الطب وصحة

الصفيحات الدموية المركزة.. تطبيقات واعدة في التجدد النسيجي للوجه والفكين

الصفيحات الدموية المركزة أثبتت فعاليتها في تقليل الألم والحاجة للمسكنات، وتحسين وظيفة الفك، وتحسين شفاء الأنسجة الرخوة والعظمية

د. فائز صالح الحامد
طبيب أسنان، دكتوراه في علوم الرأس والوجه، جامعة ميغيل (كندا)

   لطالما شغلت الصفيحات الدموية المركزة الباحثين في مجال طب الأسنان، وشكلت مكونا رئيسيا من اهتماماتهم العلمية؛ نظرا لدورها الكبير في تحفيز الشفاء في جراحات الفم والوجه والفكين، وفي عمليات زراعة الأسنان وجراحة العظم السنخي والجراحة حول الذروية وجراحات اللثة، إضافة إلى مساعدتها على تخفيف الألم وتحسين الوظائف عند المرضى المصابين بتقرحات فموية ناتجة عن الأمراض المناعية ومرضى اضطرابات المفصل الفكي الصدغي.

والصفيحات المركزة   platelet concentrates هي منتج من بلازما الدم يحتوي على تركيزات مرتفعة من عوامل النمو والصفيحات الدموية. وهناك نوعان رئيسيان من الصفيحات الدموية المركزة: البلازما الغنية بالصفيحات، وتدعى الجيل الأول؛ والفيبرين الغني بالصفيحات، وتدعى الجيل الثاني. وتحتوي هذه  المواد البيولوجية على تركيزات متفاوتة من خلايا الدم: الصفائح الدموية، وكريات الدم البيضاء، وكريات الدم الحمراء، إضافة إلى بلازما الدم وما تحويه من بروتينات.

تحضير الصفيحات المركزة

 يمكن تحضير البلازما الغنية بالصفيحات عن طريق أخذ عينة من دم المتبرع أو المريض ووضعها في أنبوب يحتوي على مادة مانعة لتخثر الدم. ثم توضع العينة في جهاز الطرد المركزي لفصل مكونات الدم في دورة واحدة (هذه الطريقة تحتوي على تركيز منخفض للصفيحات) أو دورتين (تحتوي على تركيز مرتفع للصفيحات). ثم تزال طبقة خلايا الدم الحمراء من أسفل الأنبوب، وبهذا نحصل على البلازما الغنية بالصفيحات. أما تحضير الفيبرين الغني بالصفيحات فيجري بالطريقة نفسها، بيد أن عينة الدم توضع في أنبوب فارغ لا يحتوي على مادة مانعة للتخثر، ثم يوضع في جهاز الطرد المركزي لدورة واحدة.

   وتتميز الصفيحات المركزة بغناها بعوامل النمو التي تعد بروتينات تفرزها خلايا الجسم، ككريات الدم البيضاء والصفيحات الدموية والخلايا المناعية والخلايا الجذعية.  ولهذه البروتينات النشطة بيولوجيًا خصائص تجديد الأنسجة، كالأنسجة الرخوة والعظمية. ومن أهم أنواع عوامل النمو الموجودة في الصفيحات المركزة عامل النمو البطاني الوعائي، وعامل النمو الشبيه بالأنسولين،  وعوامل نمو الخلايا الليفية، وعوامل النمو المشتقة من الصفائح الدموية، وعامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ. وتؤدي هذه البروتينات دورًا مهما في الانجذاب الكيميائي  والتكاثر وتمايز الخلايا .

التطبيقات السريرية

تستخدم الصفيحات المركزة بمفردها أو كعلاج مساعد لتعزيز شفاء الأنسجة الرخوة والعظمية في العديد من التداخلات العلاجية لأمراض الفم والوجه والفكين، كتطعيم الجيوب الفكية الممتصة، وزراعة الأسنان، وتطعيم العظم السنخي، والحفاظ على التجويف السنخي للأسنان، وجراحة اللثة، والجراحة اللبية (سحب العصب)، وتكيسات الفك، وتقرحات الفم والشقوق السنخية لعظم الفك العلوي، وتموت عظم الفك الناجم عن الأدوية أو الأشعة  المستخدمة لعلاج السرطان،  وانثقاب الجيب الفكي،  واضطرابات المفصل الفكي الصدغي.

  ومن أهم التطبيقات السريرية:

  • تطعيم الجيب الفكي:

تطعيم الجيوب الفكية هو إجراء جراحي يهدف إلى استعادة العظم الذي تم امتصاصه في الفك العلوي الخلفي الناجم عن فقدان الأسنان والتقدم في العمر. ويستطب في الحالات التي لا يوجد فيها ارتفاع كافٍ للعظم الفكي لاستيعاب زرعات الأسنان التعويضية. وإضافة الصفيحات المركزة إلى الطعوم العظمية المجففة منزوعة المعادن تساعد على تقليل الفترة المحددة للشفاء. ويمكن استخدام الفيبرين الغني بالصفيحات كغلاف للطعوم العظمية عند إعادة بناء الجيب الفكي لاستقبال الزرعات السنية.

  • اضطرابات المفصل الفكي الصدغي:

المفصل الفكي الصدغي هو مفصل يربط عظم الفك بقاع الجمجمة، ويُوجد مفصل واحد في كل جهة من جانِبَي الفك. ويصاب الفك باضطرابات قد تسبب ألما في مفاصل الفك وفي العضلات التي تتحكَّم في حركته. وتبين أن لحقن البلازما الغنية بالصفيحات داخل تجويف المفصل نتائج جيدة في تخفيف الألم وتحسين القدرة على فتح الفم وتحريكه لدى المرضى الذين يعانون هذه الاضطرابات.

  • تطعيم العظم السنخي:

العظم  السنخي هو جزء من عظم الفك يحتوي على أسنان الفكين. وعند فقدان الأسنان وعدم التعويض المبكر عنها يتعرض العظم السنخي للامتصاص، لذا يجب إعادة بناء ذلك العظم لاستيعاب الزرعات السنية. وتؤدي إضافة البلازما الغنية بالصفيحات إلى الطعوم العظمية إلى زيادة في عرض السنخ وتحسن الشفاء .

  • جراحات اللثة:

تتعرض اللثة والعظم حول السني للالتهاب عند بعض المرضى نتيجة سوء الصحة الفموية والأمراض الجهازية. ويوجد لدى بعض المرضى امتصاص عظمي يتجاوز 5 مليمترات، وهو يتطلب تداخلا جراحيا لعلاجه (الجراحة حول السنية). وأظهر استخدام الصفيحات المركزة مع الطعوم العظمية نتائج جيدة في تحسين شفاء العظم حول السني وتقليل عميق الجيب أو الفراغ حول السني والاتصال السني اللثوي. بيد أنّ هناك دراسات أظهرت أنّ الصفيحات المركزة غير فعالة في علاج حالات الانحسار اللثوي، وعند استخدامها في حالات التجدد النسيجي الموجة بدون استخدام طعوم عظمية.

  • زراعة الأسنان:

إنّ الخيار الأمثل للتعويض عن الأسنان المفقودة هو الغرسات السنية. تتكون الغرسات السنية من معدن التينانيوم المعالج، وتوضع ضمن العظم السنخي لتشكل دعامة للتعويض. واستخدمت الصفيحات المركزة للمساعدة على شفاء العظم قبل وضع الغرسات السنية، أو لعلاج العيوب العظمية حول الغرسات السنية عند حدوث الالتهاب حولها .

  • تموت عظم الفك:

يموت جزء من عظم الفك الناتج عن تناول دواء بيسفوسفنات الذي يستخدم لعلاج مرضى الأورام أو مرضى هشاشة العظام، وهو ما يشكل تحديا كبير للعلاج. وأظهر استخدام الفيبرين الغني بالصفيحات مع التنظير الجراحي نتائج جيدة في شفاء الأنسجة الرخوة وتقليل الألم، كما ساعد استخدام البلازما الغنية بالصفيحات مع الليزر على شفاء مثل هذه الحالات.

  • التقرحات الفموية:

    تترافق بعض الأمراض المناعية مع لويحات أو تقرحات فموية، كتلك المترافقة مع مرض الفقاع الشائع. وهذه الآفات تعالج عادة بحقن الكورتيزون، بيد أن هذا الأمر يترافق مع مشكلات تثبيط المناعة الناجم عن استخدام الكورتيزون، وقد يعرض المريض لاختلاطات كثيرة. وتبين حديثا أنّ الحقن المتكرر لتلك الآفات الفموية بالبلازما الغنية بالصفيحات يحسن الشفاء والوظيفة ويخفف الألم .

  • إغلاق الاتصال الفكي الفموي:

عند الخلع الجراحي للأضراس العلوية قد يتعرض الجيب الفكي للانثقاب، فيحدث اتصال بين الفم والجيب الفكي الذي يفتح على تجويف الأنف. وعلاج الاتصال الجيبي الفكي يعتمد على حجم الانثقاب، ومعظمه يتم باستخدام الشرائح الجراحية. إنّ استخدام الفيبرين الغني بالصفيحات كمادة لإغلاق الاتصال الفموي الجيبي يشكل تقنية بسيطة أثبتت فعاليتها في تحسين الشفاء وتقليل الألم والتورم مقارنة بالشرائح الجراحية، لكنها لا تتناسب مع الانثقاب كبير الحجم .

آمال قريبة

أثبتت الصفيحات المركزة فعاليتها في تقليل الألم والحاجة  للمسكنات، وتحسين وظيفة الفك، وتحسين شفاء الأنسجة الرخوة والعظمية.  ومن التطبيقات الواعدة استخدامها لعلاج الآفات داخل الفم ذات المنشأ المناعي، لذا هناك حاجة لإجراء دراسات إضافية لتحري فعالية هذه المواد الحيوية.

   وهناك تباين في نتائج بعض الدراسات بخصوص دور الصفيحات المركزة في تجدد الأنسجة العظمية. وهذا ربما يفسر باختلاف أنواع الدراسات السريرية واستخدام بروتوكولات تحضير متنوعة، وهو ما ينتج عنه تركيزات مختلفة من الصفيحات وكريات الدم البيضاء، إضافة إلى استخدام تقنيات تطبيقية متباينة؛ فقد تستخدم هذه المواد  كسائل أو كهلام (جلي) بشكل وحيد، أو تضاف إلى الطعوم العظمية، وهذا بدوره يؤثر في الفترة الزمنية التي يتم خلالها إفراز عوامل النمو.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى