تكنولوجيا

النشر الانغماسي تعبير للنقاش الحالي عن النشر الإلكتروني

د. أحمد مغربي

النشر الإلكتروني E-Publishing عبارة مكتوب عليها أن تهرم باستمرار، ومعها يتقادم المفهوم الذي تحمله أيضاً. عند مستهل انتشار الإنترنت، كان للمصطلح بريق الإبهار والجدّة والاكتشاف والشباب أيضاً. وبدا، ككل مبتكر حقيقي، هازئاً مما قبله: النشر من خلال الكتب الورقية. وربما فاته أن يلاحظ عدم ربط أي شخص بين الوسيط الورق وعملية النشر إلا عندما تأتي المقارنة بالنشر الإلكتروني! بقول آخر، منذ اختراع الطباعة الآلية المتحركة على يد غوتنبرغ في منتصف القرن الخامس عشر، كان الورق هو الوسيط بالتعريف، بحيث يكفي قول: نشر وطباعة، كي يُدرك أن الحديث يدور عن ورق. وبرؤية استرجاعية، يبدو أن فرض النشر الإلكتروني لإعلان الرابط بين الوسيط والآلية، وكأنه إضمار لشيء صار لاحقاً أشهر ما يكون: السعي لإزاحة النشر الورقي عن موقعه المكين، والإعلان عن انتقال الحضارة إلى الوسيط الإلكتروني.

وعلى الرغم من إبهار هذه الصورة، فإنها تباهتت بسرعة، وشاخت بوضوح. ومع ذلك، ثمة من يُصرّ، خصوصاً في الوطن العربي، على متابعة النقاش عن «الإلكتروني بدلاً من الورقي»، وكأنه نقاش وُلِد بالأمس! يجدر القول إن مجريات الأمور عن مفهوم النشر بحد ذاته، تجاوزت حتى وضع الأمور على هيئة ثنائية متعاكسة يقف الورق في أحد حدّيها (مع مظهر المتخلف أيضاً)، ويواجهه الإلكتروني في الطرف المعاكس من الحلبة، مدعوماً بصور الحداثة الفائقة (أو ما بعد الحداثة)، بل حاملاً صورة لمستقبل مملوء بالتقنية وأدواتها الساحرة. ولا شيء أدعى الى الضحك من هذه الصورة عن النشر في الزمن المعاصر.
واستطراداً، لا تشي هذه الصورة إلا بأن افتتان بعض الأشخاص بالتقنية، مبالغ فيما وصل إليه من ذهول واغتراب، بالمعنى الذي يستعمل فيه مصطلح «اغتراب» (ألينايشن Alienation) في سوسيولوجيا الغرب.
ثمة ملمح يجدر الالتفات إليه عند التفكير في مدى زيف إشكالية «الوسيط الورقي في مواجهة بديله الإلكتروني».
وثمة إعلان شهير صدر عن «المؤتمر الأول عن النشر الإلكتروني» الذي عُقِد في عام 1999، تحت رعاية شركة مايكروسوفت العملاقة. وبموجب ذلك الإعلان، كان من المفترض أن يختفي كل ما يُطبع ورقياً خلال عشرين سنة. وبلغت سخرية المؤتمر، الذي جزم باختفاء كل ما هو مطبوع ورقياً، أن ديك براس، وهو نائب رئيس مايكروسوفت للتطوير التقني، رسم خريطة طريق لاختفاء المطبوعات الورقية تشمل ظهور حملة للتذكير بوجود الكتاب في عام 2012، يكون شعارها «كتاب حقيقي، جاء من شجر حقيقي، ومخصّص لبشر حقيقيين». (ثمة شعار مُشابه ظهر في 2012 هو «صُمّم من أجل البشر»، لكنه استعمل للترويج لأحد الألواح الإلكترونية الذكيّة، الوثيقة الصلة بالكتاب الإلكتروني، وليس الورقي)!
وتضمّنت تلك الخريطة التي تبددت أدراج الرياح، وصول الكتب الإلكترونية الى مليار إصدار في عام 2001، وحلول أكشاك إلكترونية، يفترض ظهورها في 2006، تبيع صحفاً إلكترونية، بمعنى وضعها على أجهزة يحملها المشترون، محل الصحف الورقية، في عام 2008. وحينها، اندفع هذا المسار إلى العناوين الأولى لكثير من وسائل الإعلام، فتحدّثت عن ذلك المؤتمر بوصفه إعلاناً من مايكروسوفت بموت الورق.

أزمة النشر الورقي
لم يمت النشر ورقياً، على الرغم من أنه يعيش أزمة واضحة. وفي صيف عام 2012، نقلت مجلة (ماشابل) mashable.com الإلكترونية إعلاناً عن موقع «google» يفيد بأن البشرية أصدرت قرابة 13 مليون كتاب في تاريخها. وما فات هذه المجلة، هو القول إن طباعة الكتب ورقياً ما زالت تنمو، ربما بفضل انتشار الوسيط الإلكتروني. ففي عام 2011، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن موقع (أمازون) يبيع 105 كتب إلكترونية من نوع «كيندل» مقابل كل 100 كتاب ورقي، ولا يشمل هذا الكتب الإلكترونية المجانية. وذكرت «الجمعية الأمريكية للناشرين» American Association for Publishers، أن مبيعات الكتاب الإلكتروني في شهر مارس 2011 بلغت 69 مليون دولار، ما مثّل زيادة نسبتها %146 على 2010.
في سياق مماثل، قالت صحيفة «الغارديان» في 6 أغسطس 2012، إنه مقابل كل 100 كتاب ورقي بيع في بريطانيا، باعت «كيندل» 114 كتاباً، مع ملاحظة أن نصف مليون من كتب «كيندل» تباع بسعر يقل عن 4 جنيهات استرلينية. ويبدو هذا الكلام مهماً في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالاقتصاد العالمي، خصوصاً منذ عام 2008. وفي السنة الماضية، ذكرت الصحيفة عينها أن مقولة «موت الكتاب الورقي» مبالغ فيها، على الرغم من ظهور علامات مقلقة عنه. في وقت مبكّر من 2011، غطّت هذه الصحيفة «معرض أدنبرة الدولي للكتاب»، تحت عنوان «أبوكاليبسي هو نهاية الكتب»؟ وحينها، أجرت «الغارديان» مقابلة مطوّلة مع الكاتب الإنكليزي إيان موريسون، أعرب فيها عن قناعته بأن الكتب الورقية ستختفي نهائياً خلال السنوات الـ25 المقبلة.
لا تؤيّد الوقائع هذه الإعلانات التي تتردد دائماً، مع مراهنة مضمرة للجديد منها بإمكان أن تكون سابقاتها نُسيت، عن موت الكتاب الورقي. فبحسب معلومات من جمعيات نشر غربية، بيع في بريطانيا 162 مليون كتاب ورقي في عام 2001. وبعد عشر سنوات، وهي سنوات شهدت نمواً انفجارياً في انتشار الشبكة العنكبوتية وانفجار الفضائيات وتسارع ظواهر القرصنة الإلكترونية وغيرها، بيع في بريطانيا 229 مليون كتاب ورقي! بقول آخر، نمت مبيعات الكتاب الورقي منذ شيوع فكرة موته، بنسبة تفوق %42. وأعطت هذه المبيعات 1.7 مليار جنيه استرليني، ما مثّل زيادة نسبتها %36 على عام 2001. واللافت للنظر أن الزيادة بلغت %44 (476 مليون جنيه إسترليني) في الكتب المخصصة للكبار، فيما زادت نظيرتها عند المراهقين وكبار الأطفال، وهي الفئة المنغمسة في الممارسات الإلكترونية بشدة، بمقدار %200، وأعطت 325 مليون جنيه استرليني!

انخفاض مبيعات الكتب الورقية
ولاحظت المواقع الإلكترونية لمجموعة من دور النشر في الغرب، أنّ مبيعات الكتب الورقية سجّلت انخفاضاً في عام 2011 بمقدار %6 مقارنة بعام 2010، مع الإشارة الى أن الأمر يأتي ضمن سياق متّصل من الانخفاض.
في هذا السياق، أثار الكاتب الإنكليزي ليويد شيبرد صاحب رواية «الوحش الإنكليزي» English Monster، مسألة حسّاسة بإشارته إلى أن السؤال الفعلي عن الكتاب الورقي يتمثّل في التفكير في نسبة من يستعيضون عنه بالكتاب الإلكتروني: «هل الخيار هو بين إلكتروني وورقي، أم أن المسألة أبعد من هذا»، بحسب كلمات شيبرد.
وبهذا الصدد، أوضح الكاتب أن أحد كبار محللي سوق الكتب، وهو ديفيد والتر الذي يعمل في مؤسسة «نيلسن بوكسكان»، أخبره بأن الكتاب الإلكتروني لا يشكّل إلا سبباً جزئياً في ظاهرة تضاؤل الكتاب الورقي. وللدلالة على أن الكتاب الإلكتروني ليس بديلاً مباشراً (ولا منافساً مباشراً أيضاً)، للكتاب الورقي، أورد شيبرد إحصاء عن موقع شركة «أمازون» Amazon.com الشهير لبيع الكتب، أشار إلى أن عام 2011، هو العام الذي تفوقت فيه مبيعات الكتب الإلكترونية (بما فيها تلك التي تباع على منصة «كيندل» الإلكترونية)، على مبيعات الكتب الورقية كافة، ولكن، مع التشديد على أن مبيعاتها من الكتب الورقية تواصل الارتفاع أيضاً.
وبيّنت شركة «أمازون» أن مبيعاتها من الكتب الورقية في الولايات المتحدة تتسارع بصورة مطردة، فيزيد عدد الكتب المطبوعة وأرباحها في كل سنة على سابقتها. ويتكرّر الأمر نفسه في بريطانيا. فمنذ افتتحت شركة «أمازون» مكتبة لها في لندن، تتزايد مبيعاتها من الكتب الإلكترونية والورقية بصورة مستمرة.
ومن الواضح أن هذا المعطى الصادر عن أحد أقوى مراكز بيع الكتب الإلكترونية والورقية، يؤيد الرأي القائل بأن صيغة إلكتروني في مقابل ورقي، ليست سوى إشكالية زائفة في وصف وضع الكتاب الورقي، بل إنها تحرف الأنظار عن رؤية الأبعاد المتعددة لهذا الأمر.
في السياق نفسه، يجدر الالتفات إلى إحصائية على الموقع الإلكتروني لـ«جميعة المؤلّفين» societyofauthors.org، تفيد بأن عدد المؤلفين في بريطانيا، بلغ 9000 مؤلّف في عام 2011، وهو الأعلى تاريخياً منذ تأسيس الجمعية في 1884. وارتفع عدد عناوين الكتب المطبوعة في بريطانيا باطراد، من 110 آلاف عنوان في 2001 إلى 150 ألفاً في 2010.

تفوق الكتاب الإلكتروني
في سياق مُشابه، ذكر موقع «زد. نت» zdnet.com، في 18 يونيو الماضي، أن الكتاب الإلكتروني حقق تفوقاً في المبيعات على الورقي للمرة الأولى، بحسب ما لاحظه تقرير عن «جمعية الناشرين الأمريكيين»، أورد أن الفصل الأول من عام 2012، سجل هذه الظاهرة التاريخية، إذ بلغت مبيعات الكتاب الإلكتروني 283 مليون دولار، والورقي قرابة 230 مليون دولار. وانخفض حجم تجارة الكتب الورقية من 335 مليون دولار إلى 300 مليون دولار في الفترة عينها، ما مثّل انخفاضاً نسبته %10. وانخفضت مبيعات الكتب ذات الأغلفة الورقية من 125 مليون دولار إلى قرابة مئة مليون دولار، ما مثّل انخفاضاً نسبته %20.
من خلاصة هذه المعطيات يصعب القول إن النشر الورقي يعيش في سكرات موته، لكن يصعب أيضاً تجاهل ملاحظة أن الأمر يتصل بزمن يتغيّر بقوة، ولا يكون التغيير الكبير سهلاً ولا مباشراً ولا مريحاً أيضاً. ثمة عالم قديم يتلاشى، لكن الجديد لم تكتمل ولادته، بعد.

الكتاب الانغماسي Immersive Book
لعله من الأجدى في اللحظة الحاضرة التفكير في مفهوم «النشر الإلكتروني» بحد ذاته. لنتمهل لحظة. حاضراً، يضم الوسيط الرقمي الشبكات الإلكترونية والرقمية كافة، وشبكات الاتصالات للهواتف النقالة والهواتف الذكية، والبث المرئي- المسموع المنقول فضائياً عبر الأقمار الصنعية. حاضراً، يمكن «النشر» عبر هذا الوسيط بواسطة المُدوّنات الإلكترونية ومواقع الشبكات الاجتماعية مثل «تويتر» Twitter و«فيسبوك» Fecebook، ومواقع أشرطة الفيديو الرقمي مثل «يوتيوب»Youtube. من المهم التشديد على هذا المتغيّر، لأنه يمثّل تغييراً في الأساس الذي يقف عليه مفهوم النشر الإلكتروني. بعبارة ثقيلة، بات مفهوم النشر الإلكتروني يقف على بنية من الشبكات المتنوّعة المتّصلة بمنصّات متعددة، تتداول مواد متعدّدة الوسائط (أساسها المرئي – المسموع الرقمي)، ويجري التعامل معها عبر أجهزة ذكيّة لا تكف عن التكاثر والانتشار في يد الجمهور. ما سبق مجرد ومضة سريعة عن الأساس الذي يقف عليه مفهوم النشر الإلكتروني حاضراً. في المقابل، ثمة من لا يفقد الرغبة في استمراء النقاش عن الفارق بين الإلكتروني والرقمي. من المستطاع المضيّ في هذا النقاش إلى حدود بعيدة. إلى أي مدى يجدي مثل هذا النقاش عند التفكير في مسألة النشر الإلكتروني في العقد الثاني من القرن 21؟ أبعد من هذا، فإن الصورة السابقة المتعددة والمتغيّرة، تتحكـــــّم فيـــها أشيـــــاء تطاول أساس المحتوى نفسه.
ليس كثيراً القول إن ثمة صعودا مذهلا للثقافة البصرية في هذا الأساس نفسه، وإن درجة اندماج الثقافة البصرية مع التقنية الرقمية تتجاوز المفهوم التقني الرائج، وهو «التلاقي الرقمي» Digital Convergence، لتفتح اندماج المحتوى مع الأدوات الرقمية الذكية، مثل «آي باد» و«غلاكسي نوت» و«كيندل» و«نووك». وكذلك الحال بالنسبة للبرامج الحاسوبية، التي سارت بعيداً عن البرامج التقليدية في النشر الإلكتروني، لتلاقي تلك المستخدمة في الألعاب الإلكترونية والمُدوّنات والأفلام ومواد وسائط الإعلام المتعددة، عبر الملمح الأبرز في هذه الصناعة حاضراً: التطبيقات Applications المُعدّة للأجهزة كافة.
في عددها الصادر مستهل ربيع 2012، تناولت مجلّة «وايرد» الأمريكية العلمية، رواية «النُجاة» (Survivors) للكاتبة الأمريكية أماندا هارفرد. ولاحظت أن التطبيق الذي يقدّم هذه الرواية، وهي مخصصة للشباب والمراهقين، على الأدوات الذكيّة تتضمّن عناصر تفاعلية كأشرطة الفيديو وتغريدات «تويتر». اعتبرت المجلة أنها قطرة أولى في سيل شرع في الاندفاع، وربما اكتسح مفهوم الكتابة والنشر الرقميين معاً. يبدو كأنه أمر محتّم. وكما تحتّم على عالم الموسيقا التأقلم مع ظهور «آي تيونز»، وأن تجعل استوديوهات هوليوود تقنية «فليكس» لأشرطة الشبكية للأفلام، يتحتّم على صناعة النشر أن تتأقلّم مع القفزات المُدوّخة التي تحقّقها أجهزة الألواح الذكيّة، وتجعل منتجاتها مناسبة للمعطيات الجديدة في الوسيط الرقمي. بات صنع تطبيق «أبليكايشن» Application رقمي عن الكتاب، وليس مجرد وضعها في هيئة ملف إلكتروني مثل «بي دي أف» ولا حتى على منصة رقمية للكتب كـ«كيندل»، هو الممارسة المعاصرة في النشر الإلكتروني.

لورينا جونز
وفي عدد تالٍ، تابعت المجلة موضوع المتغيّر في النشر الإلكتروني المعاصر، عبر لقاء مع لورينا جونز، المديرة التنفيذية لدار النشر الإلكترونية «كتب كرونيكل» chroniclebooks com. وعبّرت جونز عن قناعتها بأن الانتشار السريع للأجهزة الذكية، والتكاثر الانفجاري للتطبيقات التي تعرض كتباً بأسعار متدنية، يوجب على صناعة النشر الإلكتروني أن تعيد النظر في عملها جذرياً. وفي سياق متّصل، أظهر استطلاع على موقع «بيو إنترنت. أورغ» pewinternet.org (المتخصّص بتتبع آثار الإنترنت على الحياة اليومية للفرد العادي في الولايات المتحدة)، أن خُمس الأمريكيين قرأوا الكتب إلكترونياً في عام 2011. وأظهرت «رابطة الناشرين الأمريكيين» أن عام 2010 شهد مبيع 110 ملايين كتاب إلكتروني. وبيع قرابة خمسين مليون «آي باد» وجهاز «أندرويد» وجهاز قراءة كتب إلكترونية، في عام 2011، وهو ضعف العدد مقارنة بعام 2010.
إن المهمة التي تواجهها دور النشر تتخطى ذلك التحدي الهائل الذي واجه صناعة الموسيقا بالنسبة للوسيط الرقمي؛ ففي حال الموسيقا، تمثّلت المسألة الرئيسة المطروحة على دور صناعة الموسيقا، في تحويل مواد الموسيقا الى ملفات رقمية.
والأرجح أن المهمة في النشر الإلكتروني أكثر تعقيداً، إذ يجب على الناشر الدخول الى صناعة مواد وسائط الإعلام المتعدد Multi Media والوسائط التفاعلية Interactive Media. ليس من المجازفة القول إن صناعة الكتاب الإلكتروني وصلت إلى حدود جديدة يمكن معها أن نطلق على ذلك الكتاب تسمية «الكتاب الانغماسي» Immersive Book، أو «الكتاب الإلكتروني المُعزّز» Enhanced e-Book. إذاً، أصبح صُنّاع الكتب مُطالبين بأن يكونوا مؤسسات للمواد المتعددة الوسائط، وأن ينخرطوا في صناعة أشرطة الفيديو وممرات الموسيقا والمُكوّنات التفاعلية، إضافة إلى صنع الكتاب نفسه. ويجب أيضاً صنع تطبيقات تتناسب مع الأجهزة الذكية التي باتت شديدة الانتشار، مثل «آي باد» و«آي فون» و«غلاكسي نوت» و«كيندل فاير » و«نووك – بارنز أند نوبل» و«سيرفس Surface- مايكروسوفت» و«درويد Droid- موتورولا».

الكاتب الانغماسي ناشر أيضاً
ومن المرجح أن يقف النشر الإلكتروني أمام مهمة تشبه إحدى تلك المهمات العشر الأسطورية التي طلبت آلهة اليونان القديمة من البطل الإغريقي الخرافي هرقل أن ينجزها. لكنها ليست مهمة مستحيلة. استطراداً، تقود هذه المعطيات للقول إن على صناعة النشر الإلكتروني مواجهة هذا التحدي المعاصر لكي تصبح مساحة للتوظيفات المالية الضخمة. وللوهلة الأولى، يبدو هذا الانطباع صحيحاً. وفي نظرة ثانية، يظهر شيء آخر؛ إذ تقدّم التقنية راهناً حلولاً تجعل بإمكان الكاتب الفرد أن ينتج محتواه بالطريقة الانغماسية، عبر أدوات بسيطة ومباشرة لا تتطلّب درجة عالية من التمكن التقني.
بقول آخر، تبدو صناعة النشر الإلكتروني وكأنها أمام مفترق طرق بين السير في توظيفات ضخمة لصناعة مواد تعطي تجربة انغماسية عالية، باعتبارها الطريقة الصاعدة في «كتابة» المحتوى من ناحية، أو التفرّق بصورة إفرادية، بحيث يصبح الكاتب ناشراً انغماسياً أيضاً.

التغيير في الكتابة
لننتظر ولنر أي الطريقين ستسير فيه هذه الصناعة. ولعلها تجمع بين الاثنين، أو تبتكر طريقاً آخر. وقبل متابعة هذا النقاش، ثمة منعطف تجدر الإشارة إليه في سياق إظهار الوقائع المتغيّرة في النشر الإلكتروني حاضراً، يتّصل بالتغيير في الكتابة بحد ذاتها.
إذ بدأت الملامح الأولى لهذا التغيّر العميق في الارتسام. وبحسب ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» أخيراً، ستنجز دار «بنغوين» خمسين كتاباً انغماسياً مع نهاية عام 2012، بزيادة قدرها ضعفان عن السنة الماضية. وتنافسها دار «سيمون أند شوستر» عبر ستين كتاباً انغماسياً. وربما يحتاج الأمر إلى مناقشة أمر آخر، هو تغيير الكتابة بحد ذاتها. لنفكر في الرواية نموذجاً: هل يمكن الاستمرار في الكتابة بالطريقة التي سارت عليها في تاريخها كله، وحتى الآن؟ ربما ليس من المبكّر التفكير في هذا السؤال أيضاً. وبات التمكن من التقنية الإلكترونية أمراً أساسياً في التعليم الحديث، ما يعني أن أجيال الكُتّاب باتت مرشحة لأن تكتب بالوسائط المتعددة التي تستطيع أن تصنعها بنفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق