أبحاث ممولةتكنولوجيامقال اليوم

توق إلى تحقيق التقدم: نحو تحلية أكثر كفاءة ومواءمة للبيئة

برعاية مؤسسة الكويت للتقدم العلمي: باحثون يطورون تقنيات حديثة كفيلة بأن تحدث ثورة في طرق تحلية المياه في الكويت ومنطقة الخليج

الكويت واحدة من أكثر دول العالم معاناة من شح المياه، فمناخها حار وجاف، وهي تعتمد اعتمادا شديدا على تحويل مياه البحر إلى مياه عذبة صالحة للشرب. غير أن الطلب الكبير على تحلية المياه في البلاد ذو تكلفة باهظة، ومع تزايد ارتفاع عدد السكان، ستكون مواكبة الطلب المتزايد على المياه أمرا بالغ الصعوبة.
بدأ برنامج الأبحاث المتميز الذي أطلقته مؤسسة الكويت للتقدم العلمي من خلال مركز الكويت وإم آي تي للموارد الطبيعية والبيئة Kuwait-MIT Center for Natural Resources and the Environment (اختصارا: المركز CNRE) بتطوير تقنيات جديدة أو مختلطة أو هجينة لتحلية المياه. انطلق المشروع الذي ينفذ بالتعاون مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بمنحة قدرها 5.5 مليون دولار قدمتها مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في عام 2015. وللمشروع خطط طموحة لإدخال تحسينات كبيرة على معالجة مياه البحر والمحلول الملحي المركز Brine الناتج عن التحلية في دول الخليج وخارجها.
وتعاون باحثون كويتيون ودوليون لتطوير أنظمة تحلية مياه البحر ونظم إدارة المحلول الملحي المركز الناتج من التحلية من شأنها أن تقدم حلولا لعدد من القضايا المُلِّحة، مثل التكلفة والكفاءة وموثوقية محطات التحلية. كما تهدف هذه الحلول إلى تحسين اقتصادية استخدام المحلول الملحي المركز وطرق تصريفه.
أسس المشروع بالفعل البنية التحتية اللازمة لأبحاث تنظر في تطوير نموذج عالي الدقة لنظام تحلية قادر على معالجة عدة مشكلات في آنٍ واحد، ويمكن استخدامه على نطاق واسع. إن اختبار المفهوم Concept testing متعدد المراحل المُطبَّق يجمعُ بين التقنيات القديمة والحديثة، ويخفض الأثر البيئي الضار للنماذج السابقة.

تحسين طرق تحلية المياه
تقع الكويت في أقصى شمال الخليج العربي، ولا تجري فيها أنهار وليست لديها موارد للمياه العذبة، باستثناء قدر محدود من المياه الجوفية. وتعتمد البلاد اعتمادا كبيرا على تحلية المياه المالحة للشرب والاستخدامات الزراعية والصناعية. وتمثل المياه المحلاة %73.5 من إجمالي موارد المياه في البلاد، و%93 من مصادر مياهها العذبة.
يقول بدر العنزي، الأستاذ في جامعة الكويت والباحث الرئيسي المشارك في مشروع مؤسسة الكويت للتقدم العلمي: «الطبيعة ليست في صفنا (…) وما تحتاج إليه الكويت هو تجديد موارد المياه. لذا علينا أن نكون مبدعين في هذا المجال». كما يدرس المشروع العديد من التطبيقات العملية الممكنة في مختلف المجالات مثل الطاقة المتجددة والمياه وحماية البيئة.
ويوضح العنزي أن محطات تحلية المياه القائمة حاليا تستهلك كمية كبيرة من الطاقة كما أن تكلفة تشغيلها باهظة. إضافة إلى ذلك فهي تعتمد إلى حد كبير على الكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري. وما زالت تقنية التقطير الوميضي متعدد المراحل Multi-stage flash (اختصاراً: التقنية MSF) من أكثر التقنيات الحرارية المستخدمة في تحلية المياه في الكويت، غير أنها تحتاج إلى كمية كبيرة من الطاقة. وبالمثل تنتشر على نطاق واسع تقنيات الأغشية مثل تقنية التناضح العكسي Reverse osmosis (اختصارا: التقنية RO) المعاكسة لظاهرة التدفق الطبيعي للمياه من المحلول ذي التركيز الملحي المنخفض إلى المحلول ذي التركيز الملحي المرتفع، ولكنها تتطلب ضخ المياه تحت ضغط مرتفع. وتُستخدم التحلية بالتحليل الكهربائي Electrodialysis desalination (اختصارا: التقنية ED)، وهي من أقدم التقنيات والأكثر تقليدية بينها، حالياً بشكل رئيسي لتحلية المياه شبه المالحة Brackish water.
ومع ذلك، فإن معظم أنظمة التحلية تنتج محلولا ملحيا مُركّزا وتصبه مباشرة في مياه البحر الساحلية بعد كل دورة. ويكون هذا المحلول الملحي عادة مختلطا بمواد كيميائية أخرى، وهو أكثر ملوحة من مياه البحر وأكثر
دفئًا من درجات الحرارة في البيئة المحيطة. وهذا المزيج يفرض ضغوطاً مرهقة على الحياة البحرية وقد يتسبب في نضوب الأكسجين، وهذا
ربما يؤدي إلى نفوق الأسماك ويلحق الضرر بالنظام الإيكولوجي.
يقول جونغيون هان Jongyoon Han الباحث الرئيسي في المشروع والأستاذ في قسم الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب، وقسم الهندسة البيولوجية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «تقع الكويت في أقصى الجزء الداخلي من الخليج؛ لذلك فإن أي كمية تُصرف من المحلول الملحي المركّز قد تؤثر تأثيرا سلبيا كبيرا في مياه البحر بالكويت».
يعمل المشروع الذي ترعاه مؤسسة الكويت للتقدم العلمي على مسارين متوازيين: تحسين محطات التحلية الحالية، وابتكار تقنيات متطورة للمحطات الجديدة.
على سبيل المثال، اقترح العنزي وزملاؤه طرقًا لإطالة عمر بعض أجهزة تقطير المياه المالحة، بما في ذلك استخدام مواد جديدة لطلاء سطح الأنابيب لتحسين كفاءتها. وعن ذلك يقول: «صيانة كل وحدة تكلف الكثير بسبب التآكل. لقد اقترحنا طلاءها من الداخل لتقليل التآكل، الأمر الذي سيقلل التكاليف ويحسِّن كفاءة جهاز التقطير». كما وجدوا طريقة لتقليل ملوحة المحلول الملحي المركز الناتج من محطات التحلية التقليدية عن طريق مزج المحلول الملحي المركز بمياه الصرف المُعالَجة.
وإحدى الأفكار التي ابتكرها باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا واستخدمها العنزي وزملاؤه هي ما يشيرون إليه بتقنية استقطاب التركيز الأيوني Ion Concentration Polarization (اختصاراً: التقنية ICP) لتحلية المياه، التي تستخدم أغشية إلكتروستاتيكية انتقائية للأيون Electrostatic ion-selective membranes. يقول هان: «تتمتع تقنية استقطاب التركيز الأيوني بالعديد من المزايا الفريدة مقارنة بالتحليل الكهربائي، فهي أكثر كفاءة وأقل عرضة لتراكم الترسبات Fouling». ويضيف إنه «في حالة الكويت ومنطقة الشرق الأوسط الأعم، فإن أفضل تطبيق لهذه التقنية هو استخدامها في معالجة المحلول الملحي المركز الناتج من التحلية».
يجمع النظام الهجين بين استقطاب التركيز الأيوني وتقنيات مثل التناضح العكسي. في البدء، يعالج العلماء المحلول الملحي المركز باستخدام تقنية استقطاب التركيز الأيوني لخفض ملوحتها، ثم يستخلصون منها المياه العذبة باستخدام طرق أكثر تقليدية مثل التناضح العكسي. يقول العنزي: «الأمر بسيط. نخفف المحلول الملحي المركز ثم نفرغه في ماء البحر. بدلاً من ذلك، يمكننا تحويل المحلول الملحي المركز إلى ملح صالح للأكل أو ملح رطب تستخدمه المصافي لإنتاج مواد كيميائية أخرى». ويضيف هان إن بالإمكان أيضًا توسيع نطاق استخدام التقنية بالطرق نفسها التي تتبعها الطرق التقليدية مثل التحليل الكهربائي.
يقول هان إن هذا الحل يمكن استخدامه على المستوى العالمي. «وبينما يمثل المحلول الملحي المركز مشكلة حادة في الكويت، فإن مسألة تصريفه من محطات تحلية المياه هي بالفعل مشكلة عامة، وخصوصاً في الخلجان الضحلة».
تتمثل الطريقة الأخرى لتخفيف المحلول الملحي المركز، وفقًا للعلماء، في الجمع بين التناضح العكسي والتناضح المثبط بالضغط Pressure-retarded osmosis (اختصاراً: PRO)، وهي تقنية أخرى سجلها العنزي وزملاؤه كبراءة اختراع. يقول العنزي: «تقع تقنية التناضح المثبط بالضغط في مكان ما بين التناضح العكسي والتناضح الأمامي؛ إننا نضغط من دون تجاوز الضغط الأسموزي (التنافدي) الناجم عن حركة الماء بسبب التناضح، وأيًا كان ما نحصل عليه، فإننا نتركه يتدفق عبر التوربينات فنولد الطاقة». ويضيف: «وهكذا نخفف المحلول الملحي المركز وننتج طاقة خضراء نظيفة».
يقول العنزي إنهم يقترحون أيضًا طرقًا جديدة لتصريف المحلول الملحي المركز. فبدلاً من تفريغه في القنوات المفتوحة والمجازفة بإحداث أضرار بيئية محلية، يمكن التحول إلى تصريفه على شكل شلالات. ويقول: «ندع المحلول الملحي المركز يتدفق مثل شلال».
تستخدم الطريقة عدة نقاط دفق لتوزيع المحلول الملحي المركز على مساحات أكبر. ويقول العنزي: «إن النتيجة هي أن المحلول الملحي المركز سيختلط بشكل أفضل بمياه البحر. وسيؤدي ذلك إلى زيادة الأكسجين المذاب، ومن ثم لن يخنق الحياة البحرية». حصل العنزي على دعم إضافي قدره 600,000 دولار للعمل على تطوير هذه التقنية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
يخطط العلماء لمشاركة النتائج التي توصلوا إليها مع سائر المجتمع العلمي في مؤتمرات عام 2021، ويخططون أيضًا لاقتراح إنشاء مركز للتميز لتحلية المياه في الكويت.
يقول العنزي: «نحن على استعداد لبذل الجهد المطلوب لتحقيق ذلك، ونحظى بدعم مؤسسة الكويت للتقدم العلمي». أما بالنسبة إلى تجربة إثبات المفهوم، فيرى أن الأمر متروك لمتخذي القرار في الكويت. ويقول: «النتائج جيدة جداً. الخبراء يوصون بها. والآن، سيتعين علينا تطبيقها على أرض الواقع على مستوى واسع».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى