتب عامة وكتب مستقلة عن نبات ما. ومن أوائل الكتــــــب العامة عن النبــــات كتاب (الزرع) لأبي عبيـــــدة البصري ( 209 هـ /824 م)، وكتاب (النبات والشجر) لأبي زيد الأنصاري ( 215 هـ /830م). ومن أوائل الكتب المستقلة بنبات ما كتاب (صفة النخل) وكتاب (صفة النبت والبقل) لابن الأعرابي ( 231 هـ /845 م).

وعلى الرغم من أن هذه المؤلفات ظاهرها حصر الثروة اللغوية الخاصة بالنبات، فإنها لا تخلو من معطيات ومفاهيم علمية بعضها ظاهر للعيان مما نجده في مراجع علوم النبات، فالحديث عن مراحل نمو النبات، وعن طبيعة أرض زراعته، هو من صميم علم النبات، وبعضها الآخر غير ظاهر ويحتاج إلى قدر من التأمل لكشف ما قد توارى من معطيات علمية غير مسبوقة.

ومن يدقق في محتوى هذه المؤلفات سيجد نفسه أمام كتب علمية من طراز رفيع لا تبعد كثيرا في محتواها عن محتوى علم الفسيولوجيا، وهو علم يدرس الظواهر الخلقية التي تميز الكائنات الحية من نبات وحيوان. كما يلمس القارئ بعض جوانب علم البيئة، وهي الدراسة العلمية للنباتات والحيوانات بالنسبة لظروف البيئة التي تعيش فيها، كالمناخ والرطوبة والرياح، فضلا عن علم المورفولوجيا، وهو علم يتناول دراسة النبات والحيوان شكلا وبنية ويشمل ذلك الأجهزة والأعضاء والأنسجة.

وإذا قال قائل إن هذه الكتب تخلو من الترتيب الأبجدي المتعارف عليه في المعاجم والقواميس، فإنه يمكن الرد بالقول إن هذه المؤلفات هي رسائل صغيرة لا يجدي معها هذا النمط من الترتيب، كما أنها تتناول موضوعا محددا، الأمر الذي يكسبها قدرا من الابتكار والسبق فيه.

معاجم متنوعة

وفيما يلي مجموعة من المعاجم العلمية آثرنا بعضها دون بعض من خلال معيارين في الاختيارالأول: الأسبقية في التأليف تحقيقا لشرط الريادة زمنيا، والآخر: المزية التي ينفرد بها عن السابقين تحقيقا للريادة في النهج، وكلاهما مما سكت عنه تاريخ العلم.

أولا – معاجم النبات والحيوان :

1 ـ من أهم ما كُتِب في النبات كتاب (النبات) لأبي حنيفة الدينوري (282 هـ/ 895 م) الذي تضمن في جزئه الخامس أسماء النباتات على حروف المعجم. وهو كتاب حظي بثناء كبير من المستشرقين المنصفين.

2 ـ على الرغم من أن الشريف الإدريسي (560 هـ / 1165م) من أبرز الجغرافيين العرب فإن له نفس المكانة في علم النبات، إذ ألف كتابا مهما بعنوان (الجامع لصفات أشتات النبات) ذكر فيه معرفته الواسعة عن علم النبات العملي، وكان على ما يبدو على دراية عميقة بالاصطلاحات البيزنطية (الإغريقية ) التي تميزها عن الاصطلاحات الإغريقية القديمة (اليونانية ).

3 – ومن معاجم النبات المهمة كتاب (عمدة الطبيب في معرفة النبات) لأبي الخير الإشبيلي (القرن 12 الميلادي) الذي يَظهرُ فيه المؤلف سبّاقا إلى اصطناع نظام جديد لتصنيف النبات وتجنيسه، وهو نظام استنبطه من معاينته لأوجه المشابهة والمشاكلة الموجودة بين الأجناس والأنواع المتقاربة، وبذلك يكون أول عالم نبات يبسط نسقا للتصنيف في هذا العلم يشير إليه صراحة في صلب كتابه، وهو بذلك سبق غيره من علماء الشرق والغرب، ذلك أن هذا الميدان لم يعرف أي محاولة شبيهة إلا في أواخر القرن الـ16 الميلادي، ومعنى هذا أن تاريخ تصنيف النبات يبدأ من هذا الكتاب .

4 ـ وفي علم الحيوان يعد كتاب (حياة الحيوان الكبرى) للدميري (808 هـ /1405 م) أوفى معجم عربي في الحيوان؛ إذ جمع فيه من اللغة والأدب والعلم والشعر والشريعة الشيء الكثير.

ثانيا – معاجم الأدوية والعقاقير:

ألّف العرب مئات الكتب في الطب والصيدلة، بعضها رسائل قصار ومختصرات وبعضها الآخر موسوعات. وجاء بعضها على هيئة معاجم في الشكل والمحتوى، بمعنى أنها استوفت شرط التأليف المعجمي من ترتيب المواد أبجديا، كما أن محتواها يتعرض لموضوع واحد هو الأدوية والعقاقير سواء كانت تلك الأدوية نباتية أو حيوانية أو معدنية أو مركبات كيميائية. ومن أهم هذه الكتب:

1 ـ كتاب (الصيدنة في الطب) للبيروني (442 هـ / 1050 م) الذي يقول في المقدمة : « وقد نحوت في الترتيب حروف المعجم دون حروف الجُمّل لأنها بين الجمهور أشهر”. وقد انسحب اطلاعه الواسع على لغات شتى على تسمية مفردات العقاقير الواردة في الكتاب، إذ يورد العقار بشتى اللغات مثل السنسكريتية والفارسية والأردية واليونانية فضلا عن العربية، الأمر الذي يمكّن من استنتاج الاسم العلمي للعقار.

2 ـ أما ابن سينا (428 هـ / 1036 م)، وكان معاصرا للبيروني، فقد فعل الشيء نفسه لكن ليس في كتاب مستقل، وإنما جاء ضمن أحد أقسام الكتاب الثاني من موسوعته (القانون في الطب) ممهدا له بقوله : « إني أذكر في هذا القسم أسماء الأدوية على ترتيب حروف الجُمّل ليسهل على المشتغل بهذه الصناعة التقاط منافع كل أدوية …إلخ».

3 ـ كتاب (الجامع لمفردات الأدوية والأغــــذية) لابن البيطار (646 هـ / 1248 م)، وهو أشهر المعاجم العلمية في هذا المجال. وقد ضم أكثر من 1400 صنف من الأدوية يقال إن منها 400 لم يسبقه صيدلاني إليها.

4 ـ كتاب (الموجز في الطب) لابن النفيس (687 هـ /1288 م) الذي رتب بعض أجزائه على الحروف الأبجدية.

لقد كان العرب أسبق الأمم في تأليف المعاجم العلمية المتخصصة من خلال الوثائق المتمثلة في المخطوطات التي حققت ونشرت. وهو سبق مجهول في تاريخ العلم، لم يذكره المستشرقون على الرغم من أن عددا منهم حقق بعض هذه المؤلفات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق