أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فضاءفلك وعلم الكونيات

الظواهر الكونية.. تصميم مدهش في الدقة والتوازن

بداية تشكل الكون كانت حدثاً في غاية الدقة والتنظيم ولد معه الزمن والمكان وقوانين الفيزياء والكيمياء، وتوسعه محكم دقيق التنظيم لو اختل فيه شيء لما كان هناك مجرات ولا نجوم ولا كواكب.

م. فداء ياسر الجندي
مترجم، وكاتب علمي

كانت عشرينات القرن الماضي نقطة تحول هائلة في علوم الفلك؛ فحتى تلك الحقبة كان علماء الفلك يعتقدون أن الكون كله هو مجرة درب التبانة، وأن ما يشاهدونه أحياناً من أطياف بعيدة وراء النجوم هو مجرد سُدُم (جمع سديم) من غبار كوني متكثف. لكن في عام 1923 وجَّه العالم الفلكي الأمريكي هابل تلسكوبه إلى أحد هذه السـُدُم، وما لبث أن اكتشف أن ما يشاهده هو مجرة ضخمة هائلة أكبر من مجرتنا، سميت لاحقا (مجرة المرأة المسلسلة). وتوالت اكتشافات هابل بوتيرة سريعة، إلى أن أثبت مع نهاية عام 1929 أن مجرتنا هي واحدة من ملايين المجرات السابحة في فضاء عالمنا الفسيح، وأن المجرات تتباعد عن بعضها بسرعة هائلة، وأنه كلما زادت المسافة بين المجرات زادت سرعة تباعدها عن بعضها.

ويعلم الفلكيون اليوم، بعد إرسال الأقمار الاصطناعية التي تحمل تلسكوبات متقدمة جداً، أن عدد المجرات يقدر بالبلايين، وأن ما اكتشفه هابل صحيح تماماً، أكدته كل القياسات والحسابات، واكتشفوا بعده من حقائق الفضاء والكون ما أدهشهم. وما زالت اكتشافاتهم تتوالى بوتيرة سريعة حتى اليوم. وكان من نتائج هذه الاكتشافات أنها كانت من أسباب ظهور تيار علمي جديد في الغرب مناهض للمادية التي اتسمت بها الأوساط العلمية هناك منذ عصر النهضة، والتي تزعم أن الكون مصنوع من المادة.

تاريخ الكون رأي العين

عندما يدرس العلماء تاريخ الحضارات على الأرض أو تاريخ الأرض نفسها، عليهم أن ينقّـبوا عنه في باطن الأرض، وقد يجدون أدلة وربما لا يجدون. أما عند دراسة تاريخ الكون أو الفضاء، فإن كل ما عليهم فعله هو أن ينظروا بعيداً في الفضاء. على سبيل المثال، عندما تبصر التلسكوبات مجرة المرأة المسلسلة، أقرب المجرات إلى الأرض، فإنهم لا يرونها كما هي اليوم، بل يرونها أين كانت وكيف كانت قبل 250 مليون سنة، لأنها تبعد عن مجرتنا 250 مليون سنة ضوئية، وبعض التلسكوبات الحديثة فائقة القوة، يشاهد العلماء عبرها مجرات تبعد بلايين السنين الضوئية.

   وأول ما استنتجه العلماء من توسع الكون وتباعد المجرات هو أن الكون له بداية، إذ لو كان الكون أزلياً، وكانت المجرات تتباعد منذ الأزل، فإن المسافات بينها ستكون لا نهائية، وهي ليست كذلك اليوم، فلا بد أن لها بداية. وبتعبير مبسط: لو تصورنا أننا نشاهد فيلما سينمائيا يصور تباعد المجرات، ثم ضغطنا على زر إرجاع الفيلم إلى الوراء، عند ذلك سنشهد تقارب المجرات فيما بينها إلى أن تجتمع جميعاً في نقطة بدايتها.

    وهذه البداية قدر العلماء الزمن الذي حدثت فيه أنه قبل 13.82 بليون سنة، وأطلقوا عليه اصطلاحاً الانفجار العظيم (أو الكبير). ونقول اصطلاحاً، لأن كلمة الانفجار توحي بالعشوائية وكأننا نتكلم عن تناثر شظايا قنبلة، لكن هذه البداية كما أثبت العلم هي أبعد ما تكون عن حدث عشوائي، بل كانت حدثاً في غاية الدقة والتنظيم، ولد معه الزمن والمكان وقوانين الفيزياء والكيمياء التي نعرفها اليوم، وهو توسع محكم دقيق التنظيم، مضبوط بضوابط متناهية في الدقة، لو اختلف أو اختل أي شيء فيها لما كان هناك مجرات ولا نجوم ولا كواكب.

انضباطية توسع الكون

من الضوابط الكونية الدقيقة نسبة هذا التوسع الكوني الذي اكتشفه هابل، فقد توصل العلماء إلى أنه كان في بدايته منضبطاً إلى درجة يصعب تصورها، إذ تصل دقة هذا الضبط إلى 10 مرفوعة إلى القوة (الأس) 60. ولو كان معدل توسع الكون أسرع مما هو عليه لتناثرت مكونات المادة في الفضاء بصورة يستحيل معها أن تتمكن قوى الجاذبية لاحقا من جمع شتاتها وتشكيل المجرات بنجومها وكواكبها، ولو كان توسع الكون أبطأ، لانكمشت كل المادة الموجودة في الكون بفعل قوة الجاذبية على بعضها لتشكل ثقباً أسود هائلاً، ولما تشكلت المجرات.

   كانت مفاجأة كبيرة للعلماء عندما أثبتت حساباتهم الدقيقة أن توسع الكون الذي كان يتباطأ بعد الانفجار العظيم، انتقل من التباطؤ إلى التسارع قبل نحو سبعة بلايين سنة، وشبهوا ذلك بكرة نقذفها عموديا في الهواء إلى الأعلى، فتتباطأ صعوداً بسبب الجاذبية، وقبل أن تبدأ بمعاودة الهبوط نحو الأرض، بسبب تخامد قوة القذف لتأثرها بالجاذبية، إذا بها تنطلق إلى الأعلى من جديد. وكما أن الكرة تحتاج إلى قوة تسحبها إلى الأعلى عكس الجاذبية، فإن توسع الكون يحتاج إلى قوة ما تؤثر فيه ليتسارع من جديد، بعد أن كان يتباطأ بسبب تخامد القوة التي اكتسبها عند الانفجار العظيم، فلا بد إذًا من وجود قوة في الكون أدت إلى تسارع توسعه من بعد التباطؤ.
أطلق العلماء على هذه القوة اسم (الطاقة الداكنة)، وبعضهم يسميها (طاقة التنافر الكوني). وعلى الرغم من تأكد العلماء من وجود هذه الطاقة ومن تأثيرها، فإن تعريفها الدقيق وطبيعتها ما زالا من الألغاز التي يبحثون عن حل لها.

   والأمر المذهل حولها هو الضبط الشديد لمقدارها، إذ توصلت حسابات العلماء الفيزيائية إلى أن قوة الطاقة الداكنة يجب أن تكون مضبوطة إلى دقة مقدارها 10 مرفوعة إلى القوة 120، حتى يكون تشكل المجرات أمراً ممكن الحدوث. وأدهشت هذه النسبة المذهلة عالم الفيزياء المعروف بول ديفيس، فكتب معلقاً عليها: إن العبارة التي تقول “الكون منضبط بدقة كحد السكين” أقل بكثير من أن تعبر عن دقة الضبط الكوني.

   جدير بالذكر أن العلماء الذين توصلوا إلى حساب تسارع التوسع الكوني بعد التباطؤ نالوا جائزة نوبل للفيزياء عام 2011.

 الكون متوازن كهربائيا

   كلنا يعلم أن الذرات تتكون من بروتونات موجبة الشحنة، وإلكترونات سالبة الشحنة، ونيوترونات لا شحنة لها. ومن الضوابط المدهشة في كوننا أنه متوازن كهربائيا بشكل مذهل، أي إن عدد الإلكترونات مساو تماما لعدد البروتونات في الكون كله، وهو أمر كان مفاجئاً للعلماء، لا سيما أن كتلة البروتون تزيد عن كتلة الإلكترون بمقدار 1836 ضعفاً، وطبيعة تكوينهما مختلفة. وهذا التوازن مضبوط بدقة شديدة تفوق الخيال، بحيث لو افترضنا إضافة إلكترون واحد لكل تريليون تريليون تريليون من البروتونات، (أي 10 مرفوعة إلى القوة 36) لاختل التوازن الكوني، ولما تكوّنت المجرات والنجوم والكواكب، ولكان الكون مجرد سُـحب غازية هائمة، وطبعا، لما كنا موجودين لنكتشف عظمة الكون ودقة ضوابطه.

   والنظر في الكون البعيد هو النظر في الزمن السحيق، وهذا مكن العلماء من معرفة دورة حياة النجوم، وإدراك أن النجوم المتلألئة التي تزين سماءنا نشأت عن تكثف سحب غازية هائلة معظم قوامها من غاز الهيدروجين، وهو غاز لم يكن غيره موجودا قبل تشكل النجوم والمجرات، مع نسبة بسيطة من غاز الهيليوم، وأن هذه النجوم هي مصانع عملاقة يتم في النواة الضخمة لكل منها صناعة عنصر الكربون، أساس الكائنات الحية، إضافة إلى كل المعادن المعروفة التي يتكون منها كوكبنا وغيره من الكواكب، عن طريق عمليات غاية في التعقيد والضبط، يضيق عن شرحها مقال في مجلة.

   لكن يكفي أن نعلم أن هذه العملية يسهم فيها عدد كبير من العوامل مجتمعة، لتحدث في قلب النجوم بواسطة سلسلة تفاعلات نووية يطلق عليها العلماء مصطلح (الاندماج النووي النجمي)، وهي تفاعلات غاية في الدقة والضبط والإحكام، بحيث لو اختل أي منها لما كان هناك كربون، وهو العنصر الأساسي في المواد العضوية المشكلة للخلايا الحية، ولا معادن ولا عناصر تتشكل منها الكواكب، لدرجة دفعت العالم فريد هولي، الذي اكتشف معادلات هذه التفاعلات، يقول: “لا يمكن لأي عالم يتبع الدليل العلمي إلا أن يصل إلى نتيجة مفادها أن قوانين الفيزياء النووية صممت خصيصاً لتؤدي الدور المنوط بها في قلب النجوم”. ويتم إطلاق الكربون والمواد الأخرى الناتجة عن الاندماج النووي النجمي في الفضاء في نهاية حياة النجوم، لتسهم لاحقا في تكوين الكواكب بواسطة الانفجارات النجمية المعروفة باسم (سوبرنوفا).

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى