العلوم البيئيةالعلوم الطبيعية

العوالق البحرية

مملكة من الكائنات النباتية والحيوانية

م. محمد عبد القادر الفقي

لا قرار مكيناً تتخذه مستقراً لها ويطيب فيه مقامها، ولهذا تظل هائمة هنا وهناك، لا تعرف أين تلقي عصا تسيارها، ولا أين ينتهي المسير بها. فالتيارات المائية ترفعها تارة، وتخفضها تارة أخرى. ولذلك سميت بالهوائم. ولا أصل ثابتاً تعتمد عليه، فلا جذور تتغلغل في التربة وتحفظ لها توازنها ومكانها! بل يحيط بها الماء من كل اتجاه، تحركها أمواجه كيف شاءت، ولكنها – مع ذلك – تظل عالقة فيه، ولذلك سميت بالعوالق. وهي لا تنتمي إلى طائفة واحدة من الأحياء، ولا إلى أي نوع متفرد، بل هي مزيج من أصناف عدة، فلذلك لا تندرج جميعاً تحت جنس واحد، أو تنتمي إلى مملكة بعينها، فبعضها نباتي الأرومة، وبعضها الآخر حيواني المنشأ، وقد دعا ذلك العلماء إلى التعامل معها وفقاً لأصلها، أي إلى عالم النبات أو عالم الحيوان.

تسمى العوالق اصطلاحاً في اللغة الإنجليزية: البلانكتونات Planktons. وهي كلمة اشتقت من لفظة بلانكتوس planktos اللاتينية، التي تعني: الرحالة أو المتجول أو الشريد. وقد اقترح استخدامها بدلالتها الحديثة عالم وظائف الأعضاء الألماني فيكتور هنسن (1835 – 1924) في عام 1891. أما في اللغة العربية فقد عرّفها (المعجم الوسيط) بأنها حيوانات ونباتات بحرية تتكون في الغالب من الأوالي (الأوليات Protozoa) والمفصليات المائية الدقيقة، والدياتومات، والطحالب الزرق، وغيرها من الكائنات الحية الدقيقة الطافية.
وتعرَّف العوالق بأنها كائنات حية دقيقة معلقة في طبقة ماء البحر القريبة من السطح، أو تكون طافية على سطح المحيطات والبحيرات أو المسطحات المائية الأخرى.
ويعتقد العلماء أن عمر هذه المخلوقات موغل في القدم كعمر مياه البحر، وقد حافظت تلك الأحياء على أعدادها الكبيرة منذ ذلك الزمن السحيق.
وتؤلف النباتات الجزء الأهم من العوالق البحرية؛ لأن النباتات هي وحدها القادرة على صنع غذائها بنفسها عن طريق عملية التركيب (البناء) الضوئي. وتعتمد وفرة أي نوع من العوالق وتوزيعه في الماء على عدة عوامل، مثل: تراكيز المواد المغذية المحيطة، والحالة الفيزيائية لعمود الماء، ومدى وفرة الأنواع الأخرى من العوالق.
وتعد بعض أنواع العوالق البحرية من أقدم المخلوقات التي عاشت في كوكبنا المائي، ولاسيما ما يعرف منها باسم الأوليات. وقدرة العوالق على السباحة محدودة، وهي لا تستطيع السباحة بقوة كافية تمنعها من الانجراف مع التيارات المائية، لكنها تنتقل من مكان إلى آخر بفعل هذه التيارات. كما تنتقل بتأثير المد والجزر. وفي الوقت نفسه، فإنها تهاجر بشكل رئيسي في عمود الماء في دورة تتكرر في أثناء ساعات النهار.

تاريخ الاهتمام بالعوالق
في عام 1845 أجرى العالم الألماني جوهانس بيتر مولر أول دراسة لحياة العوالق، حيث استطاع جمع عينات من العوالق بشبكة دقيقة مخروطية الشكل كان يجرها قارب في عرض البحر. وأعقبت ذلك محاولة قامت بها بعثة سفينة الأبحاث تشالنجر، حيث تمكنت من جمع عينات مختلفة ما بين عامي 1872 – 1876 كانت ذات أهمية بالغة. وفي عقد العشرينيات من القرن العشرين بدأ علماء الأحياء البحرية يهتمون بدراسة حياة العوالق ومراقبة توزيعها في مياه البحار والمحيطات، وعلاقتها بمصايد الأسماك، ومدى ارتباطها بالتغيرات الهدرولوجية والمناخية. وقد ابتكروا الكثير من الأجهزة والأدوات التي من شأنها مساعدة المهتمين في هذا المجال على توفير أفضل السبل والطرائق لدراسة حياة هذه المخلوقات الدقيقة في عرض البحر.

أنواع العوالق البحرية
يمكن تقسيم العوالق بعدة طرق، وذلك انطلاقاً من نواح متعددة تتخذ أسساً مختلفة للتصنيف. وأهم هذه التصانيف:
< التصنيف حسب المنشأ، وذلك على النحو الآتي:
أ – العوالق النباتية Phytoplanktons، وهي أحياء نباتية تعيش بالقرب من سطح الماء، وتعتمد على أشعة الشمس حيث تحصل على غذائها عن طريق عملية التركيب الضوئي. وتضم النباتات المائية التي تحوي هياكلها صبغة اليخضور (الكلوروفيل). ومن الأمثلة على ذلك النوع من العوالق: مجموعات الطحالب التي تكيفت للحياة في الماء بصورة حرة معلقة. كما تتضمن تلك العوالق عدداً من الأنواع الرمية أحياناً. ومعظم هذه العوالق وحيد الخلية، وإن كان بعضها يشكل مستعمرات.
ب- العوالق الحيوانية Zooplanktons، وهي تضم أصنافاً عديدة من جميع أنواع الحيوانات المائية تقريباً. وتتضمن مجموعة من وحيدات الخلية الحيوانية وكذلك بيض ويرقات الأسماك الفقارية. وهي تتغذى على مجموعات العوالق الصغرى. وفي الفترة الأخيرة تم فصل بيض ويرقات الأسماك من هذه المجموعة، ووضعها في مجموعة مستقلة سميت بالعوالق السمكية Ichthyoplanktons.
ج- العوالق الجرثومية Bacterioplanktons، وهي عبارة عن كائنات مجهرية صغيرة وحيدة الخلية، يكوِّن بعضها مستعمرات، ومن ثم فإنها تصل إلى أحجام يمكن رؤيتها بالعين المجردة كجسيمات دقيقة خضراء. وتتألف هذه العوالق من مجموعات من الجراثيم الذاتية التغذية Autotrophic والجراثيم غير ذاتية التغذية Heterotrophic، التي تكيفت للحياة في طبقات المياه. ومعظم هذه العوالق من الأنواع الرمية. وهي تعمل على تفكيك المواد العضوية إلى مواد معدنية غير عضوية.
ووفقاً لنظام التقسيم الخماسي العام للكائنات الحیة المختلفة الذي وضعه ويتكر عام 1969، والذي تم تطويره في عام 1988 بواسطة مارغلوس وشوارتز، فإن الطحالب الراقية تقع في مملكة الطلائعيات (بروتستا Protesta). أما الطحالب البدائية غير الراقية فقد كانت تسمى قديماً بالطحالب الزرقاء المخضرة blue-green algae، وهي الآن تدعى: البكتيريا الزرقاء Cyanobacteria، وهي تقع ضمن مملكة البدائيات (مونيرا Monera).
< التصنيف وفقاً لنوع التغذية، فالعوالق إما أن تكون ذاتية التغذية كالعوالق النباتية Phytoplanktons، التي تصنع غذاءها بنفسها في عملية البناء الضوئي. وإما أن تكون غير ذاتية التغذية، كالعوالق الحيوانية Zooplanktons التي تعتمد في غذائها على أكل العوالق النباتية أو افتراس أحياء حيوانية أخرى وهضمها.
< التصنيف وفقاً للون، فمعظم العوالق البحرية ذات لون أخضر، لاسيما الأنواع النباتية منها، حيث تحتوي على صبغة اليخضور (الكلوروفيل) التي تقوم بعملية البناء الضوئي. وبعض هذه العوالق ذو لون أحمر، أو أصفر، أو بني، أو ذهبي.
< وفقاً للتوزع الأفقي، وهي تنقسم وفقا لذلك إلى:
أ- عوالق ساحلية أو شاطئية Neritic planktons، وهي الكائنات التي تعيش في منطقة الشاطئ.
ب- عوالق محيطية oceanic planktons أو بحرية Marine planktons، وهي الكائنات التي تعيش في عرض البحر أو المحيط.
< وفقاً للتوزع الرأسي (العمودي)، وهي تنقسم وفقا لذلك إلى:
أ- عوالق الطبقة السطحية العلوية Epi planktons، وهي توجد في المنطقة الممتدة من سطح البحر حتى عمق 200 متر.
ب- عوالق طبقة المياه المتوسطة Meso planktons، وهي توجد في المنطقة الممتدة من عمق 200 متر حتى عمق 1000 متر.
ج- عوالق طبقة المياه العميقة Bathy planktons: وهي توجد في المنطقة التي يزيد عمقها على 1000 متر.
< وفقا للبيئة المائية التي تعيش فيها، كما يأتي:
– عوالق المحيطات والبحار marine planktons.
– عوالق البحيرات Eulimno planktons.
– عوالق البرك Heleo planktons.
– عوالق السبخات Thelmano planktons.
– عوالق الينابيع Kreno planktons.
– عوالق الأنهار Potamo planktons.
< وفقاً للحجم، حيث تقسم العوالق كما يأتي:
العوالق العملاقة Megaplanktons: وهي ذات قطر يزيد على 20 مليمتراً، مثل العوالق الحيوانية الكبيرة كقناديل البحر والرأسقدميات Cephalopoda.
– العوالق الكبيرة Macroplanktons: وهي تراوح في حجمها بين مليمترين و20 مليمتراً، مثل جناحيات الأقدام Pteropods، وشوكيات الفكوك Chaetognaths.
– العوالق المتوسطة Mesoplanktons: ويراوح حجمها بين 0.2 مليمتر ومليمترين، مثل: الميدوزا Medusae، ومجدافيات الأرجل copepods، وبعض العوالق الحيوانية الأخرى.
– العوالق الدقيقة Microplanktons، ويراوح حجمها بين 20 ميكرومترا و200 ميكرومتر (الميكرومتر الواحد يساوي جزءا من مليون جزء من المتر). ومن أمثلة العوالق الدقيقة: المنخربات Foraminifera، والروتيفيرا Rotifera، ومعظم العوالق النباتية، ويرقات بعض القشريات (مثل يرقات النوع copepod nauplii).
– العوالق النانوية Nanoplanktons، ويراوح حجمها بين ميكرومترين و20 ميكرومترا، مثل: المشطورات (الدياتومات) الصغيرة Small Diatoms، والطحالب النارية (ثنائيات الأسواط) Pyrrophyta، والطحالب الصفراء المخضرة Yellow-green algae xanthophytes.
– العوالق البيكوية Picoplanktons ويراوح حجمها بين 0.2 ميكرومتر وميكرومترين، مثل: البكتيريا، والطحالب الكيروزية Chrysophyta، والعوالق النباتية الصغيرة.
– العوالق الفيمتية Femtoplanktons ويقل حجمها عن 0.2 ميكرومتر، مثل الفيروسات البحرية.
وهذا التفاوت الكبير في الحجم يدل على أن العوالق البحرية تتكون من كائنات حية شديدة الاختلاف.
ونظراً لصغر حجم معظم العوالق البحرية، يستخدم المجهر Microscope عادة في فحصها.
وبوجه عام، يصنف العلماء العوالق البحرية إلى نوعين رئيسيين: عوالق نباتية وأخرى حيوانية.

العوالق النباتية:
تتكون العوالق النباتية بصفة أساسية من طحلب بسيط ذي خلية واحدة. وتشغل هذه العوالق مساحات واسعة من المسطحات المائية الأساسية: المحيطات والبحار والبحيرات، على عكس النباتات والطحالب القاعية التي لا يتعدى انتشارها شريطاً شاطئياً ضيقاً في مناطق الجرف القاري. وتعيش تلك العوالق بكثافة كبيرة، وقد يوجد أكثر من مليون خلية منها في لتر واحد من الماء. وفي حالات استثنائية، مع زيادة المغذيات Eutrophication، قد تصل الى عدة ملايين.
ولما كان الضوء ضرورياً في عملية البناء الضوئي التي تقوم بها العوالق النباتية، فإن طبقة المياه السطحية هي المنطقة الملائمة لحياة هذه العوالق، فالضوء لا يخترق مياه البحر إلا إلى قدر محدود يمتد إلى عمق يبلغ 60 مترا كحد أدنى و120 متراً كحد أعلى، وتعرف هذه المنطقة بالنطاق الضوئي.
وتختلف المجموعات السائدة من العوالق النباتية في المياه وفقاً لخصائصها الفيزيائية الكيميائية، ووفقاً لفصول السنة. وتسود في مياه المحيطات والبحار مجموعات من العوالق النباتية، منها: بعض أنواع المشطورات، والطحالب الذهبية Golden algae، والطحالب النارية Pyrrophyta. وتعدّ العوالق النباتية الأحياء الأساسية المنتجة في البيئة المائية، ولهذا، فإنها توصف بالمنتِجات الأولية primary producers في السلسلة الغذائية، وهي – لهذا السبب – تقوم بدور كبير في إنتاجية النظام البيئي المائي Aquatic Ecosystem، لاسيما في البحار والمحيطات. ويمكنها أن تنمو باستخدام أشعة الشمس والمعادن الذائبة في المياه في عملية البناء الضوئي. وتجرى هذه العملية في الصبغات اليخضورية (الكلوروفيلية) الموجودة في الصانعات الخضراء (البلاستيدات) plastids بتلك العوالق. وبذلك تساهم العوالق النباتية في إغناء الوسط المائي بالأكسجين الناتج عن البناء الضوئي. ومن أهم تلك العوالق ما يلي:

1 – الطحالب algae:
وهي كائنات نباتية حية توجد في المحيطات بأعداد كبيرة جداً. وعادة ما تكون مشتتة ومنتشرة بشكل منتظم في المياه، وربما تسبب تعكرا كبيرا إذا كانت بكثافات عالية. وتعرّف بأنها نباتات بسيطة التركيب، ثالوسية thallus الشكل، أي إن جسم النبات الطحلبي لا يمكن تمييزه مثل النباتات الراقية إلى جذور وسيقان وأوراق. ويمكن الاستدلال على مكانها بالنظر إلى لون الماء، فكلما مال لون الماء إلى الخضرة دل ذلك على وجود الطحالب بشكل أكبر. وتتكاثر الطحالب بشكل كبير خلال فصل الصيف نظراً لتوافر الغذاء وقتذاك، ولزيادة كثافة أشعة الشمس في مثل هذا الوقت من السنة.
وتحتوي الطحالب على مادة اليخضور (الكلوروفيل)، وبذلك تكون ذاتية التغذية، أي إنها تستطيع أن تصنع غذاءها بنفسها. وقد يوجد اليخضور مصحوباً بأصباغ أخرى قد تسبب حجب اللون الأخضر، وبذلك تأخذ الطحالب ألواناً أخرى. وعلى أساس هذه الألوان ووفق صفات أخرى تقسّم الطحالب إلى: خضراء وذهبية، وصفراء، وبنية، وحمراء، وألوان أخرى. وقد وجدت الطحالب على الأرض منذ أكثر من ملياري سنة، ولهذا فإنها تعدّ من أوائل الأحياء التي وجدت في كوكب الأرض. وعندما يعتزم العلماء جمع عينة من الطحالب، فإنهم يقومون بسحب شبك معدني رفيع عبر مياه البحر، فتتجمع عليه تلك الطحالب، وعندئذ يقوم العلماء بفصلها عن بعضها بعضا بواسطة الماء تمهيداً لدراستها تحت المجهر.
2 – المشطورات (الدياتومات Diatoms): وهي عبارة عن كائنات حية مجهرية وحيدة الخلية، توجد في المحيطات والبحيرات العذبة والأنهار، والجداول، وفي التربة الرطبة، وداخل الماء. كما تعيش فوق الصخور والرمال والنباتات، أو تطفو بِحرِّية على سطح الماء. وهي من أهم أنواع العوالق البحرية.
وتنسب المشطورات إلى الطحالب، إذ يمكنها أن تعيش وتنمو كالنباتات الخضراء على أشعة الشمس، والماء وثاني أكسيد الكربون، وبعض المعادن. وتحتوي خلاياها على أصباغ خضراء وصفراء برتقالية تساعدها على حجز الطاقة الشمسية. ويعطي هذا المزيج من الأصباغ تلك المشطورات لوناً ذهبياً، ولهذا السبب، يُطلق عليها في بعض الأحيان اسم: الطحالب البنية الذهبية.
وتُعّدّ المشطورات مسؤولة عن %45 من إنتاج البحار والمحيطات من الطاقة. ويصل عددها إلى نحو 200 جنس، إضافة إلى نحو 100 جنس منقرض.
ويختلف طحلب المشطور (الدياتوم) عن الأنواع الأخرى من الطحالب، حيث يتكون من خلية واحدة محاطة بصدفة صلبة شبيهة بالزجاج تتكون من معدن الأوبال. وتعيش المشطورات أساساً في مناطق المحيط الباردة. كما يعيش بعضها في الجليد البحري، أي الذي يطفو على سطح البحر.
وتكون معظم المشطورات دائرية أو مستطيلة الشكل. وقد تكون شريطية أو مروحية أو خيطية.
وعادة ما تتكاثر بطريقة الانقسام الخلوي، حيث تنقسم الخلية الواحدة إلى خليتين. وبعد أن تنقسم خلية المشطور، تحتفظ كل خلية جديدة بجزء من صدفة الخلية الأم، وتبني جزءاً جديداً ليلائمها. وتظل بعض المشطورات متصلة ببعضها بعد انقسام الخلايا، مشكِّلة بذلك سلسلة أو مستعمرات ذات شكل شريطي.
وتشكل المشطورات العالقة بكثرة في مياه المحيطات مصدراً مهماً لغذاء الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى. وعندما تموت تبقى صدفاتها الصلبة متماسكة، وأخيرًا تغوص في قاع البحر. وتغدو طبقة أصداف المشطورات خلال آلاف السنين عميقة جدًا. أما على اليابسة، فإن تراكم أصداف المشطورات من قاع البحار القديمة يُستخرج في شكل أتربة دياتومية تدعى دياتوميت. وتستخدم مادة الدياتوميت مسحوقا للتلميع، وكاشطا، وعازلا أو مرشِّحاً. كما تُستخدم حشوة في الطلاءات، والمطاط والمنتجات البلاستيكية.

3 – السوطيات الدوارة Dinoflagellates: وهي نوع من الكائنات الوحيدة الخلية، يمكن مشاهدتها في كل مكان من المحيطات وبحيرات المياه العذبة والبرك. وتعيش تلك الكائنات بصفة عامة في مناطق أكثر استوائية. وهي تؤلف جزءاً من كتلة العوالق المائية، كما أنها تشكل جزءاً مهماً في السلسلة الغذائية الرئيسية أو نظام انتقال الطاقة. ويبلغ عدد أنواعها في العالم قرابة 2000 نوع. وهي تتكاثر لاجنسياً بالانقسام الثنائي. وتعدّ حقيقية النواة؛ لاحتوائها على نواة يوجد بداخلها المادة الوراثية (DNA).
وتحتوي السوطيات على أصباغ Pigments تمكِّنها من تكوين الغذاء من الضوء مثلما تفعل النباتات في عملية البناء الضوئي. وهي تفرز أيضاً مادة السليلوز لتتخذ منها غطاء واقياً، تماماً كما تفعل الأشجار. كما أن بعض أنواعها يبتلع البكتريا والجراثيم والعضويات الدقيقة الأخرى.
وتتصف السوطيات الدوارة بأن لكل منها سوطين، ولذلك يسميها بعض العلماء بثنائية السوط. وتكون هذه السياط بارزة كالشعر، وهي تُمَكنِّها من السباحة.
والسوطيات الدَّوارة من الصغر بحيث تتلاعب بها أمواج البحر وتياراته، فتظل هائمة على وجه البحر هنا وهناك. وليس بمستغرب إذاً أن تكون هذه الكائنات الصغيرة جزءاً كبيراً من العوائق البحرية.
والسوطيات الدوارة تضم أنواعاً عديدة، منها مجموعات «سيئة السمعة» لأنها تسبب ظاهرة المد الأحمر. ومن المعروف علمياً أن هذا المد يشكل بقعة حمراء تصبغ مياه البحر بلون أرجواني أو وردي أو خمري أو بأي درجة من درجات اللون الأحمر. وهو يتسبب في تسمم مياه البحر ونفوق الأحياء البحرية وتسميم المحار. وأبرز المجموعات السيئة المسؤولة عن هذه الظاهرة نوع من السوطيات الدوارة يطلق عليه اسم: العاريات الدوامة Gymnodinium Breve، وهذه العاريات هي الجنس المسبب للمد الأحمر في منطقة الخليج العربي. وثمة أجناس أخرى من السوطيات الدوارة تشارك في إحداث المد الأحمر، مثل: الأجناس: Pyrodinium وCeratium وGonyaulax وGlenodinium. وتتسبب هذه الأنواع أيضاً في استهلاك معظم الأكسجين الموجود في الماء، مما يؤدي إلى استهلاك معظم الأكسجين الموجود في الماء ومن ثمّ إلى موت الأسماك التي تعيش في منطقة المد الأحمر.
وتنتج بعض السوطيات الدوارة ضوءاً كيميائياً يدعى التفسفر الأحيائي.

العوالق الحيوانية:
تتضمن العوالق البحرية: الأوليات المجهرية (البروتوزرا Protozoan)، والحيوانات البحرية مثل مجدافيات الأرجل copepods، وبراغيث الماء، وقناديل البحر.
وهذا النوع من العوالق عبارة عن كائنات دقيقة الحجم، ضعيفة الحركة، تعتمد على حركة الرياح والأمواج والتيارات المائية. وتضم العوالق البحرية أصنافاً عديدة تمثل معظم أنواع الحيوانات المائية، من وحيدات الخلية حتى الحشرات المائية، فضلاً عن بيض الأسماك ويرقاتها. وهي تشمل بعض اللافقاريات والفقاريات في بعض أطوارها الأولية (مرحلتي البيض واليرقات). كما تضم بعض الجوفمعويات والحلزونيات والرخويات والمشطيات والنواعم، وجناحيات الأقدام Pteropods، ومجدافيات الأرجل، وبعض الهدبيات وغيرها.
ويمكن رؤية بعض العوالق الحيوانية بالعين المجردة، ومن الأمثلة على ذلك: براغيث الماء، وبعض القشريات الصغيرة كتلك التي تعرف بالعملاق Cyclops (حيوانات بعين واحدة تشبه الوحش الأعور «سيكلوبس» في الأساطير اليونانية). ويراوح حجمها بين 0.5 و3.3 مليمتر. وفي مقابل ذلك، لا يمكن رؤية بعض العوالق الأخرى إلا بالمجهر، نظراً لصغر أحجامها.
وتُعَدّ العوالق الحيوانية المستهلِكات الأولية primary consumers في السلسلة الغذائية، وهي تشكل حلقة الوصل الأساسية بين المنتجات الأولية (العوالق النباتية) من جهة والمستهلكات ذات الأهمية الاقتصادية من جهة أخرى. فهي تشكل الغذاء الأساسي لمختلف الأحياء البحرية مثل الحشرات المائية والأسماك والربيان وبعض أنواع الحيتان.
ومن أعجب الأمور أن الحوت الأزرق – أضخم كائنٍ على وجه الأرض – يتغذى على العوالق الحيوانية المجهرية.
ومن أهم أنواع العوالق الحيوانية:
1 – شوكيات الفكوك Chaetognatha: وهي تعرف عموماً باسم الديدان السهمية arrow worms؛ لأنها تشبه السهم. ويراوح طولها بين نصف سنتيمتر و12 سنتيمتراً. وتمثل شعبة من الديدان البحرية المفترسة التي عادة ما تحدد موقع فريستها عن طريق الاهتزازات التي تنتجها مجدافيات الأرجل والعوالق الحيوانية الأخرى، ثم تستخدم الخطاطيف الحادة والأسنان في الجزء الأمامي من الجسم لانتزاع ضحاياها وشل أعصابها. وتُعَدّ شوكيات الفكوك المكوِّن الرئيسي للعوالق على مستوى العالم، حيث توجد بأعداد وفيرة جداً. وعلى الرغم من أهميتها الإيكولوجية، فإنه لا يعرف عنها معلومات كثيرة. وتتميز معظم أنواعها بأنها شفافة. وقد تم التعرف إلى نحو 120 – 125 نوعاً منها، معظمها من العوالق، إلا أن عدداً قليلاً من أنواعها يعيش فوق قاع المحيط. وتخضع العديد من أنواع شوكيات الفكوك للهجرات الرأسية اليومية، حيث ترتفع إلى سطح المياه ليلاً، وتغوص إلى الأعماق نهاراً، ربما لتتجنب الحيوانات المفترسة.

2 – براغيث الماء (water fleas Cladocera): وهي مجموعة من القشريات التي تعيش أساساً في برك وبحيرات المياه العذبة، وإن كانت هناك أنواع قليلة منها تعيش في مياه المحيطات. وقد اكتسبت هذا الاسم بسبب حركاتها عند السباحة التي تشبه قفز البرغوث. وهي تَسْبَحُ عن طريق تحريك الهوائيات (قرون استشعار) التي تمتد من مقدمة الرأس.
ولبرغوث الماء درع صدفية (غطاء بدني) شفافة تُحيط بمعظم جسمه. ونظرًا لأنه يمكن رؤية حركة قلب برغوث الماء وأعضائه الأخرى بشكل مباشر، فإنه غالبًا ما يُستخدم في اختبارات الأدوية. ويراوح طول برغوث الماء بين 0.2 و18 مليمتراً. ويتكون طعامه من طحالب خضراء متناهية في الصغر. وثمة نوع من براغيث الماء يعرف باسم: برغوث الماء ذي الذيل الشوكي Spiny Water Flea (الاسم العلمي له Bythotrephes cederstroemi). وهو من الأحياء الغازية، فقد انتقل من الموانئ الروسية إلى شمال أمريكا مع مياه التوازن التي توضع في السفن للمحافظة على استقرارها بعد تفريغ حمولتها. وقد اجتاح هذا النوع من براغيث الماء البحيرات العظمى كلها في عام 1987. كما تم اكتشافه عام 1984 في بحيرة هورن (في كندا). ويعد هذا البرغوث من العوالق الحيوانية الكبيرة الحجم حيث يصل طوله إلى سنتيمتر واحد. وهو يتكاثر بسهولة في فصل الصيف، لأن لأنثاه قدرة على إنتاج براغيث يافعة دون الحاجة إلى تزاوج، إذا كانت درجة حرارة الماء مناسبة لذلك.
ويتنافس برغوث الماء الشوكي مع صغار السمك؛ لأن كلا منهما يتغذى على العوالق الحيوانية الصغيرة. ولهذا؛ فإن صغار بعض أنواع الأسماك لا تنمو كما يجب (مثل سمك الفرخ)، بسبب منافسة هذا النوع من براغيث الماء لها على الطعام. ويؤدي نقصان أعداد الأسماك الصغيرة إلى تقليل طعام الأسماك الكبيرة أيضاً. ومن المؤسف أن الأسماك الصغيرة والكبيرة لا تستطيع أكل براغيث الماء ذوات الذيل الشوكي بسبب أشواكها الحادة. ونظراً لعدم وجود مفترسات لتلك البراغيث؛ فإن مجموعاتها تزداد في نموها وأعدادها بصورة مطّردة كلما تغذت على العوالق الحيوانية الأصغر بكميات أكثر.

3 – قناديل البحر: وهي كائنات بحرية من الرخويات تتبع فصيلة اللافقاريات. ولها أجسام تشبه في تكوينها المظلات، أما قوامها فيشبه الهلام، ولهذا تسمى في اللغة الإنكليزية بالأسماك الهلامية Jellyfish.
وتعيش قناديل البحر عادة في المحيطات والبحار في مختلف أنحاء العالم، وتكثر في المناطق الاستوائية. وهي توجد بالقرب من سطح الماء، كما أن شباك الصيد قد تسحبها من أعماق تزيد على 175 متراً.
وبوجه عام، فإن قناديل البحر شفافة، ولذلك تصعب رؤيتها.
ومع أنها من العوالق البحرية، فإن معظم فرائسها من العوالق الحيوانية أيضاً. فهي تتغذى على بيض الأسماك ويرقاتها. كما أنها تعدّ غذاء للسلاحف البحرية وبعض أنواع الأسماك.
وتتكاثر القناديل في العادة بوضع البيض في ماء البحر بعد أن تنتهي مدة حضانته. والبيض أيضاً هلامي القوام. وبعد فقس البيض تخرج منه يرقات دقيقة، وهذه اليرقات عبارة عن عوالق صغيرة عائمة.
وتتكاثر قناديل البحر بمعدلات كبيرة مما يشكل خطورة على مرتادي المناطق التي توجد فيها. كما تتسبب ظاهرة انتشارها على الشواطئ السياحية في بعض البلدان في تكبد خسائر مادية فادحة، نتيجة إحجام المصطافين عن ارتياد هذه الشواطئ.

4 – مجدافيات الأرجل Copepods: وهي مجموعة من الكائنات الصغيرة الحجم، حيث تقاس أبعادها بالمليمترات (يراوح حجمها بين مليمتر واحد ومليمترين). وتعدُّ بعض أنواعها من العوالق التي تعيش في الطبقات العلوية من المسطحات المائية. وتنتمي تلك الأحياء إلى تحت شعبة القشريات. وهي تنتشر في المحيطات والمياه العذبة، كما تعيش بعض أنواعها في المناطق القريبة من الحيود المرجانية.
وقد وُصِف منها حتى اليوم نحو 7500 نوع، ويضاف إليها نحو 100 نوع يتم التعرّف إليها في كل عام. وهي تتميز بأجسام تشبه الدموع في أشكالها، ولها قرون استشعار طويلة نسبياً. كما أن لها دروعا خارجية صلبة، ولكن نظرا لصغر حجم تلك الدروع، فإنها تبدو وكأنها شفافة.
وتؤلف مجدافيات الأرجل المصدر الأكبر للبروتين في البحار والمحيطات. وهي تنقسم إلى فئتين: طفيلية وغير طفيلية. ومن الأمثلة على الأنواع الطفيلية: البينيلا Penella، التي تتطفل على كثير من الفقاريات البحرية كالأسماك والحيتان، ويصل طول أنثاها إلى نحو 30 سنتيمتراً.
أما الأنواع غير الطفيلية من مجدافيات الأرجل فتُعَدّ مهمة جداً من الناحية البيئية، إذ إنها تمثّل المستهلِكات الأولية في السلسلة الغذائية.
كما أنها مصدر غذائي مهم للعديد من الكائنات البحرية. فمعظم المخلوقات العليا فى السلسلة الغذائية، بما فى ذلك حيوان الفظ والحوت المرقط والدببة القطبية، تعتمد على تلك الكائنات في غذائها، وبخاصة في فصل الشتاء، حيث تحتاج إلى الدهون الموجودة والمتوافرة بنسبة %70 في أجسام مجدافيات الأرجل التي تعيش على حافة جليد البحر.
ويعتقد بعض العلماء أن مجدافيات الأرجل تكون أكبر كتلة حيوية biomass، حيث تمثل نحو %80 من إجمالي الكتلة الحيوانية الحيوية، لاسيما في منطقة القطب الشمالي. ويعود سبب ذلك إلى نسبة تكاثرها المرتفعة، وصغر أحجامها، وسهولة انتشارها. ويُعَدّ النوع كالانوس Calanus منها أكثر أجناس العوالق الحيوانية عدداً في بعض البحار. وهو يمثّل – مع بعض مجدافيات الأرجل الأخرى – جزءاً رئيسياً من غذاء أسماك الرنجة والسردين والقرش وبعض الحيتان. ويصل حجم الكالانوس إلى حجم حبة الأرز، وهو يتغذى على العوالق النباتية. ويستطيع أن يتحرك رأسياً إلى الطبقات السفلى لمياه البحر في أثناء النهار، ثم يصعد في أثناء الليل بمعدل 15 متراً في الساعة.
5 – المنخربات Foraminifera: وهي حيوانات مثقوبة الأصداف من ذوات الخلية الواحدة. ويمكن رؤية هذه المخلوقات بالعين المجردة، ونادراً ما يتجاوز قطر الواحدة منها مليمتراً واحداً. وتتميز بصدفاتها الكلسية القوية وشكلها الجميل. وعندما تتحجر صدفات هذه المخلوقات – بفعل العوامل الطبيعية – فإنها تتحول إلى تكوينات طباشيرية تدخل في أغراض البناء ولا سيما المباني السكنية. وتعدّ المنخربات ركيزة مهمة لعمليات الحفر والتنقيب عن النفط، حيث يستدل من بقاياها الغنية بالكربون على التكوينات الحاوية للزيت.
ويكثر وجود المنخربات بالقرب من شواطئ البحار، وهي تعيش وتتكاثر وتفنى في مكان ولادتها، وإذا ما تحركت إلى مكان ما فإنها لا تبعد أكثر من سنتيمترات معدودة. ويوجد من هذه المخلوقات الدقيقة أنواع كثيرة، منها ما هو ذو شكل مستدير يشبه إلى حد بعيد شكل قطعة النقود المعدنية. ومنها نوع يدعى: «المعدة الحية Living Stomach»، وهو مخلوق يقضي جل حياته بحثاً عن الطحالب والعوالق الدقيقة جداً والبكتيريا التي لا ترى إلا تحت المجهر، وهو المخلوق الوحيد من هذه الأنواع الذي يهضم فريسته قبل أن يلتهمها.
وعندما تريد «المنخربات» تناول وجبة غذاء مثلاً، فإنها تنسج أولاً شبكة لزجة دقيقة جداً حول جسمها، وحالما تقع الفريسة في الشرك يتولى سائل ثقيل عملية هضمها وتحويلها إلى غذاء سائل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق