أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم الاجتماعيةاللغويات

المصطلحات العلمية العربية.. استخدامات رائدة في توصيف الظواهر الطبيعية

المصطلحات العربية استخدمت في علوم شتى عبر القرون، ومازالت مستخدمة حتى الآن، باعتبارها الوحيدة التي عرفت بها بعض الأدوات أو الظواهر أو الأوصاف الطبيعية

د. سائر بصمه جي
باحث في تاريخ العلوم عند العرب (سورية)

      يمكن تلمس صدى ومدلول الدعوة إلى العلم والتعلم التي جاءت بها الحضارة العربية في عملية المثاقفة التي أنجزت بين الحضارات الأربع المجاورة لبعضها بعضاً؛ أي الفارسية والرومانية واليونانية، إضافة إلى العربية. ففي تلك العملية حدثت إحدى أهم وأكبر عمليات الترجمة في التاريخ المكتوب للبشرية. وهي الخطوة التالية التي كانت الحضارة العربية مهيأة للقيام بها. وبالفعل، فقد أثبتت اللغة العربية حينها قدرتها على استيعاب كل المفاهيم والمصطلحات الوافدة إليها، وفي كل ميادين العلم والمعرفة.

   ومن الأمور اللافتة في هذا المجال كثرة المصطلحات العربية التي استخدمت في معظم العلوم، ومازالت مستخدمة حتى الآن، باعتبارها الوحيدة التي عرفت بها بعض الأدوات أو الظواهر أو الأوصاف والسمات. ومن ذلك قدرة المصطلحات العلمية العربية على توصيف الظواهر الطبيعية، ولاسيما في مجالي الفيزياء والفلك.

علم الأرصاد الجوية

   إذا نظرنا إلى ما قدمه العرب من تسميات وأوصاف لأنواع الرياح، سنجد أنها بلغت 26 وصفا تشمل كل حالاتها، في حين أننا لن نجد إلا بضع تسميات لوصف الرياح في اللغات الأخرى التي نقلت عنها. فمثلا لا تزال كلمة Monsoon الإنجليزية تحتفظ بأصلها العربي وتعني (الرياح الموسمية)، وكلمة التيفون Typhoon وأصلها العربي يعني (الطوفان).

    أما من الناحية العلمية، فقد قدم العلماء العرب أربعة أنواع من التصانيف للرياح، حسب حرارتها وجهتها وشدتها وحمولتها. فمثلا صنف العرب الرياح من ناحية درجة الحرارة إما حارة أو باردة، وميزوا بين الحارة التي تأتي نهاراً وتلك التي تأتي ليلاً.

اسم الريح وصفها
الحرجف والصرصر والعرية إذا كانت باردة
بليل إذا كانت الريح الباردة ومعها ندى
السموم والحرور السموم إذا كانت الريح حارة وهبت نهاراً،

فإذا هبت ليلاً فهي الحرور

وتدلنا تصنيفات الرياح السابقة على معرفة العرب الواسعة في الرياح، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن هذه التصنيفات تسبق تصنيف الرياح الذي قدمه البريطاني فرانسيس بوفورت (توفي 1857م) Beaufort في القرن 19. بيد أن الفرق بينها أن العرب لم يكونوا يمتلكون المقاييس التي كان يمتلكها بوفورت في عصره من أجل تحديد قيمها من ناحية الشدة ودرجة الحرارة.

    وبينما لم يظهر في التصنيف العلمي للأرصاد الجوية الأوروبية للغيوم في القرن 19 أكثر من 12 تسمية وصفية على يد جان بابتيست لامارك (توفي 1829م) Lamarck، فإننا نجد أن العرب وضعوا خمسة تصنيفات للسحب والغيوم تشمل 59 نوعاً وحالة مع أوصافها. هذه التصنيفات لم تكن ضمن إطارها اللغوي، وإنما مشتقة من المشاهدات الطبيعية وتصفها وصفاً دقيقاً.

   مثلاً، صنفوا الغيوم حسب لونها وما فيها من أصوات، وحسب محتواها من الماء وتجمعها وتفرقها، وحسب قربها وبعدها عن الأرض. فإذا أخذنا الحالة الأخيرة نراهم يقدمون لنا التسميات الآتية حسب بعدها عن الراصد:

الاسم الوصف
الهيدب إذا تدلى ودنا من الأرض مثل هدب القطيفة (المخمل)
الحبي الغيم القريب الحسن
النشاص إذا ارتفع الغيم الأبيض ولم ينبسط
المعنونك المرتفع من السحاب
طرة الغيم أبعد ما يُرى من الغيم

في علم الحرارة

قدم علماء اللغة العربية ما يمكن أن نطلق عليه مقياساً اصطلاحياً حسياً رائعاً لدرجات الحرارة تفوّق على أقرانه من اللغات الأخرى. وفيه تتوزع التقسيمات إلى 12 درجة كما يأتي (من الأشد حرارة إلى الأشد برودة):

5 الفيح
4 الهاجرة
3 القيظ
2 الحرور
1 حرّ
الحرارة ­
0 معتدل
البرودة ¯
-1 برد
-2 قرّ
-3 زمهرير
-4 صقعة
-5 صرّ
-6 أريز

واستفاض العرب أيضاً في أسماء النار، وأساليب تقويتها، وأصواتها، واقتباساتها، وكيفية همودها، ولهبها، وأنواعها، ما لا نجده في لغة أي أمة من الأمم السابقة أو اللاحقة للأمة العربية. مثلاً إذا أخذنا أسماء لهب النار نجد أن “اللهب” اسم علم مذكر معناه: اشتعال النار من غير دخان، ويسمى كذلك بمارج من نار، ولسان النار هو الغبار الساطع، واللهيب حرّ النار. وهذا التفصيل اللغوي الدقيق تبعه تفصيل علمي أدق من العلماء العرب ومحاولة جادة لفهم طبيعة النار.

في مجال علم القياس

   أجريتُ إحصائية لعدد وحدات القياس وتسمياتها التي وصلت إلينا في (الكيل والوزن والمساحة والمسافة) التي عرفتها كل الحضارات السابقة للحضارة العربية والإسلامية فكانت لا تتجاوز 55 وحدة قياس، أما عند العرب فبلغ عدد وحدات القياس ومسمياتها التي وضعوها في المجالات السابقة 225 وحدة قياس، ناهيك عن تسميات أجهزة القياس التي ابتكروها أو طوروها لتسدّ احتياجاتهم العلمية والعملية. وإذا دل ذلك على شيء، فإنه يدل على مدى تقدم علم القياس في الحضارة العربية والإسلامية.

  مثلاً، كانت هناك وحدة قياس وزن اسمها (الهباء) انفرد رضي الدين محمد بن الحسين القزويني (توفي 1648م) بذكرها وهي تعادل 1/7 من الذرة، وهذا يعني أن الهباء تعادل عنده نحو (0.000000027 غرام). وهذه دقة مدهشة يتوصل إليها بوساطة موازين ميكانيكية حساسة لهذه الدرجة.

وعلى مستوى مقاييس الأوزان فقد ابتكر الخازني (توفي 1155م) موازين مائية تستخدم بشكل خاص لمعرفة الأوزان النوعية للمعادن والأحجار الكريمة، ولعل أكثرها إبداعاً كان (ميزان الحكمة) المكوّن من خمس كفات، الذي أسهم معه في تطويره أبو المظفر الإسفيزاري (توفي 1087م).

في الفيزياء الفلكية

   نتلمس أثر الإسهامات العربية في ميدان الفيزياء الفلكية على الأوروبيين من خلال بقاء المسميّات العربية للنجوم (وهي أكثر من 100 تسمية) حتى اليوم، وهي ترصّع خرائط النجوم بكل لغات العالم، واعتراف الفلكيين الأوروبيين بأسبقية العرب لهم في الكثير من الكشوفات التي حققوها.

  وبينما نجد للشمس 17 اسما في اللغة العربية، مثل: ذكاء بالمدّ، وذكا بالقصر، وحُوُل -مضمومة غير معجمة، وإلاهة وألاهة بكسر الهمزة وفتحها، والإلاهة بالتعريف، والجونة والجارية والغزالة والفتاة والسراج والضحّ والبيضاءوبرح وبراء والمهاة والقرص والفتاقن، لم نجد سوى اسم واحد في اللغة الإنجليزية هو (Sun).

    كما وضعوا لشدة حرارتها ست مسميات تختلف حسب حالاتها. مثلاً قال علي بن عيسى الربعي (توفي 1029م):” وديقَةُ الشمس شدة حرها، وجمعها ودائق، والهجيرة شدة حرّ الشمس. والصَيْخَد اسم لشدة حرّ الشمس، ومثله الصَيْخود والصَيْهود والصَيْهور، وحَمارَةُ القيظ شدّة حرّه، والمعمعان شدة الحرّ أيضاً، والعَكيك شدة الحرّ أيضاً … والعِكاك والعَكَّه من الحرّ صولة شديدة وفي القيظ أشد ما يكون من الحرّ، وهو الوقت الذي تركد فيه الريح”.

كما تبين بالبحث العلمي الدقيق في علم المذنبات أنهم استخدموا لوصف المذنب لفظ (النجم ذو الذنب) ولم يستخدموا لفظ (النجم ذو الذيل)؛ لأن له دلالة لغوية واصطلاحية مختلفة عن الذنب؛ فالذيل آخر الشيء لكل ما يترك أثراً على الأرض، واستخدموه مع الرياح لأنها تترك أثرها على الرمال أو الأرض بعد أن تمضي، لكن باعتبار أن ظاهرة المذنبات سماوية وبعيدة فهي لا تترك أثرها على الأرض (لذلك فإنّ لها ذنبا) مقارنةً بالرياح التي تعتبر ظاهرة جوية أرضية (لذلك فإن لها ذيلا).

  في ضوء ما سبق نجد أن للغة العربية إمكانات كبيرة، ومرونة هائلة تمكنها من استيعاب كل ما يمكن للحضارة أن تفرزه من مصطلحات جديدة، سواء في المجال العلمي أو التقني، وما على أبنائها إلا أن ينتجوا المعرفة العلمية الجديدة ويؤمنوا ويثقوا بقدرات لغتهم المدهشة.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. نشكركم على هذه المعلومات القيمة والايجاز
    ان امكن نشر ولو باختصار البحث الخاص بالموازين

    لو تكرمتم بريد الباحث للتواصل معه.
    تحياتي
    م خالد بن سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى