اللغويات

اللغة العربية وإتقان الكتابة العلمية

د. محمد حسان الطيان

غَبَرَ على الناس زمانٌ كانت العربية فيه تحتلّ المكانةَ الأولى بين العلوم عند الكثرة الكاثرة منهم، فقد كان طالب العلم يبدأ رحلته العلمية بمعرفة علوم العربية المختلفة معرفةً بصيرة يتمكّن فيها من ناصية اللغة, ويجتنب اللحن والخطأ في ظاهر القول وما يسطره القلم، بل إن تلك المعرفة كثيراً ما كانت تخوّله التصنيف في بعض علوم العربية، على الرغم من تخصّصه المختلف, أو شهرته في غيرها من العلوم كعلوم الطبِّ والهندسة والفلك والرياضيات. ثم أتى على الناس زمان تَنكَّروا فيه للعربية بعد طول تعهّد وعناية, وهجروها بعد طول وصالٍ ورعاية, وزهدوا فيها وعزفوا عنها بعد طول تقدير وتقديس.

ومما لا شك فيه أن زيادة الثروة اللغوية تؤدي الى زيادة الثروة الفكرية؛ لأن العلاقة بين اللغة والفكر علاقة جدلية أزلية فلا فكر دون لغة ولا لغة دون فكر. وإن ضعف اللغة أو قوتها معياران تقاس بهما ثقافة الأمم وحياتها، فالمجتمع الذي تقوى لغته ترقى ثقافته وحياته. واللغة هي الرباط المقدس المتين الذي يشد بعض أبنائها إلى بعض، ويصل مشرق الأمة بمغربها وحاضرها بماضيها ومستقبلها، وهي هوية الأمة ووعاء فكرها ووسيلة تواصلها وأداة المعرفة فيها.

بين التجربة العربية واليابانية
إن إهمال اللغة سيؤدي بها إلى الضعف والوهن، وسيؤدي بأهلها إلى التخلف عن ركب الحضارة الإنسانية. ونحن اليوم نجني ثمرات هذا الضعف؛ إذ تُدرّس العلوم في معظم جامعاتنا العربية بغير العربية, الأمر الذي يجعل بين العرب وبين علوم العصر وحضارته حجاباً حاجزاً وسدًّا منيعاً لا يكاد يتسرَّب من خلاله إلا اليسير اليسير، ومن قنع بهذا اليسير فإن قصارى أمره أن يقتات على فتات الآخرين، ولن تقوم له قائمة في أي مجال من مجالات العلوم.
ولم يسجل التاريخ قط أن أمة حققت التنمية والتقدم الحضاري بلغة غيرها من الأمم، ولنا في التجربة العربية الإسلامية القديمة واليابانية الحديثة خير دليل على ذلك. فالعرب المسلمون ما بنوا حضارتهم إلا بعد أن نقلوا ما خلفته الحضارات البائدة من علوم إلى العربية، ففهموا تلك العلوم بفكرهم، وتمثلوها بلغتهم، ووعوها بواعيتهم ليؤسسوا عليها صرح خير حضارة أُخرجت للناس. واليابانيون اليوم كذلك فعلوا فهم يتلقّون علومهم باليابانية، وما يكاد كتاب علمي يخرج في الغرب إلا ويترجم إلى اليابانية قبل أن يبلغ انتشاره في لغته مداه.
إتقان الكتابة العلمية
ومن الكتب المهمة التي تطرقت إلى إتقان الكتابة العلمية كتاب (نحو إتقان الكتابة العلمية باللغة العربية) الذي نشره الأستاذ الدكتور مكي الحسني، العالم اللغوي، الذي جمع بين علم الفيزياء النووية، والمعرفة اللغوية المتخصصة، وكانت له عناية باللغة بالعربية، لغةً وأدباً وتعريباً وتصحيحاً وتدقيقاً وتعليماً وفكراً وثقافةً، تبدَّت أكثر ما تبدت في حرصه على الكتابة السليمة، وتتبعه الأخطاء الشائعة، وتصحيحه للكثير منها، وتوجت بانتخابه عضوًا في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 2001، وأميناً للمجمع عام 2008.
كان هذا الكتاب سلسلة من المقالات، نشرها المؤلف تباعاً في حلقات، منذ عام 2002، في مجلات مختلفة، وقد بلغت تسع عشرة حلقة، عالج فيها نحواً من (182) مسألة لغوية، ثم جمعها في كتاب نشره مجمع اللغة العربية بدمشق في 295 صفحة ـ
وقد بين المؤلف في مطلع كتابه مقاصد الكتاب ومحتواه بقوله: «ترمي هذه الحلقات إلى تحسين أداء الكاتبين باللغة العربية. فهي تتحدث عن الوسائل التي يمكن أن تساعدهم على ذلك، وتنبِّه على الأخطاء النحْوية واللغوية الشائعة في الكتابات المعاصرة، وتبيِّن وجه الخطأ والصواب فيها، وتذكِّر بأهم القواعد النحوية والصرفية واللغوية التي تشتدّ حاجة الكاتبين إليها».
ثم مهد بحديث عن العربية، تناول فيه أموراً في غاية الأهمية . ومن جميل ما جاء في هذا التمهيد قوله: «ليس مقبولاً أن يأخذ بالحَزمْ في تعلُّم الإنكليزية – مثلاً – وبالتضييع في تعلّم العربية. تراه إذا خالف قاعدةً وأخطأ التعبير بالإنكليزية، ونُبِّه على ذلك، أبدى أسفه وعبّر عن احترامه وخضوعه للقاعدة: لأنه يتمنى أن يكون من المتقنين للإنكليزية فيتباهى بذلك… أما إذا نُبِّه على خطأ بالعربية وقع فيه، فهو – في الأغلب – لا يبدي أسفه! وقد يقول لك غير مُبالٍ ولا شاعر بخطورة تقصيره (أنا لا أحْسِن العربية!). ولا تلمس منه – غالباً – رغبة في إتقانها كرغبته في إتقان الإنكليزية. وقد يقول لك: (كثيرون يقولون هذا). فإذا ذكرت له أن هذا الشائع خطأ، رأيته يدافع عن الإبقاء عليه».
ثم عقب على ذلك بالقول: «إن رغبة الكثيرين في تجاوز مضمون العنوان المذكور، وتقاعسهم عن استدراك ما ينقصهم من معلومات في العربية – إضافة إلى عقدة الشعور بالدونيّة إزاء الغرب، التي تعانيها نسبة غير ضئيلة من العرب – هو سبب الظاهرة الخطيرة الواسعة الانتشار: التسييب اللغوي. بل أكاد أقول: (الإباحية اللغوية!) وهذا ما يرمي إليه أعداء العروبة».

من يعلم كثيراً يغفر كثيراً
على أن للكتاب مزيةً كبرى في ظني لا يعرفها إلا من عانى من تسرُّع بعض المتنطعين في التخطئة، وهو أمر ينفِّر من اللغة، ويضيِّق على الكتاب والمتكلمين كثيراً مما يجري على أقلامهم أو ألسنتهم، ويحجِّر واسعا.
ولا ريب عندي أن هؤلاء المتسرعين إنما أُتُوا من قلة الاطلاع أو سوء الاتباع، فجاءت مباحث الدكتور الحسني مصدقة تلك المقولة الرائعة: «من يعلم كثيراً يغفر كثيراً»، إذ إنه أثبت في كثير من المواضع صحة استعمال تعبير ينكره بعض المتنطعين, وساق على ذلك من الحجج والشواهد والأمثلة ما يقطع على المخالفين سبل الإنكار والتعنّت.
من ذلك مثلاً – والأمثلة كثيرة وافرة – تجويزه استعمال رئيس ورئيسي، والمتنطعون ينكرون الرئيسي، وإباحته النسبة إلى جمع التكسير وما جمع بألف وتاء، والمتحفظون يقصرون النسبة على المفرد. وتسويغه استعمال المثابة بمعنى المنزلة والمكانة، وأولئك يمنعون، وتعديته الفعل نبه باللام و إلى، على حين يحلو لبعضهم أن يقصر هذه التعدية على حرف على، وتسويته في التعبير عن معنى المشاركة والمقاسمة بفعلي أسهم وساهم والنقاد ينكرون.
بقي أن أقول إن الكتب التي تناولت مسألة الخطأ الشائع كثيرة متنوعة، منها القديم، ومنها الحديث، ومنها الكبير ومنها الصغير، ولعل أجود كتب المحدثين في هذا الباب كتاب معجم أخطاء الكتَّاب للأستاذ صلاح الدين زعبلاوي رحمه الله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق