العلوم البيئيةالعلوم الطبيعية

زراعة تريليون شجرة هل تسهم في معالجة تغير المناخ؟

  • الشجرة يمكن أن تمتص نحو 48 رطلاً من غاز CO2 سنوياً، ويمكنها عزل طن واحد منه عندما يبلغ عمرها 40 عاماً.
  • هناك حاجة لوجود 9 بليون هكتار كمناطق لاستعادة الغابات المحتملة التي ينمو عليها بشكل طبيعي 1.2 تريليون شتلة من الأشجار

محمد سلمان داود
كاتب علمي، (اليمن)

تعد الأشجار حيوية جداً للغلاف الجوي للأرض، فهي مثل جميع النباتات تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون وتنتج الأكسجين. ولما كانت مشكلة تغير المناخ التي تواجه البشرية حاليا تتمثل في ازدياد تراكيز ذلك الغاز وغيره من الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي في الغلاف الجوي، فإن الأشجار تشكل جزءا حيوياً من الحلول المناسبة لهذه المشكلة.

فالشجرة يمكن أن تمتص نحو 48 رطلاً (21.77 كغم) من غاز CO2 سنوياً، ويمكنها عزل طن واحد منه عندما يبلغ عمرها 40 عاماً. والفدان الواحد من الأشجار الناضجة يمكنه التقاط 2.6 طن من CO2 سنوياً.

تركيز CO2 في الغلاف الجوي

كان تركيز CO2 قبل عصر الصناعة نحو 280 جزءا في المليون، وأصبح حاليا أكثر من 410 أجزاء في المليون. ويُحسب تركيزه عن طريق قياس نظائر الكربون في CO2. وهناك عدة مصادر وخزانات لذلك الغاز، وأهم الخزانات التي يدرسها علماء المناخ هي الغلاف الجوي والمحيطات والمحيط الحيوي الأرضي، ويمكن تصنيف المحيط الحيوي الأرضي والمحيطات كمصادر أو مصارف صافية له، وإضافة العلماء كلمة “صاف” قبل المصدر أو المصرف تعني تبادل ذلك الغاز في كلا الاتجاهين بين اليابسة والمحيط، ويشير   مصطلح “مصرف صاف” إلى أن دخوله إلى المحيط أكثر من خروجه منه، وينطبق الشيء نفسه على اليابسة.

إن خزانات الكربون المختلفة تشبه نظائر الكربون المختلفة، ومن ثم فإن النسبة النسبية للنظائر الثلاثة مختلفة في كل خزان؛ أي لكل منها بصمة نظائرية خاصة به. ومن خلال فحص المزيج النظائري في الغلاف الجوي ومعرفة البصمة النظائرية لكل خزان يمكن لعلماء تحديد مقدار غاز  CO2الذي يدخل إلى الغلاف الجوي ويخرج منه، مما يجعل النظائر تتبعاً مثالياً لمصادر  ذلك الغاز ومصارفه.

إذا نظرنا إلى المكان الذي قد يأتي منه CO2 الإضافي، فالطريق الوحيد هو حرق الوقود الأحفوري. واقترح بعض العلماء أن تكون البراكين مصدراً له، لكن ذلك لا يحدث على نطاق يمكن أن يفسر الزيادة الكبيرة في مستويات CO2 التي رأيناها في الغلاف الجوي.

استعادة الغابات

لا تزال عملية استعادة الغابات من بين أكثر الاستراتيجيات فعالية للتخفيف من تغير المناخ. فقد قدر الباحثون أنه من خلال استعادة الغابات إلى أقصى إمكاناتها يمكن خفض CO2 في الغلاف الجوي بنسبة 25%، وهي خطوة من شأنها أن تعيدنا إلى مستويات لم نشهدها منذ أكثر من قرن.

فقد بينت دراسة سويسرية أن 4.4 بليون هكتار من الأراضي تدعم الغطاء النباتي (غطاء ظلة الشجرة) في ضوء الظروف المناخية الحالية، وهذه تزيد بمقدار 1.6 بليون هكتار عن المساحة الحالية البالغة 2.8 بليون هكتار من الأراضي. ومن بين 1.6 بليون هكتار قدّر باحثو الدراسة وجود حاجة إلى 0.9 بليون هكتار – وهي مساحة تساوي حجم الولايات المتحدة القارية وتوجد خارج الأراضي الزراعية والمناطق الحضرية- كمناطق لاستعادة الغابات المحتملة التي ينمو عليها بشكل طبيعي 1.2 تريليون شتلة من الأشجار المحلية.

وذكرت الدراسة أن تحويل هذه المناطق إلى غابات سيكون عاملاً مغيراً لتغير المناخ، وما إن تنضج بعد عقدين من الزمن حتى يمكنها تخزين 205 غيغاطن من CO2، أي نحو ثلثي انبعاثات الكربون التي أُطلقت في الجو نتيجة النشاطات البشرية منذ الثورة الصناعية، والتي تقدر بنحو 300 بليون طن من الكربون.

  لكن الدراسة واجهت انتقادات من عدد من العلماء، لاسيما مبالغتها في تبسيط الحسابات، وافتراضها أنها إذا بدأ البشر بزراعة المزيد من الأشجار فسيزيل ذلك CO2 من الغلاف الجوي، دون أن تأخذ في الاعتبار أن ذلك الغاز تمتصه أيضا مياه البحر والتربة.

كما شكك بعض الباحثين في نتيجة الثلثين، وتقليل الدراسة من التلوث المناخي التأريخي الناجم عن النشاطات البشرية؛ إذ وجد مشروع الكربون العالمي أن كمية انبعاثات الكربون المتراكمة الناجمة عن الوقود الأحفوري وتغيرات استخدام الأراضي بلغ مجموعها نحو 625 بليون طن حتى عام 2018. وهذا من شأنه أن يجعل كمية 205 البلايين طن تعادل أقل من ثلث المجموع.

 وأثار باحثون آخرون مخاوف من أن الضجة المثارة حول هذه الدراسة تخلق مفاهيم خاطئة عن المشكلة والحل الأساسي، وهو ما قد يسبب مشكلات على المدى الطويل. وهم يخشون من أن يؤدي التركيز على زراعة الأشجار إلى تشتيت انتباه صناع السياسات عن العمل على جهود أخرى للحد من انبعاثات الكربون والحد من  تغير المناخ.

تقرير أممي     

وذكر تقرير أصدره الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ أن زيادة قدرها بليون هكتار من الغابات ستكون ضرورية للحد من الاحترار العالمي بمقدار 1.5 درجة سيليزية. وهناك ست دول تمتلك أكثر من 50 % من إمكانات استعادة الأشجار في العالم وهي روسيا (151 مليون هكتار)؛ الولايات المتحدة (103 ملايين هكتار)؛ كندا (78.4 مليون هكتار)؛ أستراليا (58 مليون هكتار)؛ البرازيل (49.7 مليون هكتار)؛ الصين (40.2 مليون هكتار).

إن النشاطات البشرية تسببت في ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية بمقدار درجة سيليزية واحدة تقربياً عن مستويات ما قبل الصناعة، وقد تزيد حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة سيليزية بين عامي 2030  و 2052 إذا استمرت الانبعاثات وفق المعدل الحالي. لذلك سنظل بحاجة إلى امتصاص CO2 من الجو في هذا القرن إذا أردنا الحفاظ على الاحتباس الحراري على وضعه الحالي، لذا فإن فكرة إعادة التشجير في معظم العالم ليست بعيدة الاحتمال.

 مبادرات دولية

   منذ فجر الزراعة، قطع البشر ثلاثة تريليونات شجرة؛ أي نحو نصف الأشجار الموجودة على الأرض، ونتيجة لذلك أطلقت عدد من المبادرات الدولية (مثل تحدي بون، وإعلان نيوريوك بشأن الغابات) أهدافاً طموحة لتعزيز حفظ الغابات والتحريج واستعادة الأشجار على نطاق عالمي.

ففي عام 2011، أطلقت المانيا (تحدي بون)، وهي مبادرة عالمية تهدف إلى استعادة 350 مليون هكتار من الاشجار بحلول عام 2050. وحتى الآن وقعت نحو 50 دولة  على هذا الالتزام.

وعلى الرغم من الجهود العالمية المبذولة للحد من ازالة الغابات فإن قطع الأشجار وإزالتها في ارتفاع، فقد ازدادت إزالة غابات الامازون وهي الأكبر في العالم. وتظهر التقديرات أن مناطق بحجم ملعب كرة قدم يتم إزالتها كل دقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى