أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
أجهزة ذكيةتكنولوجياعلم الآثار

المسح المغناطيسي.. تطبيقات واعدة في المجال الأثري

يستخدم علماء الآثار المسح المغناطيسي للتعرُّف على ما في باطن الأرض من كنوزٍ، سواء كانت أثرية أو غير أثرية، ومعرفة القطع الحقيقية والمزيفة

د. محمد أحمد عنب
كلية الآثار- جامعة الفيوم (مصر)

ارتبط علم الآثار بعددٍ كبير من العلوم النظرية والتطبيقية التي استخدمها علماء الآثار من أجل تيسير عملهم وتوفير الوقت والجهد وتعزيز نشاطهم البحثي. ومن هذه العلوم علم الجيوفيزياء الذي يرتبط بمجالات كثيرة منها المجال الآثاري الذي يستخدمه الآثاريون في المسح الأثري للتعرُّف على ما في باطن الأرض من كنوزٍ، سواء كانت أثرية أو غير أثرية. ومن أشكال وطرق علم الجيوفيزيائية الأثرية المسح باستخدام قياس القوة المغناطيسية المعروف بالمغناطيسية الآثارية.

المغناطيسية الآثارية

 المغناطيسية الآثارية Archaeomagnetic هي إحدى طُرق علم الجيوفيزيائية المستخدمة في المسح الأثري، وعلم الجيوفيزياءGeophysics هو علم يهتم بِدراسة الخواص الفِيزيائية والتركيبات الجيولوجية للقشرة الأرضية باستعمال تِقنيات المسح الأرضي غير التدميري لكشف المعالم الآثارية المدفونة في المواقع الأثرية. ويُعطي صورة للأرض غير المرئية مُستعينًا بنظريات علم الفيزياء.

وتعني المغناطيسية الآثارية قياس مغناطيسية المواد التي يبلغ عمرها عدة آلاف من السنين، حيث تكتسب الصخور والمواد الآثارية الحاوية على معادن أو فلزات مغناطيسية مثل الحديد أو أكاسيده، مغناطيسية متحرضة بوجود الحقل المغناطيسي الأرضي الحالي، وتتناسب شدتها مع شدة هذا الحقل ومع كمية المادة المغناطيسية فيه، ويوازي اتجاه هذه المغناطيسية اتجاه الحقل المغناطيسي لأرض الموقع. وترتبط عمليات المسح الأثري باستخدام هذه التقنية بشكلٍ عام. والهدف من استعمالها هو تحديد الموقع المُفترض المُناسب للحفر حيث وجود البقايا الأثرية المُتنوّعة، وهي بذلك تُساعد الباحث الأثري على أن يَحسم قرار البدء بالحفر.

  الفكرة والآلية

  تعتمد هذه الطريقة على قياس قوة المجال المغناطيسي داخل التربة وعناصرها، فإذا كانت التربة متجانسة وتخلو من الآثار فإن قراءات الجهاز تكون بالدرجة نفسها، إما إذا اختلفت القراءة فيعني هذا وجود مواد لها مجال مغناطيسي مختلف.

 والصخور المُكوّنة لطبقات الأرض تكتسب هذا المجال بُناءً على قابليتها المغناطيسية التي تعتمد على نسب معادن الحديد الموجودة فيها، إذ إن الأكسيد المغناطيسي لمادة الحديد بعد أن يبرد تتحد مغناطيسيته بواسطة المجال المغناطيسي الذي يقع ضمن هذه الأكاسيد الموجودة في التربة، ويحتفظ بالخصائص المغناطيسية التي تزودنا بالمعلومات الدقيقة عن الموقع لاسيما الانحراف المغناطيسي عُمقًا وشِدةً. وإذا ما جرى قياسه تظهر جليًا الاختلافات المغناطيسية في شكل مُنحنيات يمكن الرجوع إليها عند التأريخ بواسطة المغناطيسية المعروفة لمنشآت وأجسام مُؤرّخة أثريًا.

ويجب أن تُقسّم المنطقة الأثرية المُراد فحصها إلى مربعات يُقاس المجال المغناطيسي فيها عند نقاط تقاطعها، فإذا كانت النتائج عادية وغير مختلفة فإن ذلك يعني أن الأرض المٌقاسة لاتشتمل على أي قطعة أثرية، أما إذا كانت النتائج غير عادية وذات قراءات مختلفة فذلك يشير إلى وجود آثار في هذا الموقع، ونستطيع من خلال هذا المجال المغناطيسي تحديد مكان الأثر وشكله العام.

    وبدأ تطبيق هذه الطريقة في مجال التنقيب عن الآثار عام1958 في المملكة المتحدة، وهي تُعد من أبسط وأفضل الطرق التي يُمكن بواسطتها الكشف عن الآثار ذات الأعماق البعيدة المدفونة في باطن الأرض والتي تصل أحيانا إلى نحو ستة أمتار، وتكون نتائجها سريعة. غير أن استخدام تقنيات التنقيب الجيوفيزيائية للأرض كان أقدم من ذلك بكثير؛ إذ بدأ عام1893 بتقنية بسيطة عُرفت بـ Pitt-River نسبة إلى العالم البريطاني بيت ريفيرPitt-River الذي يُعد من أشهر العاملين في هذا المجال، وهو أول من استعمل آلة لاستكشاف باطن الأرض. وتُستخدم في القياس مقاييس مغناطيسية خاصة. وهي على نوعين: المقاييس الحقلية التي تُستخدم في قياس شدة المغناطيسية فوق الأماكن المطمورة؛ والمقاييس المختبرية التي تَقيس شدة المغناطيسية للعينات المختبرية الصغيرة ويحسب منها اتجاه وميل المغناطيسية التي تحملها العينة.

أجهزة المغناطيسية الآثارية 

    تستخدم في قياس المغناطيسية الآثارية أجهزة حساسة جداً، من أشهرها جهاز يُعرف باسم مقياس المغناطيسية أو المغنيتومتر الذي يُستخدم بجانب التنقيبات الآثارية في الكشف عن الخامات الحديدية تحت الأرض، وفي الكشف عن السفن الغارقة في البحر وغيرها. ويعتمد مبدأ عمله على التيار الضعيف المُتولّد في ملف دقيق بداخله نتيجة وجود المغناطيسية الأرضية أو غير الأرضية.

   وهناك أجهزة من هذا النوع فائقة الإحساس تُزوّد بها المركبات الفضائية وكذلك طائرات الكشف والاستطلاع لغرض قياس المجالات الأرضية أو لأغراض عسكرية أو تجسُّسية، منها ما يمكن أن نُسميه مَجازًا باسم (كاشف الانحياز الرنيني المغناطيسي) الذي يتلخّص مبدأ عمله في مُلاحظة التغيرات غير الطبيعية في المجال المغناطيسي بما يدل على وجود أجسام غريبة. ويُستخدم هذا النوع من الأجهزة عسكريًا للكشف عن الغواصات تحت الماء نظرا لحساسيته الفائقة.

   ويُعتبر جهازProton Magnemeter من أفضل الأجهزة الميدانية؛ بسبب سهولة استعماله وسُرعته في إعطاء القِراءات القِياسية، فيُمكن بواسطته تحرِّي مساحة كبيرة من الأرض تصل إلى مساحة فدان خلال أربع ساعات تقريبًا، ويرتبط عمله بطبيعة المساحة المتحراة والأشياء الموجودة فيها؛ إذ يعتمد على الحرارة والمغناطيسية المُتولِّدة في سطح التربة عن طريق وجود المُخلّفات المدفونة. وهناك جهاز آخر يعمل على أساس الحركة البدارية الحرة النووية اسمه Proton Gradiometer ويعتبره بعض الباحثين أفضل من الجهاز الأول؛ نظرًا لرخصه وسهولة حمله إلى الموقع المراد تحرّيه بسهولة.

 تطبيقات متميزة

يُعتبر المسح الآثاري بالمغناطيسية الجيوفيزيائية إحدى الوسائل المُتطوِّرة في التحرّيات الجيولوجية والآثارية. وتتميز طريقة المغناطيسية الآثارية ببساطتها وسرعة ودقة نتائجها، فهي تستعمل قياسات دقيقة جدًا وقليلة التكاليف. ومن أهم تطبيقات المغناطيسية الآثارية واستخداماتها في المجال الأثري:

  1. تحديد الأماكن الآثارية المطمورة: حيث يُمكن تحديد موقع أثري من قياس شدة المغناطيسية فوقه، ودراسة المُنحنى المغناطيسي المرسوم فوقه. ويمكن باستخدام هذه الطريقة رسم مُخطّط تقريبي مبني من المواد المغناطيسية المختلفة (حجر، بازلت، آجر) ومطمور تحت غطاء من التربة قد يبلغ عدة أمتار.
  2. تأريخ المواقع والمنشآت الأثرية: درست المغناطيسية الآثارية العديد من المواقع الأثرية والرسوبيات البحيرية وغيرها، ما ساعد على بناء مُنحنيات تغيّر شِدة الحقل المغناطيسي الأرضي وميله Inclination وانحرافه Declination مع الزمن. وتُمكّن مقارنة شدة المغناطيسية وميلها وانحرافها لعينات مأخوذة من موقع أثري بهذه المُنحنيات من تأريخ الموقع الأثري، والتي وجهت جدرانه حسب الاتجاهات الأربعة بعد تحديد الشمال المغناطيسي بواسطة البوصلة، ويُمكن من مقارنة الاتجاه الحالي لهذه الجدران بمُنحنى تغيُّر اتجاه المغناطيسية الأرضية تقدير عمر هذه الأبنية.
  3. كشف تزييف النقود والقطع الفخارية: تُمكّن مقارنة اتجاه المغناطيسية التي تكتسبها النقود (خاصة الفضية أو البرونزية) عند سكها من كشف النقود المُزيّفة التي سكت في فترة زمنية لاحقة؛ نظرًا لتغيُّر اتجاه وميل المغناطيسية الأرضية مع الزمن. كما أن مقارنة ميل المغناطيسية في آنية فخارية تسمح بتمييز الآنية الفخارية التي صُنعت في أوقات متباينة، مِما يسمح بكشف الآنية الفخارية المُزيفة عن الآنية الأصلية التي تُميّز عصرًا ما، ولها قيمة أثرية كبيرة.
  4. تحديد مصدر المواد الآثارية: استخدم الإنسان القديم الأوبسيديان(الزجاج البركاني) والصوان لصنع الأسلحة وأدوات الصيد. ونظرًا لاختلاف أنواع الأوبسيديان من مصدر إلى آخر فإن خواصه المغناطيسية تختلف حسب المصدر، لذا تُمكّن دراسة الخواص المغناطيسية لقطع من الأوبسيديان الموجودة في موقع أثري، ومقارنة هذه الخواص بخواص الأوبسيديان معروف المصدر من معرفة الموقع الذي أحضر منه الإنسان القديم هذا الأوبسيديان، ومن ثم من معرفة المواقع التي مرّ بها الإنسان القديم، وتحديد طرق التجارة وانتقال الإنسان القديم.
تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى