الطب وصحة

الصداع النصفي (الشقيقة)

د.نورا الرفاعي

يعاني عدد كبير من الأشخاص في كل أنحاء العالم آلاماً مبرحة ناتجة عن الصداع النصفي (الشقيقة)، الذي أخذ يحمل في الآونة الأخيرة مسمى المرض المزمن؛ بسبب ازدياد عدد المصابين به، واستمرار المعاناة مدة طويلة، ربما تدوم مدى الحياة. والشقيقة هي صداع وألم في الرأس يكون عادةً ألماً نابضاً، وأشد على أحد جانبي الرأس، لذا يسمى الصداع النصفي. وقد يكون الألم حاداً إلى درجة يعوق المريض عن القيام بالأعمال اليومية الاعتيادية. وقد تراوح مدة الألم في النوبة الواحدة ما بين أربع ساعات وثلاثة أيام إذا لم يعالج بالطريقة المناسبة.

وتصيب الشقيقة نسبة لا بأس بها من المجتمع، إذ يتعرض لها – على سبيل المثال- شخص واحد من كل عشرة أشخاص في الولايات المتحدة، لكن كثيراً منهم يقال لهم خطأً إن لديهم صداعاً ناتجاً عن التهاب الجيوب الأنفية، أو بسبب شدة ضغوط الحياة وأعباء العمل اليومي. وتحدث نوبات الألم في متوسط العمر من 20 إلى 60 سنة، ومع تقدم السن، ربما يقل تكررها، أو تغيب النوبات تماماً في بعض الحالات.

أعراض الشقيقة
يشعر المصاب بالشقيقة بألم نابض في جانب واحد من الرأس، عادة من ناحية الصدغ أو الجبهة أو العين. والشقيقة تجعل المصاب حساساً جداً للضوء، لذا يفضل أن يجلس في مكان مظلم، كما تجعله حساساً للصوت العالي أو الضجيج أو الجهد ولو كان معتدلاً كصعود السلالم، لذا يفضل أن يجلس في مكان هادئ، ومعظم مرضى الشقيقة يعانون الغثيان والإقياء، إضافة إلى التشوش وعدم وضوح الرؤية، لذا قد يكون ألم الشقيقة شديداً لدرجة يعوق صاحبها عن العمل أو أداء النشاطات المختلفة.
ويحدث لدى بعض الأشخاص قبل الشقيقة تغير في المزاج واضطراب في الحالة النفسية، ويصبح أولئك الأشخاص قلقين أو سريعي الغضب والتوتر، ومكتئبين في بعض الأحيان.
ويشعر آخرون يعانون النوبات نفسها برائحة غريبة أو بطعم خاص، كأنهم يتذوقون شيئاً غريباً، وقد يشعرون بالتعب والإجهاد والتثاؤب بشكل متكرر، في حين يشعر غيرهم بحدوث تقلصات في العضلات، كما لو كانت تنبض. وتلك الأعراض المنذرة السابقة للصداع تصيب شخصاً واحداً من كل أربعة أشخاص، وعادةً ما تحدث قبل بدء أي ألم في الرأس بنحو 24 ساعة.

كيف يبدأ صداع الشقيقة؟
إن تناول بعض الأطعمة أو الإصابة بكرب (ضغط نفسي) أو حدوث التبدلات الهرمونية قد تكون مثيرة أو نقطة بداية لحدوث الشقيقة، ونحو %20 من الأشخاص الذين يعانون الشقيقة تظهر عليهم أعراض في العينين تسمى (النسمة)، وهي عبارة عن رؤية خيالات بصرية أو تشوش في النظر، قبل بدء حدوث الألم بما بين 20 إلى 60 دقيقة، فيعرف المريض عندها أنَّ نوبة الصداع آتية.
أمَّا السبب الحقيقي لحدوث الشقيقة، فما زال غير مفهوم تماماً، لكنَّ الشقيقة تبدأ من منشأ عصبي، أي تكون على صلة بالجهاز العصبي للإنسان، وتؤثر عليها الناقلات الكيميائية للدماغ وعصبونات الدماغ، كما تؤثر الأوعية الدموية من خلال توسعها أو انقباضها.
ويعتبر الضغط النفسي من المحرضات الشائعة لحدوث الشقيقة، ولما كان من المستحيل الابتعاد عن الضغوط النفسية، فإنَّ إجراء تمارين الاسترخاء بأخذ نفس عميق (شهيق وزفير) بهدوء، لجعل الهواء يملأ الصدر، يساعد على الاسترخاء وتخفيف الصداع، كما تقل المعاناة عند الأشخاص الذين يستمعون إلى موسيقا مفضلة لديهم، أو يفكرون بمناظر جميلة وطبيعية.
وثمة أمور تساعد المريض على التخفيف من الأعراض المزعجة للشقيقة؛ منها فتح سجل خاص يدون فيه كل العوامل التي تثير الصداع، وكل المؤشرات التي تحدث قبل بدء نوبة الصداع (العلامات التحذيرية)، والهدف من ذلك أنه عندما يستطيع المريض استكشاف بعض تلك العوامل فإنه يمكن تجنبها مستقبلاً للتخفيف من نوبات الشقيقة.

المعرضون للإصابة بالشقيقة
ثبت إحصائياً أنَّ النساء أكثر عرضة للإصابة بالشقيقة بثلاث مرات من الرجال، وأنه في حال وجود شخص قريب من الدرجة الأولى مصاب بالشقيقة فإن أقرباءه سيكونون أكثر عرضة للإصابة من الأقرباء الأباعد. ويعتقد المختصون بوجود طفرة أو تحول جيني يؤثر على مناطق معينة في الدماغ بهذا الصدد. كما استنتج العلماء أن نسبة المعاناة من الشقيقة تزداد لدى المرضى الذين يعانون الصرع والاكتئاب والقلق، أو نقص التروية الدماغية، أو بعض الاضطرابات العصبية والوراثية.
الشقيقة عند الأطفال
وجد الباحثون أن نسبة %5 من الأطفال الذين يعانون الصداع بصورته العامة يكونون مصابين بالشقيقة، وأن الذكور والإناث معرضون للشقيقة بالنسبة نفسها، لكن بعد سن النضج والبلوغ تكون نسبة الإصابة عند الإناث أعلى من الذكور كما ذكر آنفاً. وتبين أن هنالك أعراضاً مرافقة أخرى غير الصداع، مثل ألم البطن (شقيقة البطن)، والإقياءات الشديدة والمتكررة.
وهنالك شكل خاص عند الأطفال الأكبر سناً، حيث يصابون بنوبات من التوتر وبنوع من الشحوب وعدم الاتزان في المشي، وأحياناً حدوث حركات لا إرادية في العينين أو إقياء، وهذا الشكل يدعى الدوار الوضعي السليم.

تشخيص الشقيقة وعلاجها
تشخص الشقيقة مبدئياً من الأعراض والعلامات التي تظهر على المريض، والتي ذكرت آنفا بصورة مفصلة. لكن في بعض الأحيان يطلب الطبيب إجراء تصوير شعاعي مقطعي للرأس والدماغ لنفي وجود أي إصابات مرضية مرافقة، مثل الأورام أو النزيف الدماغي، وفي حالات قليلة قد يطلب الطبيب إجراء التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ.
وقبل البدء بالعلاج يجري الطبيب فحصاً كاملاً للمريض، ويتعرف إلى التاريخ المرضي ومقدار تكرر نوبات الشقيقة ومدى تأثيرها على العمل، أو تعطيل نشاطات المريض اليومية، ثم يبدأ بوضع خطة للعلاج التي تتضمن الأدوية المسكنة للألم ومضادات الالتهاب، مثل الأسبرين والبروفين، مع الانتباه إلى أن الإكثار من تناول الأدوية من دون استشارة الطبيب قد يزيد شدة المرض، وقد يسبب حدوث مضاعفات على الغشاء المبطن للمعدة تؤدي إلى تقرحه.
ومن أكثر الأدوية شيوعاً للعلاج دواء اسمه (تريبتانز)، ينصح به حين يتناوله المريض مبكراً، أي عند بدء العلامات المنذرة بقرب حدوث نوبة الشقيقة، لكن له بعض الآثار الجانبية مثل الغثيان وعدم الاتزان والخدر والتنميل، وأحيانا ألم في الصدر.
ومن الأمور الواجب الانتباه إليها أيضاً عدم تناول أدوية متعددة معاً، مثل أدوية الاكتئاب أو أدوية الصرع مع أدوية الشقيقة، دون استشارة الطبيب في كل مرة؛ لتلافي حدوث تداخلات دوائية قد يكون لها أثر سلبي على المريض، وكذلك المرضى البالغين المصابين ببعض الأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب أو نقص التروية بالدماغ، والذين يتناولون أدوية خاصة بتلك الأمراض. وهنالك أدوية أخرى توصف أحياناً للحصول على أفضل للعلاج حسب حالة كل مريض على حدة، وتكون على شكل حبوب أو بخاخ للأنف أو حقن.
ويمكن للمريض بعد تناول علاج الشقيقة مرتين أو ثلاث مرات أن يسأل نفسه: هل حصل على النتيجة المتوقعة والارتياح المطلوب؟ وإذا كان الجواب بالنفي؛ فيجب العودة إلى الطبيب للحصول على علاج بديل، مع مراعاة أن يكون المريض قد تناول الدواء قبل ساعتين على الأقل من حدوث النوبة، أي خلال المرحلة المبكرة للعلامات المنذرة، وإلا فلا فائدة ترجى من تقييم فعالية الدواء.
ومن جهة أخرى يجب التأكيد على أن استعمال جرعات زائدة من الأدوية المسكنة قد يؤدي إلى حدوث صداع مزمن دون حل لمشكلة الصداع الحاد. ولا يجوز تناول الدواء أكثر من مرتين في الأسبوع. وهناك طريقة للتخلص من الشقيقة المزمنة تتم عبر إنقاص الأدوية بشكل تدريجي ثم إيقافها نهائياً تحت إشراف طبيب متخصص.
وإذا كانت الشقيقة شديدة أو متكررة عندها يجب تناول بعض الأدوية بصورة يومية للوقاية من حدوث الهجمات المتكررة والشديدة، مع العلم أن تلك الأدوية صممت خصيصاً لخفض ضغط الدم المرتفع أو الوقاية من حدوث نوبات التشنجات العصبية.
واستعمل الصينيون لعلاج الشقيقة إبراً دقيقة توضع في مناطق وبؤر محددة من الجسم، تؤدي إلى حدوث توازن في جريان الطاقة بالجسم، وتلك الإبر تنبه الدماغ ليعمل على إفراز مواد كيميائية تساهم في الحد من نوبات الألم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق