الطاقة المتجددة

تاريخ الطاقة الشمسية السلبية

د.محمد عبد القادر الفقي

علاقة الإنسان بالطاقة الشمسية قديمة جدا، قِدَم وجود الإنسان نفسه على الأرض. ولا نكون مغالين إذا قلنا إن هذه الطاقة كانت أول نوع عرفه البشر من أنواع الطاقة، فقد استخدمها الأقدمون في تدفئة أكواخهم، وفي تجفيف طعامهم وملابسهم.

ومع أن الشمس هي مصدر معظم صور الطاقة الأُخَر التي نجدها على كوكبنا الأرضي (بما في ذلك الطاقة المتولدة من حرق الخشب أو الفحم أو النفط، وطاقة الرياح)، فإن الطاقة الشمسية لم تتغلغل في حضارتنا الحديثة كما تغلغلت الطاقة الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري، إذ تسهم الطاقة الشمسية في أقل من %1 فقط من إجمالي الطاقة المستخدمة في توليد الكهرباء على مستوى دول العالم.

وفي الوقت الذي يعرف فيه كثير من الناس أنظمة الطاقة الشمسية الإيجابية active solar energy systems، مثل ألواح الخلايا الشمسية solar panels، فإن هناك نوعا آخر من أنظمة هذه الطاقة يعرف باسم أنظمة الطاقة الشمسية السلبية passive solar energy، وعدد من يعرفون هذه الأنظمة السلبية قليل، علما بأن تلك الأنظمة تستخدم طاقة الشمس بطريقة طبيعية أكثر من الأنظمة الأخرى.

ومع أن هناك مجموعة واسعة من مصادر الطاقة المتجددة موجودة حاليا، فثمة نوع منها يمكننا اعتباره مستداما، وهو الطاقة الشمسية السلبية.

إن استخدام أنظمة تلك الطاقة في المباني يسهم في تقليل تكاليف استهلاك الطاقة بها. ولهذا، ستركز المقالة على تاريخ أنظمة النوع السلبي من الطاقة الشمسية، والإنجازات التي حققها الأقدمون في مجال استثمارها، والجهود التي بذلت في العصر الحالي للنهوض بها، والآفاق المستقبلية لها.

نوعان من أنظمة الطاقة الشمسية

تتسم الأنظمة التي تعتمد على الطاقة الشمسية بصورة عامة بأنها إما أن تكون إيجابية (فعالة) active أو سلبية passive. وتتوقف صفة الإيجابية أو السلبية على الطريقة التي يتم من خلالها استغلال وتحويل وتوزيع ضوء الشمس.

فتقنيات الطاقة الشمسية الإيجابية (الفعالة) تتسم باستخدام صناديق خاصة لاقتناص الطاقة الشمسية وتحويلها إلى حرارة، وتستخدم أنظمة ميكانيكية مثل المضخات أو المراوح لتوزيع تلك الحرارة. وهي تؤدي إلى إنتاج كمية وفيرة من الطاقة الحرارية الشمسية مقارنة بتقنيات الطاقة الشمسية السلبية. والطاقة الحرارية المنتجة من خلالها يمكن أن تستخدم بسهولة في جميع أنحاء المنزل. وهي بذلك تقلل من متطلبات الكهرباء، وبعبارة أخرى، فإنها تسمح بتحقيق أقصى قدر من إمكانات الطاقة الشمسية والتدفئة في المنزل! إضافة إلى ذلك، يمكن استخدام تقنيات الطاقة الشمسية الإيجابية في المنازل بغض النظر عن تصاميم تلك المنازل أو علاقة واجهاتها بالشمس.

وتوصف تقنيات هذا النوع من الطاقة بالإيجابية لأن أنظمتها تقوم بجمع الطاقة الشمسية واستخدامها في أغراض التدفئة بالمنازل والمنشآت الأخرى. ومن أبرز الأمثلة على تقنيات الطاقة الشمسية الإيجابية :

1 – استخدام ألواح الخلايا الشمسية (الفولتاضوئية) التي تعمل على تحويل الطاقة الشمسية بصورة مباشرة إِلى مصادر أخرى مفيدة للطاقة (كالطاقة الكهربائية).

2 – استخدام المجمعات الشمسية solar collectors بصورة مباشرة في أغراض التدفئة، حيث تستفيد من الحرارة المكتسبة من الشمس في تسخين المياه المستخدمة في الأغراض المنزلية أو في تدفئة مياه أحواض السباحة، وتدويرها باستخدام المضخات.

أما تقنيات الطاقة الشمسية السلبية فهي تتسم بقدرتها على الاستفادة من تصميم المنزل في التقاط الطاقة الشمسية. كما أنها لا تستخدم أنظمة ميكانيكية لتوزيع حرارة الشمس كالأنواع الإيجابية. فضلا عن ذلك، فإنها تعدّ من الوسائل البسيطة التي تسهم في تقليل الحاجة إلى المصادر البديلة للطاقة. وتتضمن تقنيات هذه الطاقة:

– اختيار أمكنة مناسبة لإنشاء المباني بحيث تواجه جدرانها الخارجية الشمس.

– اختيار مواد بناء ذات خصائص حرارية مناسبة.

– تصميم المنشآت بحيث تسمح بدوران الهواء داخلها بصورة طبيعية.

ماهية أنظمة

الطاقة السلبية

وفقا للتعريف الذي وضعه ج. ك. بول J. K. Paul، فإن أنظمة الطاقة الشمسية السلبية هي أنظمة تستخدم لـجمع وتخزين وتوزيع الطاقة الحرارية عن طريق الإشعاع الطبيعي، والتوصيل والحمل الحراري من خلال التصميم المتطور والاختيار الحكيم لمواد البناء. وهذا التعريف يوضح أن فكرة الطاقة الشمسية السلبية تقوم على استخدام العمليات الطبيعية، مثل الإشعاع، والتوصيل والحمل الحراري، لتوزيع الحرارة التي توفرها الشمس.

وتشمل الطاقة الشمسية السلبية أيضا حجب أشعة الشمس بغرض التبريد خلال الصيف.

ويسهم دمج الطاقة الشمسية السلبية في تصاميم المباني في تقليل تكاليف استهلاك الطاقة بهذه المباني. فوفقا لدراسة علمية، يمكن لمنزل تستخدم فيه الطاقة الشمسية السلبية توفير نحو 160 دولارا أمريكيا ​​في السنة من خلال استخدام مادة عزل قابلة للنقل movable insulation أو الزجاج ذي الانبعاث الحراري المنخفض low emissivity glass، أو الزجاج الذي يشع مستويات منخفضة من الطاقة الحرارية الإشعاعية radiant thermal energy.

من ناحية أخرى، تعدّ تقنيات الطاقة الشمسية السلبية من المصادر التي تسهم في سد الحاجة إلى كميات زائدة من الطاقة، وبذلك فإنها تساعد على إطالة مدة بقاء مصادر الطاقة الأخرى المعرضة للنضوب (كالنفط والفحم والغاز الطبيعي).

التصميم الشمسي السلبي 

ثمة مصطلح علمي آخر يستخدم في مجال الطاقة الشمسية السلبية، هو: التصميم الشمسي السلبي passive solar design. وهو يعني بصورة أساسية: التصميم المعماري والإنشائي لأي مبنى، بحيث يراعى فيه تحسين شكل المبنى ومكوناته والمواد المستخدمة في تشييده، واختيار الاتجاه المناسب لموضعه بصورة عامة وموضع جدرانه الخارجية بصورة خاصة، بهدف تحقيق أقصى قدر من اكتساب الطاقة الشمسية في المبنى خلال الفترة الممتدة من بداية فصل الخريف إلى نهاية الربيع، وتقليل معدلات اكتساب هذه الطاقة بالمبنى خلال الفترة ذات الطقس الحار في فصل الصيف. وفي الوقت نفسه، يسهم هذا التصميم في تعظيم الاستفادة من ضوء النهار في المبنى في كل أوقات السنة.

وقد تعاظم دور التصميم الشمسي السلبي مع الاتجاه العالمي لتبني مشروعات البناء الأخضر.

تصنيف الأنظمة

للحصول على فهم أفضل لماهية الطاقة الشمسية السلبية، فإنه من المفيد أن نُعَرِّف بالكيفية التي يتم بها تصنيف أنظمة الطاقة الشمسية السلبية التي تستخدم هذا النوع من الطاقة.

تنقسم تقنيات وأنظمة الطاقة الشمسية السلبية إلى ثلاثة أنواع:

– أنظمة الاكتساب المباشر direct gain: 

يُعَدُّ الاكتساب المباشر للطاقة أبسط تطبيق للطاقة الشمسية السلبية، حيث يتم تدفئة المنطقة التي يشغلها المبنى مباشرة بواسطة أشعة الشمس، التي غالبا ما تدخل إلى المبنى من خلال النوافذ التي توضع في الجدران المواجهة للشمس. ولما كانت زاوية سقوط أشعة الشمس على جدران المبنى تختلف خلال فصل الصيف عنها في فصل الشتاء، فإن كمية الطاقة التي يتم اكتسابها بصورة مباشرة تتفاوت في الصيف عن الشتاء، وهذا يعني ضرورة أن تكون هناك آلية محددة داخل المبنى للتحكم في درجة الحرارة بالغرف طوال شهور السنة..

– أنظمة الاكتساب غير المباشر indirect gain: 

في هذه الأنظمة يتم استقبال أشعة الشمس في معظم الأحيان من خلال جدار يواجه الجنوب في المباني المنشأة في نصف الكرة الشمالي. وعند تحرّك الهواء في جميع أنحاء الفضاء الداخلي للمبنى، فإن الحرارة تنتقل من ذلك الجدار إلى المساحة التي توجد فيها غرف المعيشة. ولزيادة التحكم في درجة الحرارة في الأمكنة الداخلية، يتم عمل تهوية في أعلى وأسفل الجدار المواجه للشمس بغرض تدوير الهواء وتوزيع الحرارة، أو يتم إدراج كتلة حرارية، فبذلك يمكن الإسهام في تنظيم درجة الحرارة داخل المبنى.

– أنظمة الاكتساب العزلي isolated gain: 

يتم فيها جمع الأشعة الشمسية وتخزينها حراريا، بحيث يتم ذلك في موضع منفصل عن حيز المعيشة الفعلية، ثم يتم نقل الحرارة إلى مكان المعيشة من خلال عمليتي الحمل الحراري الطبيعي أو القسري.

والتهوية ضرورية عند استخدام أسلوب الاكتساب العزلي، إذ إنها تسهم بشكل كبير في اكتساب الحرارة الشمسية السلبية.

الاستفادة من الكتلة الحرارية

يمكن تعريف الكتلة الحرارية thermal mass بأنها قدرة أي مادة على تخزين الحرارة فيها.

وحتى تكون المادة ذات كتلة حرارية يمكن الاستفادة منها تطبيقيا، ويجب أن تتسم تلك المادة بثلاث خصائص أساسية:

1. أن تكون سعة capacity حرارتها النوعية عالية.

2. أن تكون ذات كثافة عالية؛ فكلما كانت المادة أثقل، أمكنها تخزين حرارة أكثر.

3. أن تكون ذات موصلية حرارية thermal conductivity متوسطة؛ حتى يكون معدل تدفق الحرارة عند دخولها إلى المادة وخروجها منها متسقا تقريبا مع دورة التدفئة والتبريد اليومية للمبنى.

وتتسم مواد البناء ذات الوزن الثقيل، مثل: الطوب والحجر والخرسانة بهذه الخصائص جميعا. وهناك بعض المواد، مثل الخشب، ذات سعة حرارية عالية، لكن موصليتها الحرارية منخفضة نسبيا، مما يحد من معدل امتصاص الحرارة خلال النهار، ويقلل من معدل إطلاقها في الليل.

وقديما، استطاع المعماريون الإسلاميون أن يستفيدوا من الكتلة الحرارية في بناء المنازل في المدن الواقعة في الصحراء، حيث تنخفض درجة حرارة الجو ليلاً وترتفع في أثناء النهار. وقد تجلى ذلك في بنائهم منشآت يستخدمون فيها مواد ثقيلة وذات كثافة عالية؛ بحيث يمكنها امتصاص كميات كبيرة من حرارة الشمس في أثناء النهار.

ولا يتوقف تأثير الكتلة الحرارية على انخفاض حدة التفاوت الكبير بين درجات الحرارة في المناخ الصحراوي نهاراً وليلاً، بل يمتد هذا التأثير ليحدث ما يمكن أن نسميه بالإعاقة الزمنية للتغيرات الحرارية داخل المباني. فأعلى درجة حرارة يتم الوصول إليها تكون قبيل المغيب، أي بعد بضع ساعات من بلوغ درجة الحرارة في خارج المباني ذروتها، وعندئذ تكون حرارة الجو قد بدأت في الانخفاض. وارتفاع حرارة الجدران والأسقف – بسبب أشعة الشمس – يكون مفيداً مع وجود هذه الإعاقة الزمنية، لأنه يضمن تدفئة الغرف والقاعات الموجودة داخل المنزل ليلاً.

تاريخ عريق

لعدة قرون، استفادت الحضارات القديمة من الطاقة الشمسية السلبية. ولهذا، فإن معرفتنا لتاريخ استغلال هذه الطاقة أمر ضروري؛ لأنها تساعدنا على فهم الخدمات التي يمكن أن توفرها لنا تلك الطاقة حاليا. ويعود التطبيق المبكر للطاقة الشمسية السلبية إلى فترة القرن الخامس عشر قبل الميلاد، إبان عهد الحاكم الفرعوني أمنحتب الثالث، الذي قيل إنه كان له تمثالان يصدران ذبذبات صوتية بعد تعرضهما لأشعة الشمس. ويرى الباحثون المعاصرون أن ذلك كان يحدث بسبب التغيرات الفجائية للرطوبة ودرجة الحرارة في الأحجار المصنوع منها كلا التمثالين. وعلى الرغم من أن هذا العمل كان مجرد إنجاز ذي قيمة جمالية ودينية، وليس له علاقة بالنواحي المعمارية أو البيئية، فإنه عرّف من جاء بعد ذلك بإمكانات الطاقة الشمسية السلبية، فتم استخدامها في تقطير المياه، فضلا عن تجفيف النباتات الزراعية.

وقد استخدمت العديد من الحضارات القديمة الطاقة الشمسية السلبية لتوفير التدفئة للمنازل، وإشعال النيران، وحتى في كيّ الجروح.

واستقراء التاريخ القديم لاستخدامات الطاقة الشمسية السلبية يدلنا على أن المنشآت المعمارية في الإمبراطوريات والدول القديمة كانت تصمم بحيث تستفيد من أشعة الشمس والرياح لتخفيف آثار حالات التطرف المناخي. ولكن بسبب عدم توافر الزجاج، فإن القدماء لم يتمكنوا من الاستفادة من الشمس كما نفعل نحن اليوم. ومع ذلك، وعلى الرغم من افتقار معظم الحضارات القديمة إلى الزجاج، وإلى التقنيات الأخرى التي نستخدمها حاليا، فإن تلك الحضارات أحرزت تقدما علميا كبيرا، إذ تفهّمت أسس استخدام الطاقة الشمسية السلبية، وهو الأمر الذي أسهم فيما حدث بعد ذلك من تطورات مستقبلية في استثمار هذه الطاقة.

الاتجاهات المستقبلية

إذا كان استقراء تاريخ العلم يدلنا على حدوث تقدم كبير في مسيرة الطاقة الشمسية السلبية في القرون السابقة، فإن نظرة فاحصة إلى ما وصلت إليه تقنيات هذه الطاقة حاليا تجعلنا نتساءل: أي تقدم آخر في تقنيات هذه الطاقة يمكننا أن نحرزه؟

إن التطور التقني لا يقف عند حد معين، وإذا كانت تقنيات هذه الطاقة قد وصلت حاليا إلى أعلى مستوى لها، فمن المؤكد أنه ستكون هناك تحسينات مستقبلية في المواد المستخدمة في أنظمة الطاقة الشمسية السلبية. وعندما سئل إ. ف. شوماخر E. F. Schumacher، الاقتصادي المتخصص بتوجيهاته لتحسين تقنيات الطاقة الشمسية السلبية: “ما الذي نحتاج إليه حقا من العلماء والتكنولوجيا؟” قال: «نحن بحاجة إلى طرق ومعدات لها الخصائص الآتية: أن تكون رخيصة بما فيه الكفاية؛ بحيث تكون في متناول الجميع تقريبا، وأن تكون مناسبة للاستخدام في حيز صغير، وألا تعتمد اعتمادا كبيرا على الموارد الطبيعية». والطاقة الشمسية السلبية لديها بالتأكيد القدرة على الوفاء بكل هذه المتطلبات.

وتعتمد التطورات الجديدة المتوقعة في مجال الطاقة الشمسية السلبية على ما يستجد من تقنيات، وعلى تطوير الموارد المستخدمة فيها بحيث تكون أكثر كفاءة وملاءمة للتطبيقات التي ستستعمل فيها. وأحد التطورات الحديثة يتمثل في تزجيج النوافذ window glazing، من خلال استخدام طلاءات منخفضة الانبعاثية low-emittance coatings، وهي أغشية رقيقة من أكسيد معدني يتم تثبيتها على زجاج النوافذ للحدّ من تسرب الحرارة من داخل المبنى، والسماح في الوقت نفسه باكتساب حرارة الشمس من الخارج. وهناك أيضا النوافذ ذات الزجاج المزدوج التي تملأ من الداخل بغاز الأرغون ، مما يجعلها متسمة بنفس مزايا طلاءات النوافذ المذكورة آنفا، كما يمكن استخدام هذا الغاز مع تلك الطلاءات لزيادة كفاءة استغلال الطاقة الشمسية السلبية. ومع استمرارية التحسين في هذه التقنيات، ستصبح الطاقة الشمسية السلبية أكثر فائدة وفاعلية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق