علم الأحياء التطوريعلم الجينات والوراثة

بنوك المخزون الجيني والحفاظ على التنوع الحيوي

أسعد الفارس

تمر الأرض بظروف غير عادية في الآونة الأخيرة، حيث التلوث، والتغيرات المناخية، والتصحر، والضغوط الكبيرة التي تتعرض لها الأنظمة البيئية، مما أدى إلى انقراض مجموعات كبيرة من الأحياء (النباتية والحيوانية) وتهديد مجموعات أخرى بخطر الانقراض، فنحو 8300 نوع نباتي و7200 نوع حيواني باتت مهددة بخطر الانقراض في مطلع القرن الحالي، وخصوصاً في المناطق الاستوائية، وفي عموم البلدان النامية. في الماضي البعيد انقرضت آلاف الأنواع قبل أن يكتشفها علماء الحياة، فالانقراض تعرضت له الأحياء في الأحقاب الجيولوجية القديمة نتيجة للتغيرات المناخية، وبسبب التبدلات البيئية، وعدم قدرة الأحياء على التكيف في بيئاتها الطبيعية الجديدة.

في زمن الاستقرار النسبي للحياة على سطح الأرض، لم يتوقف انقراض الأحياء. لكنه كان بمعدلات محدودة، وأخذ يتسارع منذ القرن السابع عشر الميلادي نتيجة لازدياد عدد السكان، واستهلاك الموارد الطبيعية، والتغيرات المناخية. ويتوقع خبراء البيئة – في ضوء هذه المؤشرات – أنه في غضون الثلاثين سنة المقبلة سيصبح %25 من أنواع الثدييات المعروفة و%10 من أنواع الطيور و%30 من أنواع النباتات، وأنواع كثيرة من الحشرات والدود والعناكب مهددة بخطر الانقراض ، لذا يقوم الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة (IUCN) وبعض المنظمات الدولية بإصدار القوائم الحمراء المتضمنة الأنواع المهددة بالانقراض بين وقت وآخر. و قد حدثت في بعض الأنواع انخفاضات حادة في أعدادها؛ مما يتطلب معالجات سريعة، فالغراب البني العنق Corvus ruficollis كان معروفاً في البيئة الكويتية واليوم يعد نادراً أو مفقوداً، وطائر أبي منجل الأصلع Gerontieus eremita الذي ينتشر في المغرب واليمن والسنغال وسورية وتركيا، لم يبق منه إلا ما بين 200 – 300 طائر، وفي السنوات الأخيرة لم يعد يشاهد منه في بادية الشام سوى خمسة طيور، وهناك أمثلة كثيرة على النقص العددي الحاد في أعداد الحيوانات التي أصبحت مهددة بالانقراض. كان ذلك في البيئات العالمية بصورة عامة أما في البيئة الكويتية فالأحياء متنوعة ما بين البيئة البرية والبحرية، ففيها نحو 28 نوعاً من الثدييات وما يزيد على 350 نوعاً من الطيور، و40 نوعاً من الزواحف. وقد انقرضت فيها ثمانية أنواع من الثدييات، وقلت أعداد أنواع نحو 50 نوعاً من الطيور، وتحتوي القائمة الحمراء التي تضم الحيوانات المهددة بالانقراض ثمانية أنواع من الثدييات، وخمسة أنواع من الطيور المهاجرة، وبعض أنواع الزواحف بما فيها الضب.

خطر التدهور البيئي
إن خطر التدهور البيئي المتزايد بات يهدد مصير الحيوان والإنسان في كل مكان، ولمواجهة مثل هذه التحديات، دعت المنظمات البيئية إلى التوسع في إقامة المحميات وذلك للحفاظ على الأحياء والتنوع الحيوي، وإلى محاربة الرعي الجائر، والصيد الجائر لبعض الحيوانات، ومنع الاتجار الدولي بالحيوانات المهددة بالانقراض بموجب اتفاقية الـ Cites التي وقعت في واشنطن في 3 مارس عام 1973 وبدأ العمل بتطبيقها عام 1975. وثمة دراسات للحد من الظواهر غير الطبيعية التي تهدد بيئة الأحياء في مختلف أنحاء العالم، وتستهدف الحفاظ على الأحياء الحالية، وتنمية الأنواع المهددة بالانقراض تنمية مستدامة، ومحاولة استعادة الأحياء المنقرضة المهمة عن طريق الاستنساخ، لاسيما أن التقنيات الوراثية الحديثة جعلت من الممكن حفظ الأنسجة الحيوانية التي تحتوي على مادة الـDNA التي يمكن أن تؤخد من الأحياء المهددة بخطر الانقراض.
ونتيجة لهذه الأحداث البيئية المتلاحقة جاءت فكرة إقامة بنوك المخزون الجيني، ويعني البنك الجيني أن: «مجموعة من الموارد الجينية تدار بحكمة ودراية» تحفط في البنوك الجينية مجموعات حيوانية أو نباتية كاملة، أو تخزين الأنسجة والمواد الوراثية. وبمعنى آخر يتم الحفاظ على شيفرات الحياة حتى بعد انقراض الأحياء، خدمة للأجيال القادمة، إذ تمكن العلماء من فهم المخلوقات التي انقرضت، كما تساعد على بناء البرامج المستقبلية التي تُعُّد للحفاظ على الأحياء المهددة بخطر الانقراض.

الشيفرات الوراثية للكائنات الحية
أصبحت بنوك الجينات تحتفظ بنسخ احتياطية من الشيفرات الوراثية لكثير من الكائنات الحية قبل انقراضها، في قاعدة بيانات يمكن الرجوع إليها في كل وقت، فمادة الـ DNA التي تحتوي على الشيفرة الوراثية يمكن أن تحفظ سالمة في ظروف آمنة مثالية لآلاف السنين. وتعد بنوك الجينات خطوة رائدة تعنى بالإنسان والحيوان، وحتى النباتات المهددة بالانقراض.
ولكن لماذا يدعى ذلك كله بنكاً، مع العلم أن للبنوك مفاهيم ومصطلحات تجارية خاصة؟!
يدعى ما ذكر بنكاً لإمكانية سحب العينات المحفوظة فيها واستخدامها في الأبحاث، واستمرار تزويدها بموارد وراثية جديدة، وهكذا يسعى البنك الجيني إلى حفظ الأصول الوراثية كي لا تندثر، وتوفيرها لمصلحة الأبحاث، على أن تكون متاحة لكل باحث أو جهة بحثية، فبإمكان تلك الجهة أن تطلب العينات المحددة من البنك مباشرة في حين ستترك الأحياء في البيئة لتستكمل دورة حياتها الطبيعية. ويشترط في ذلك التوثيق والتدوين لنوع وشكل الجينات المأخوذة على المستوى المحلي والعالمي، واطلاع المنظمات الدولية.
تقام البنوك الجينية عادة خارج المواقع الطبيعة للأحياء، وهو الأمر الأكثر شيوعاً والأسهل من حيث التداول، وقد تقام البنوك الجينية داخل المواقع الطبيعية وخصوصاِ في المناطق المحمية. وهناك خصوصية بالنسبة لبنوك الجينات النباتية، وبنوك الجينات الحيوانية، وحتى بنوك الأحياء الدقيقة.

بنوك المخزون الجيني للنباتات
بواسطة هذه البنوك يتم الحفاظ على التنوع الوراثي، وإتاحته للعاملين في الزراعة، والعلماء لتطوير الأصناف النباتية، وتحسيناتها لتتكيف مع الظروف الإيكولوجية، إضافة إلى الحفاظ على التنوع النباتي المهدد بالانقراض.
وتقول منظمة الغذاء والزراعة العالمية (الفاو FAO) إنه في ضوء نمو عدد السكان في العالم، واستمرار مواجهة مجموعة متزايدة من التحديات (مناخياً وبيئياً وغير ذلك)، يصبح الحفاظ على مجموعة متنوعة وسليمة وراثياً من البذور والموارد النباتية الأخرى ضرورة لحفظ النظم الزراعية والغذائية وتنميتها تنمية مستدامة، وصون مرونتها جيلاً بعد جيل. والبنوك الجينية النباتية في نظر بعض خبراء (الفاو) تساعد على تقريب الهوة بين الماضي والحاضر، من خلال ضمان توافر الموارد النباتية الوراثية للبحوث، وصون تلك الموارد، كما تمكن بلدان العالم من تقاسم وتبادل الموارد الوراثية فيما بينها.

بنوك المخزون الجيني للحيوانات
يعمل هذا النوع من البنوك على حفظ النسج الحيوانية، والبويضات والنطف والسوائل المنوية، للسلالات التي يمكن إكثارها في حالة إصابة أصولها بمشكلة، أو عندما تكون مهددة بخطر الانقراض، كما يمكن أن تُجرى عمليات الاستنساخ لبعض الحيوانات من خلال حفظ الأنسجة، وتهيئة مادة الـ DNA الحاوية على الشيفرة الوراثية. وتتفاوت بنوك الجينات الحيوانية في العالم كثيراً في حجم مجموعاتها المحفوظة، وفي الموارد البشرية التي تديرها، والموارد المالية المتاحة لها. وستساعد معايير بناء بنوك الجينات على تحقيق التوازن بين الأهداف والموارد المتاحة، كما تساعد على توفير الأحوال الطبيعية لمتابعة النشاطات.
ونتيجة لاستطلاع الواقع البيئي في الكويت وعموم دول الخليج العربي نرى أن تكون الأولوية في بناء بنوك المخزون الجيني للأحياء البحرية المهددة بخطر الانقراض، بسبب التلوث المائي الواسع النطاق في بيئتها الطبيعية، فيجب الإسراع في حفظ مكوناتها الحية في بنوك الجينات، والحفاظ على الموائل الطبيعية لعموم الأحياء المائية، والمعني بذلك كله الأسماك في مياه الخليج بصورة خاصة، لأهميتها الاقتصادية، وللتلوث الحاصل في المياه التي تعيش فيها. وتتطلب عمليات إقامة البنوك الجينية تحديد الحاجة لها، وتوفير الإمكانات المادية، والأجهزة والمواصفات الفنية، وتحديد العينات المستهدفة، والتعاون بين المؤسسات العلمية في الدولة التي يقام فيها البنك، وبينها وبين المؤسسات العلمية العالمية، وذلك لتحقيق الأهداف المرجوة من إقامة البنك.
وهناك طرف مهم يجب أن تشمله بنوك الجينات، وهو الأحياء الدقيقة التي يجب ألا تُنسى من إمكانية حفظ مخزونها الجيني، غير أن هذا يتطلب إجراء مسوح واسعة، على أن يتم التركيز على الأحياء الدقيقة ذات المردود الاقتصادي، والأحياء الدقيقة التي تتعلق بصحة الإنسان وعموم الأحياء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق