الطب وصحةوباء الكورونا

النفايات الطبية في زمن كورونا.. إدارة حكيمة لتلافي الأخطار الكارثية

مع استمرار انتشار فيروس كورونا، ليس أمام الحكومات سوى إدارة النفايات الطبية بصورة حكيمة من أجل التقليل إلى أدنى حد من الآثار المحتملة لها على البشرية ومحيطها الحيوي

 محمد البسام
كاتب علمي ، الكويت

       لم تقتصر تداعيات فيروس كورونا المسبب لجائحة كوفيد-19 على العدد الكبير من حالات الإصابة والوفاة، ولا على المجالات الاقتصادية والسياسية والتعليمية، ولا على العلاقات الاجتماعية والعائلية، بل امتدت لتشمل كل مجالات الحياة وتشعباتها، وجميع مناحي المعيشة وتفاصيلها، حتى غدت حاضرة في كل جزئية من الجزئيات اليومية للإنسان، ومرتبطة بكل تحركاته داخل المنازل وخارجها.

     وعلى الرغم من الأضرار الهائلة التي خلفتها تلك الجائحة على جميع المجالات، فإن البيئة كانت استثناء واضحا؛ فقد كانت أكبر مستفيد من توقف عجلة الحياة والمصانع والآلات، وكذا من الحد من حركة وسائل النقل المتنوعة، ومن بطء وتيرة العمل في معظم القطاعات. لكن هنالك جانبا لايزال يؤرق الجهات المسؤولة عن الحفاظ على البيئة وصون مواردها وحماية كائناتها؛ ألا وهو النفايات الطبية التي تخلفها تلك الكارثة يوميا.

      فمناظر الكمامات المتنوعة والقفازات الطبية المنتشرة في الشوارع ومواقف السيارات ووسائل النقل العامة، وكذلك الملابس الطبية الواقية المرمية أمام المستشفيات والمصحات وبعض المنازل والمكاتب التجارية، وقوارير المطهرات والمعقمات التي تعج بها حاويات القمامة باتت منظرا مألوفا في كل مكان، وهي تُظهِر بعض التغييرات التي أحدثتها تلك الجائحة، لكنها تؤشر في الوقت نفسه إلى الأضرار البيئية الكبيرة الناجمة عنها.

وعلى سبيل المثال ، فقد بلغت الكمية الإجمالية للنفايات الطبية التي جمعت في جميع أنحاء مقاطعة هوبي الصينية (التي تعد مكمن الجائحة) في 24 فبراير الماضي نحو 365 طناً، منها 60% جاءت من المستشفيات، في حين كانت كمية النفايات الطبية في تلك المقاطعة في عام 2018 بكامله نحو 17 ألف طن، أما على مستوى جميع مقاطعات الصين فكانت الكمية في ذلك العام مليوني طن.

 إدارة سليمة للنفايات الطبية

   ووفق تعريف منظمة الصحة العالمية، فإن نفايات الرعاية الصحية هي جميع النفايات الناتجة من مرافق الرعاية الصحية والمختبرات الطبية ومرافق البحوث الطبية الحيوية، وكذلك النفايات الناتجة من مصادر ثانوية أو متفرقة. هي تشمل عناصر تضم أدوات حادة وأخرى غير حادة ملوثة بالدم وأجزاء من الجسم وأنسجته ومواد كيميائية ومستحضرات صيدلانية ومواد مشعة.  وتؤدي رداءة إدارة هذه النفايات إلى تعريض عاملي الرعاية الصحية والمعنيين بمناولة النفايات والمرضى وأسرهم والمجتمع لحالات عدوى وآثار سامة وإصابات يمكن تلافيها.

   وتنطوي الإدارة الآمنة لنفايات الرعاية الصحية على ثلاثة مبادئ رئيسية هي: تقليل النفايات غير الضرورية، وعزل النفايات العامة عن تلك الخطرة، ومعالجة النفايات بطريقة تحدّ من المخاطر التي يتعرض لها العاملون الصحيون والمجتمع. وتعدّ الإدارة الآمنة للنفايات مسألة متشعبة، ومع أنها مسألة يجري تناولها في إطار الاضطلاع بالأنشطة العالمية المتعلقة بالمياه والنظافة الشخصية في مرافق الرعاية الصحية، فإن هناك عدداً من أوجه التعاون التي يتواصل تنفيذها مع الفرق العاملة بشأن الوقاية من حالات العدوى ومكافحتها ومأمونية عمليات الحقن وحملات التمنيع والمواد الكيميائية والطاقة والطوارئ.  وفي حالة جائحة كوفيد-19 فإن تلك النفايات تشمل أيضا والقفازات والملابس الواقية، إضافة إلى بقايا طعام المرضى المصابين.

    ومع استمرار انتشار فيروس كورونا واشتداد آثاره  يوما بعد آخر، فليس أمام الحكومات سوى معالجة إدارة النفايات، بما في ذلك النفايات الطبية والمنزلية وغيرها من النفايات الخطرة، باعتبارها خدمة عامة عاجلة وأساسية، من أجل التقليل إلى أدنى حد من الآثار الثانوية المحتملة في الصحة والبيئة والاقتصاد.

    وتتضمن المبادئ التوجيهية التقنية لاتفاقية بازل للأمم المتحدة بشأن الإدارة السليمة بيئيا للنفايات الطبية الحيوية ونفايات الرعاية الصحية، معلومات وجوانب عملية لإدارة النفايات تسعى إلى الحد من المخاطر على صحة الإنسان والبيئة

    ويرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الإدارة غير السليمة لهذه النفايات ستحدث آثارا مدمرة غير متوقعة لصحة الإنسان والبيئة، لذلك فإن المناولة الآمنة لهذه النفايات، والتخلص النهائي منها، أمر حيوي في الاستجابة الفاعلة لحالات الطوارئ. كما أن الإدارة الفاعلة للنفايات الطبية الحيوية ونفايات الرعاية الصحية تتطلب التحديد المناسب للنفايات، وجمعها، وفصلها، وتخزينها، إضافة إلى جوانب مهمة مرتبطة بها، بما في ذلك التطهير وحماية الموظفين وتدريبهم الدائم.

  والإدارة الآمنة للنفايات المنزلية حاسمة خلال حالة الطوارئ العالمية لمواجهة خطر فيروس كورونا، وعلى سبيل المثال يمكن بسهولة خلط النفايات الطبية مثل الأقنعة الملوثة والقفازات والأدوية المستعملة أو منتهية الصلاحية وغيرها من المواد مع القمامة المنزلية. لكن الأمر السليم هو معالجتها كنفايات خطرة والتخلص منها بشكل منفصل، وتخزينها بشكل منفصل عن النفايات المنزلية الأخرى وجمعها من قبل الجهات المتخصصة.

تقنيات معالجة النفايات

     ولإرشاد الحكومات والمنظمات المعنية بالنفايات الطبية، أصدر المركز الدولي للتكنولوجيا البيئية التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في أوساكا باليابان دليلا يتضمن عددا من تقنيات معالجة النفايات الطبية ذات الصلة بجائحة كوفيد-19.

ويصنف الدليل النفايات الطبية وفقًا للتصنيفات العامة الآتية: نفايات الأدوات الحادة، والنفايات المرضية، والنفايات المعدية الأخرى، والنفايات الصيدلانية بما في ذلك النفايات السامة للخلايا، والنفايات الكيميائية الخطرة، والنفايات المشعة، والنفايات العامة (غير الخطرة). وبشكل عام، فإن ما بين 75 و 90 % من النفايات التي تنتجها مرافق الرعاية الصحية هي نفايات عامة غير خطرة (غير معدية وغير خطرة)، قابلة للمقارنة بالنفايات المنزلية. أما النفايات المعدية فهي نفايات يُشتبه في احتوائها على مسببات الأمراض (البكتيريا أو الفيروسات أو الطفيليات أو الفطريات المسببة للأمراض) بتركيز أو كمية كافية لتسبب المرض في المضيفات الحساسة.

ويتطرق الدليل إلى فصل النفايات الطبية الذي يعد عنصراً مهماً في إدارة تلك النفايات بكفاءة. فمن خلال فصل النفايات الخطرة عن النفايات غير الخطرة يمكن للمرء أن يقلل بشكل كبير من حجم النفايات التي تتطلب معالجة متخصصة. وتشمل العناصر الأخرى لإدارة النفايات الطبية تصنيف النفايات وتقليلها، والحاويات، وترميز اللون، ووضع العلامات، واللافتات، والمناولة، والنقل، والتخزين، والمعالجة والتخلص النهائي. والحفاظ على مثل هذا النظام يتطلب تدريباً مستمراً وتخطيطاً متميزا.

طابع مؤسسي

يدعو المركز إلى إضفاء الطابع المؤسسي على نظام جيد لإدارة النفايات الطبية، مع إقراره بصعوبة تلك العملية وتعقيدها. وينطوي ذلك على تقدير وتقييم الممارسات الحالية، وتقييم خيارات إدارة النفايات، وإصدار سياسات ومبادئ توجيهية مؤسسية، وإنشاء منظمة لإدارة النفايات، وتخصيص الموارد البشرية والمالية، وتنفيذ الخطط وفقًا لجدول زمني محدد، إضافة إلى برنامج التدريب الدوري والمراقبة والتقييم والتحسين المستمر.

ويتوقع المركز أن تكون البلدان والمدن والمؤسسات التي تستخدم هذا الدليل أو غيره من الأدوات المشابهة، والتي طورت نظاماً لإدارة النفايات التشغيلية، أكثر قدرة على التعامل مع طفرات النفايات الطبية المرتبطة بالكوارث، بما في ذلك جائحة كوفيد-19 وغيرها من الجائحات التي ربما تحدث مستقبلا. كما أن هذا الدليل يعد بمثابة أداة للحد من المخاطر، وهو ذو صلة بالاستجابة للجائحة على مدى زمني متوسط ​​إلى طويل الأجل، من أشهر إلى سنوات عدة، لكن يجب استكماله بمبادئ توجيهية للاستجابة السريعة لعمليات الطوارئ في الوقت الحقيقي.

    ويشير الدليل إلى العمليات الأربع الأساسية المتضمنة في معالجة النفايات الطبية، وهي العمليات الحرارية، والكيميائية، والإشعاعية، والبيولوجية. لكنه يقول إن معظم تلك النفايات إما يُساء معاملتها بتقنيات تتم صيانتها بشكل غير صحيح، أو لا تعالج على الإطلاق، وهو ما يعني تداعيات كارثية على البيئة وحياة الكائنات الحية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق