الطاقة المتجددةتكنولوجيا

الخلايا الشمسية النانوية

د. محمد شريف الإسكندراني

لم تحظ أي تكنولوجيا سابقة أو مواكبة لتكنولوجيا النانو بقدر الاهتمام نفسه الذي حظيت به التكنولوجيا القائمة على علم النانو، وأدى هذا الاهتمام والدعم إلى احتلال تكنولوجيا النانو – بوصفها تكنولوجيا متعددة الوظائف – مقدمة قائمة التكنولوجيات المُستخدمة في كل المجالات التطبيقية, التي يتبوأ قمتها مجال الطاقة الجديدة والمتجددة. وقد ساهمت تكنولوجيا النانو في إيجاد عدد من الحلول التكنولوجية الجديدة والفريدة، لاسيما في مجال إنتاج الخلايا الشمسية، إذ إنها تعمل على رفع كفاءة استخدام الطاقة، وخفض تكلفة إنتاجها وتشغيلها لتلائم كل التطبيقات الحياتية والصناعية.
ويزداد الطلب العالمي على الطاقة بصورة كبيرة يوماً بعد آخر. وقد بلغ الاستهلاك العالمي للطاقة في عام 2008 ما قيمته 474 إكساجول joulexaE (الإكسا Exa هي بادئة تعني ما قيمته مليار مليار أي 1018، والجول Joule هو وحدة لقياس الطاقة).

ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة فإنَّ من المتوقع أن يزداد النهم العالمي في الطلب على الطاقة ليصل إلى نحو 750 إكساجول في عام 2030. ويتم الاعتماد حالياً على الوقود الأحفوري Fossil Fuel لتغطية أكثر من %80 من حاجة العالم من الطاقة الأولية Primary Energy (يُطلق على المصادر الطبيعية للطاقة في هيئتها الطبيعية – مثل زيت النفط الخام، والفحم، والغاز الطبيعي، واليورانيوم، وأشعة الشمس، والرياح..- المصادر أو الموارد الأولية للطاقة، في حين يستخدم مُصطلح الطاقة الثانوية Secondary Energy للتعبير عن شكل المُنتج الذي يتم توجيهه إلى المُستخدم، مثل الكهرباء والبنزين وغيرهما. وأخيراً يُستخدم مصطلح الطاقة النافعة Useful Energy لصور الطاقة التي يتم الانتفاع بها فى الأغراض المختلفة، مثل الإضاءة والتسخين والتدفئة).
وغني عن القول إن دخول كثير من الدول النامية مثل الصين والهند إلى مضمار الدول الصناعية الكبرى الأكثر استهلاكاً للطاقة، كان المحرك الرئيسي لهذه الزيادة الحادة في استهلاك الطاقة وما يترتب عليها من انبعاثات غازات الدفيئة، وعلى الأخص غاز ثاني أكسيد الكربون.

تباين عالمي
تتباين دول العالم في طلبها للطاقة تبايناً كبيراً، إذ يرتبط ذلك بنمط وطبيعة الحياة، وعدد السكان، والإرث الثقافي، والتقاليد الاجتماعية، واختلاف المستوى الاقتصادي. وتصدرت الدول العربية في منطقة الخليج العربي ومعها مملكة لكسمبورغ خلال الفترة ما بين عامي 2000 – 2010 قائمة دول العالم من حيث النصيب المتاح للفرد الواحد من الطاقة. ووفقاً لتقديرات الرابطة الدولية للطاقة International Energy Association, IEA لعام 2009؛ فإن مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى إضافة إلى مجموعة الدول العشرين الأكثر نمواً في العالم – عدد دول العالم الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة هو 191 دولة – تستهلك من الطاقة يومياً نحو 3.4 مليون برميل مكافئ من زيت النفط، في الوقت الذي لا تحتاج فيه بقية دول العالم إلى أكثر من 1.7 مليون برميل.
وإذا استعرضنا فئة الدول الأكثر طلباً على الطاقة، فسنجد أنها تنحصر في ست دول تمثل نحو %3 من دول العالم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا والهند واليابان وألمانيا. وتستهلك هذه الدول نصف ما هو مُتاح للبشرية من الطاقة، وربما أكثر من ذلك.
وتستحوذ الولايات المتحدة الأمريكية على النصيب الأكبر من حصيلة الإنتاج العالمي من الطاقة، إذ تستهلك وحدها ما يزيد عن %21 من إجمالي الطاقة المُتاحة في العالم. ويأتي العملاق الصيني في المركز الثاني، مستحوذاً على نحو %15 من تلك الحصيلة. وإذا ما حاكت دول العالم النمط الاستهلاكي الأمريكي، فسيحتاج كوكب الأرض إلى أكثر من أربعة أضعاف الكميات المتاحة حالياً من الطاقة الأولية.

الخلايا الفوتوفولطية
الخلايا الفوتوفولطية التي يتم تصنيعها من مواد لأشباه الموصلات مثل السيليكون، هي أجهزة تقوم بتحويل فوتونات الأشعة الشمسية إلى تيار كهربائي مستمر تحويلاً مباشراً، حيث تستمر تلك الخلايا في أداء مهمتها تلك مادام المصدر الضوئي متوافراً، ومن دونه تتوقف عن عملها.
أجيال الخلايا الفوتوفولطية
ورجوعاً إلى تقنيات التصنيع وأنواع المواد المستخدمة فى إنتاج الخلايا الفوتوفولطية، فإنه يمكن تصنيف تلك الخلايا إلى ثلاثة أجيال هي:
< الأول: الخلايا المصنعة من رقائق بلورات السيليكون الأحادية.
< الثاني: يقسم إلى أربعة أنواع فرعية وفقاً للبنية البلورية للمواد الداخلة في تصنيعها، وكذلك هوية ونوع تلك المواد التي تشمل الخلايا المصنعة من المواد الآتية:
> السيليكون غير المتبلور.
> السيليكون المتعدد البلورات.
> تيلوريد الكادميوم.
> سبيكة نحاس إنديوم الغاليوم.

< الثالث: هي الخلايا الأكثر حداثة، والتي يعول عليها العالم في الحصول على وحدات من الخلايا الشمسية العالية الكفاءة. وتنقسم خلايا هذا الجيل إلى عدة عائلات، نذكر منها:
> الخلايا الشمسية النانوية البلورات.
> الخلايا الضوئية الكهركيميائية.
> الخلايا الشمسية البلمرية المصنعة من البلمرات.
> الخلايا الشمسية الصبغية.
> الخلايا الشمسية المؤلفة من قوالب البلمرات المطعمة ببلورات غير عضوية. ويرى بعض العلماء أن هذا النوع من الخلايا جدير بأن يتم تصنيفه ضمن الجيل الرابع للخلايا الشمسية.

الجيل الأول
ظاهرة تحويل الضوء إلى كهرباء بواسطة الخلايا الفوتوفولطية ليست جديدة، ويرجع تاريخ اكتشافها إلى العالم الفرنسي أدمون بيكريل في عام 1839. بيد أن تلك الخلايا لم تعرف طريقها إلى التطبيق الفعلي إلا بعد 100 سنة من هذا الاكتشاف الرائد، حين تمكن الباحثون في مختبرات بيل في عام 1954 من ابتكار خلايا فوتوفولطية قائمة على بلورات السيليكون.
وعلى الرغم من أن تلك الخلية الأولى لم تتعد كفاءتها %4؛ فإنها فتحت أبواب البحث والتطوير في مجال إنتاج خلايا مُصنعة من رقائق السيليكون، تكون أكثر كفاءة وفاعلية في تحويل الضوء إلى تيار كهربائي. وخلال السنوات التي تعاقبت بعد هذا التاريخ، تم تطوير تلك الخلايا ومضاعفة كفاءتها إلى ما يراوح بين أربعة وستة أضعاف، مقتربة بهذا مع الحد النظري (%31) لهذا النوع من الخلايا المعروف بخلايا الجيل الأول الأحادية الوصلات. غير أن الخلايا الفوتوفولطية من هذا النوع تكون عالية التكلفة، الأمر الذي يقيد من تطبيقاتها ونفاذها إلى الأسواق.
وترى بعض المدارس العلمية أن رقائق السيليكون ليست بالمادة المثالية التي يمكن الاعتماد عليها في إنتاج خلايا ذات كفاءة عالية، نظراً إلى افتقارها لكثير من الصفات والخواص التي يجب أن تتوافر في مواد أشباه الموصلات المستخدمة في إنتاج الخلايا الشمسية. فمثلاً، قيمة فجوة الحزمة Bandgap الخاصة بمادة السيليكون تجعل من امتصاصه للإشعاعات الكهرمغنطيسية عملية غير فعالة ولا تفي بالمتطلبات الخاصة بعمليتي امتصاص/تشتت الفوتونات المُتَطَلبة للحفاظ على ما يُعرف باسم الزخم الحركي البلوري Crystal Momentum.
ونتيجة لهذا، ومن أجل أن تقوم رقاقة السيليكون بامتصاص واستيعاب %90 من الإشعاع الشمسي الوارد إليها، يجب ألا يقل سمك رقاقة السيليكون المستخدمة في صنع الخلايا الفوتوفولطية عن 125 ميكرومتراً (الميكرومتر وحدة لقياس الأطوال تساوي واحداً على ألف من المليمتر).
وبمقارنة قيمة هذا السمك بنظيره لمادة أخرى من مواد أشباه الموصلات وهي زرنخيد الغاليوم Gallium Arsenide (GaAs) التي لا تتطلب أكثر من 1 ميكرومتر؛ يتضح لنا افتقار السيليكون إلى حد بعيد للخواص الكهروضوئية المفترض توافرها في أشباه الموصلات المستخدمة في صناعة الخلايا الفوتوفولطية العالية الكفاءة.

سر المرتبة الأولى
وإذا كان الأمر هكذا؛ فما السر إذاً وراء احتلال السيليكون المرتبة الأولى في قائمة أشباه الموصلات الموظفة في إنتاج الخلايا الفوتوفولطية؟ علماً أن أكثر من %86 من الخلايا الشمسية الموجودة في الأسواق يتم تصنيعها من مادة السيليكون.
وللإجابة عن هذا السؤال تكفي الإشارة إلى أن السيليكون هو ثاني أكثر العناصر وفرة وانتشاراً في القشرة الأرضية، ما يجعل منه أرخص عناصر أشباه الموصلات وأقلها تكلفة. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، ففي الوقت الذي كان فيه السيليكون ما يزال مجرد مادة ناشئة عن مواد أشباه الموصلات، تم ترشيحها وتجربتها في إنتاج أول خلية فوتوفولطية شبه موصلة، ولم تكن الصناعات الإلكترونية الحديثة التي نراها في عالمنا اليوم والمعتمدة في صناعتها على عنصر السيليكون قد نشأت أو تطورت. لذا، وبعد أن أضحى السيليكون هو العنصر الغالب والأكثر استخداماً في الصناعات الإلكترونية، فإنه فقد مزاياه الاقتصادية كعنصر رخيص، ما ترتب عليه ارتفاع أسعاره في الأسواق العالمية.

تساؤلات أساسية
ومن الطرح السابق نستطيع أن نسلط الضوء على ثلاثة تساؤلات أساسية وتحديات كبيرة، تضع الكثير من علامات الاستفهام والتعجب حول مصداقية الخلايا الفوتوفولطية في توليد الكهرباء ودخولها إلى ميدان التطبيقات الفعلية:
1 – كيف يمكن زيادة كفاءة الخلايا الشمسية ورفع أدائها كي ترتقي إلى مستوى المنافسة مع مصادر الطاقة الأخرى الموظفة في توليد الكهرباء؟
2 – كيف يمكن خفض التكلفة الصناعية الخاصة بإنتاج الخلايا الفوتوفولطية؟
3 – كيف يمكن أن تجمع وحدة الخلية الفوتوفولطية بين مزايا الكفاءة العالية في تحويل الطاقة والتكلفة الاقتصادية المناسبة؟

رفع كفاءة الخلايا الشمسية
في إطار ما سبق عرضه من تساؤلات، يفرض سؤال آخر نفسه وهو محور هذا المقال: هل يمكن لتكنولوجيا النانو أن تفرض حلولاً حاسمة وفعالة تُستخدم في حل تلك الأمور التقنية والاقتصادية الصعبة المذكورة آنفاً؟
هذا ما سيتضح في هذا الجزء من المقال الذي يستعرض النهج والتقنيات الرائدة المطبقة لحل مستعصيات السؤالين الأول والثاني، مع تسليط الضوء على كيفية استخدام المواد ذات البنية النانوية كأداة فعالة قادرة على حل المعضلة التقنية الثالثة.
وسبق أن أشرنا إلى أن معظم وحدات الخلايا الفوتوفولطية المتوافرة في الأسواق على المستوى التجاري يتم تصنيعها إما من بلورات السيليكون الأحادية أو من السيليكون المتعدد البلورات. وعلى ضوء ما أشرنا إليه أيضاً، فإن الحد النظري الأقصى لكفاءة الخلايا الأحادية الوصلات المُصنعة من السيليكون هو %31.
ويرجع السبب الرئيسي في قصور كفاءة الخلايا الفوتوفولطية من هذا النوع في تحويل الطاقة الضوئية إلى طاقة كهربائية إلى انخفاض قدراتها على امتصاص نسبة عالية من فوتونات الطيف الشمسي، الواقعة تحت مستوى الطاقة الخاص بفجوة الحزمة – حيث لا تتجاوز نسبة الامتصاص تلك %20 – وهذا يعني فقدان كم هائل من تلك الفوتونات الضوئية وعدم الاستفادة في عملية تحويل الضوء إلى طاقة كهربائية. وعلى الجانب الآخر، فإن التعزيز الحراري لحاملات الشحنات – وهي الفجوات التي تتركها الإلكترونات المتحركة بحزام التكافؤ – المُتولدة عن امتصاص فوتونات الطاقة العليا وتشتتها يؤدي بالتبعية إلى إهدار ذلك الكم الهائل من تلك الفوتونات مما يؤدي إلى انخفاض قدرة الخلايا الشمسية في تحويل الطاقة.
وفي إطار ما تقدم وفي ضوء تدني كفاءة خلايا السيليكون الفوتوفولطية الأحادية الوصلات، فقد طرحت تكنولوجيا النانو نُهجا متميزة وعدداً من المفاهيم الجديدة الرامية إلى زيادة الكفاءة الفعلية لتلك الخلايا كي تصل إلى مرتبة قريبة من الحد النظري المحسوب لكفاءة الخلية وهو %31. وقادت التقنيات النانوية إلى طرح عدد من المُبادرات المُبتكرة تستهدف إلى إنتاج خلايا شمسية متطورة من السيليكون، تتمتع بقدرة أعلى من الخلايا التقليدية للجيل الأول فى تحويل الطاقة الضوئية إلى طاقة كهربائية.
ولقد استفادت عمليات البحث والتطوير الجارية في مجال خلايا السيليكون الفوتوفولطية من الثروة المعرفية الهائلة الخاصة بقطاع إنتاج الدارات المتقدمة المصنوعة من السيليكون والتي تقطع كل يوم خطوات تكنولوجية واسعة.

تقانة الأغشية الرقيقة
تبوأت الخلايا الفوتوفولطية المعتمدة على تقنية الأغشية الرقيقة
(TFPV) Photovoltaics Thin-Films مكانة مرموقة في عالم الخلايا الشمسية، فقد أضحى انتشارها في الأسواق واسعاً وملحوظاً (تمثل نحو %8-5 من السوق العالمي للخلايا الفوتوفولطية)، وذلك لاعتبارها مفتاح الحل في فك شفرة خفض تكلفة إنتاج وتصنيع الخلايا الشمسية في المستقبل القريب أو المتوسط الأجل.
وتتفوق تلك الخلايا الشمسية المعروفة بخلايا الجيل الثاني على خلايا الجيل الأول بقدرتها على أن تُنتج بتكلفة منخفضة، وأن يتم ترسيبها على ركائز مصنوعة من مواد رخيصة مثل الزجاج، ورقائق الفلزات، والبلاستيك.
وعلى الرغم من مجمل هذه المزايا الاقتصادية التي تتحلى بها تلك الأغشية الرقيقة؛ فإن رقة سمكها تؤدي إلى انخفاض كفاءتها في تحويل الفوتونات إلى كهرباء، وذلك للأسباب الآتية:
> الخلايا الرقيقة السمك لا تكون قادرة على امتصاص فوتونات الطيف الشمسي.
> الخلايا الرقيقة التي تُصنع عادة من السيليكون الأمورفي – السيليكون غير
المتبلور، أو من السيليكون المتعدد البلورات، تحتوي في بنيتها الهيكلية
على نسبة عالية من مراكز مرتفعة الكثافة، الأمر الذي يعوق من امتصاصها للفوتونات الضوئية.
ومن ثم، فإن كفاءة الخلايا الفوتوفولطية التقليدية والمصنعة من الأغشية الرقيقة ربما لا تتعدى في معظم الأحيان %10. بيد أن تطبيقات تكنولوجيا النانو قادت في الآونة الأخيرة إلى إنتاج أجيال متقدمة من الأغشية الرقيقة المخلقة من مواد لسبائك جديدة ومركبات، مثل تيلوريد الكادميوم، مما أدى إلى طفرة حقيقية في عالم الخلايا الفوتوفولطية، وبزوغ نجم خلايا الجيل الثاني القائم على تكنولوجيا الأغشية الرقيقة النانوية السمك.
وقاد النهم البحثي في مجال تطوير صناعة الخلايا الشمسية للتوصل إلى إنتاج خلايا متغايرة الوصلات Heterojunction مؤلفة من أغشية مادتي التيلوريد الكادميوم مع كبريتيد الكادميوم، حيث وصلت كفاءة تلك الخلايا في تحويل الطاقة إلى نحو %16.5.
ومع الإصرار والإرادة البحثية التي لاتنهزم ولا تلين، تم التوصل إلى أغشية متقدمة مصنوعة من مادة رائدة جديدة هي سبيكة نحاس إنديوم الغاليوم. وهذه المادة الجديدة التي تم دراسة خواصها وسلوكها على مدار 20 عاماً، أظهرت سبقاً غير متوقع في قدرتها الفائقة على تحويل الطاقة، حيث بلغت كفاءتها نحو %20. إضافة إلى ذلك، فقد أبدت خلايا المادة الجديدة – التي تعرف اختصاراً باسم CIGS – مقدرة واسعة على امتصاص نسبة كبيرة من فوتونات الطيف الشمسي الواقعة تحت مستوى الطاقة الخاص بفجوة الحزمة فاقت كل التوقعات، حيث وصلت تلك النسبة إلى أكثر من %90، وذلك عند سمك يراوح بين 2 – 3 ميكرومترات.
لكن ومع ارتفاع التكلفة الإنتاجية لهذه المادة وعدم توافر مادة الإنديوم بكميات اقتصادية على المدى الطويل، إضافة إلى الأخطار البيئية المحتملة من جراء التعرض للهواء الجوي لفترة طويلة مما يستوجب التوصل إلى نظام تغليف وتغطية متقنة لتلك الخلايا، كل هذا أدى إلى غياب خلايا CIGS عن مرحلة التطبيق الفعلي.
ومما تقدم يتضح أنه على الرغم من أن مادة السيليكون ذات كفاءة قاصرة نسبياً في تحويل الطاقة، فإنها بسبب وفرتها في الطبيعة ما زالت تمثل الأمل في الحصول على الكهرباء من ضوء الشمس المباشر.

بين التكلفة والكفاءة
ولكي يتحقق هذا الهدف الذي يربط بين التكلفة والكفاءة، تجرى منذ فترة محاولات بحثية ضخمة يُنتظر أن تؤتي ثماراً وفيرة في تحسين كفاءة خلايا السيليكون الفوتوفولطية وزيادة قدراتها على امتصاص أشعة الطيف الشمسي، وذلك عن طريق إنتاج الجيل الثاني من تلك الخلايا القائمة على تكنولوجيا النانو لإنتاج أغشية رقيقة نانوية السمك من السيليكون غير
المتبلور، وأيضاً السيليكون المتعدد البلورات.
وعلى الرغم من أن خلايا الجيل الثاني التي يتم تصنيعها من أغشية السيليكون غير المتبلور لم تحقق النجاح المُنتظر، حيث لم تزد كفاءتها عن %8 متدنية في ذلك عن خلايا الجيل الأول من السيليكون الأحادي البلورات، فإنها وجدت مكاناً في السوق العالمي للخلايا الشمسية، وفي تطبيقات خاصة معينة.
ولكن، مع إصرار العلماء المرتبط بالعلم والمقترن بالثقة، فقد تم حديثاً التوصل إلى تصميم يعتمد على الجمع بين أغشية السيليكون غير المتبلور والسيليكون المتعدد البلورات لتكوين طبقات متناوبة بين المادتين، تتراص فوق بعضها بعضا، مكونة ما يُعرف باسم المتجاورات. وكان لهذا الإنجاز الذي وصلت إليه كفاءة تلك الخلايا في تحويل الطاقة إلى نحو %15.5، أكبر الأثر في إعادة النظر مرة أخرى في مادة السيليكون بوصفها الأكثر وفرة في كل مناطق العالم، وبخاصة في الدول العربية.
ومنذ ذلك الحين أخذت الخلايا الفوتوفولطية المتعددة الوصلات مكاناً مرموقاً في دنيا الخلايا الشمسية المتميزة والقائمة على تكنولوجيا النانو؛ لأنها تسمح باستيعاب نطاق أوسع من الأطوال الموجية بالطيف الشمسي.
لكن الأمر مازال يحتاج إلى جهد أعظم ومشقة بحثية ممتعة، لأن كفاءة السيليكون غير المتبلور – يعيب المواد غير المتبلورة عدم اتزانها أمام التعرض الدائم للحرارة، والحث الميكانيكي وكذلك الضوء، لذا فإن ترتيب ذراتها الفريد ينهار فتتحول بذلك إلى مواد متبلورة تقليدية – تقل مع استمرار تعرضها للإشعاع الشمسي ليتدهور ثم يندثر بعد نحو ألف ساعة تشغيل مستمرة (نحو 40 يوماً).
ويرجع سبب ذلك إلى البنية الأمورفية لمادة السيليكون غير المتبلور إذ إن الاستثارة الضوئية الناجمة عن تعرضها الدائم للإشعاع الشمسي تتسبب في إحداث ما يُعرف باسم نقاط العيوب التي تعمل كبؤر أو مراكز غير إشعاعية في بنية مادة السيليكون غير المتبلور، وذلك وفقاً لما يُعرف بظاهرة أو تأثير استابلير – رونسكي.
وأضحى الجيل الثاني من الخلايا الفوتوفولطية المُخلقة من الأغشية الرقيقة القائمة على تقنيات تكنولوجيا النانو متاحاً في الأسواق، وهي تتمتع بمرونة عالية وقابلية للتشكل والثني والفرد على السطوح، إضافة إلى خفة أوزانها. ويمكن السير على تلك الخلايا المرنة دون أن تتلف. لكن يعيبها ارتفاع أسعارها وانخفاض كفاءتها في تحويل الطاقة والحصول منها على كهرباء.

الخلايا النانوية
أدى احتكار المواد النانوية لخصائص بصرية كهربائية وكيميائية فائقة وغير معتاد توافرها في المواد التقليدية الكبيرة الحبيبات؛ إلى زيادة كبير في فرص توظيفها في إنتاج جيل متقدم ومتميز من الخلايا الشمسية يُعرف باسم الجيل الثالث.
وفي الوقت الراهن، ومنذ أوائل العقد الماضي من القرن الحادي والعشرين -يعرف القرن الحالي بقرن تكنولوجيا النانو- تم تطبيق عدد من المواد النانوية في مجال تطوير الخلايا الفوتوفولطية، نذكر منها على سبيل المثال المتراكبات النانوية لأشباه الموصلات، والنقاط الكمومية – تُسمى أيضاً بالبلورات النانوية – والحبيبات النانوية، والأسلاك والأنابيب النانوية. وقد استخدمت هذه المواد النانوية الأبعاد بطرق مختلفة ترمي إلى محاولة التغلب على تكلفتها الإنتاجية العالية، وفي الوقت نفسه رفع فعاليتها وكفاءتها في تحويل الطاقة وإنتاج الكهرباء، في وظائف عدة وبأداء متباين يستهدف تعزيز الاستراتيجيات الخاصة بتحويل الطاقة.

الخلايا الشمسية الصبغية
تُعد الخلايا الشمسية الصبغية أحد أول وأهم أنواع الجيل الثالث من الخلايا الفوتوفولطية نظراً لتفردها بمزايا تقنية واقتصادية متعددة، ويُعتقد أنها ستكون البديل الموثوق به لخلايا الجيل الأول المصنوعة من رقائق السيليكون.
وتختلف تلك الخلايا في طريقة عملها عن الجيل الثاني من خلايا الأغشية الرقيقة في أنه يتم غمس حبيبات نانوية شفافة (غير معتمة) عالية المسامية من ثاني أكسيد التيتانيوم TiO2 بمركب مادة عضوية – غالباً من تكون لمركب عضوي من مركبات عنصر الروثينيوم – فتترسب بذلك جزيئات الطلاء العضوي على السطوح الخارجية لحبيبات TiO2 التي تُغمر داخل محلول إلكتروليتي يوضع
في الخلية. ويتركب السطح العلوي من الخلية المواجه لأشعة الشمس من لوح زجاجي شفاف يُطلى وجهه السفلي بطبقة شفافة موصلة للكهرباء تعقبها حبيبات TiO2. وتنتهي الخلية بغشاء رقيق من فلز البلاتينوم يليه لوح زجاجي شفاف مطلي بطبقة شفافة موصلة للكهرباء.
وتعتمد الخلايا الشمسية الصبغية في عملها على أسلوب يشبه عملية التمثيل الضوئي في الطحالب والنباتات، حيث تصدم فوتونات الأشعة الشمسية النافذة عبر اللوح الزجاجي بجزيئات مادة الصبغة العضوية المترسبة على حبيبات TiO2 وتمتصها، ما يعمل على إثارة إلكترونات المدارات الخارجية لجزيئات مادة المركب العضوية واكتسابها الطاقة اللازمة للانفصال عن أنويتها، فتتحرر لتخترق حبيبات ثاني أكسيد التيتانيوم النانوية، ثم تنتقل إلى الطبقة العلوية الموصلة للكهرباء.
وكما ذكرنا فإن جزيئات مادة الصبغة العضوية الفاقدة لإلكترونها تقوم – بصورة سريعة – بتعويض هذه الإلكترونات المفقودة من مركب اليود – المحلول الإلكتروليتي الموجود بداخل الخلية – ما يؤدي إلى أكسدة هذا المركب وتحوله إلى يود ثلاثي التكافؤ، لتكتمل بذلك دائرة التوصيل الكهربائية للخلية من خلال تلك العملية الكهركيميائية.
وتتفوق هذه الخلايا على غيرها في مزية مفادها أن مصدر الفوتونات لا ينبغي بالضرورة أن يكون الأشعة الشمسية المباشرة، فنظرية عمل تلك الخلايا تعتمد في التشغيل على أي مصدر من مصادر الإضاءة. وتبذل جهود نحو الاستعاضة عن المحلول الإلكتروليتي الموجود داخل الخلية بمادة صلبة مناسبة، وذلك من أجل تفادي تمدد السائل عند درجات الحرارة المنخفضة وتعرضه للتسرب خارج الخلية.
إن كفاءة هذا النوع من الخلايا تضاعفت خلال الأعوام الماضية حتى وصلت في عام 2010 إلى نحو %11. وحديثاً تم إنتاج خلايا مرنة من تلك الأنواع الصبغية بمساحة وصلت إلى 68.8 سم مربع وبكفاءة بلغت نسبتها %11.13. وتم حديثاً إنتاج خلايا من هذا النوع تتمتع بمساحة هائلة بلغت نحو 7 أمتار مربعة وبكفاءة مضاعفة بلغت نحو %10. وحفزت تلك النتائج الباهرة العديد من الشركات في ألمانيا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية لإنتاج خلايا هذا النوع على المستوى الصناعي وتسويقها في أنحاء العالم المختلفة.

خلايا النقاط الكمومية
النقاط الكمومية Quantum Dots تُطلق على البلورات النانوية لمواد أشباه موصلات، مثل مركبات CdSe, CdS, CdTe, ZnS, PbS، وكذلك نستعير مسماها في تسمية الحبيبات النانوية للعناصر الفلزية الحرة، مثل الذهب والفضة والبلاتين والحديد، أو حبيبات السبائك الفلزية، مثل سبائك Copt3 – PtFe.
ويتم تحضير تلك الحبيبات أو النقاط الكمومية مختبريا على هيئة جُسيمات نانوية
كُروية Nanoparticles Spherical ذات أبعاد ثلاثية (X – Y- Z) منتظمة أو شبه منتظمة، تراوح مقاييس أبعاد أقطارها بين 2 و10 نانومترات. وغني عن البيان أن تناهي صغر مقاييس أقطار تلك الحبيبات يُتيح لها أن تحصر داخل حيزها الحجمي الصغير عدداً من الذرات يراوح بين 10 و50 ذرة على الأكثر، لذا فهي تسلك سلوك الذرة الأحادية للمادة. وجذبت هذه المواد اهتمام الباحثين والعلماء منذ أن تعرفوا إلى خواصها البصرية غير المسبوقة. فقد وجدوا أنه بتعريضها لمصدر خارجي من الضوء فإن ذراتها تقوم بامتصاصه كي تطلقه في صورة ألوان مختلفة عند أطوال موجية معينة. ويعتمد هذا الضوء المنبعث اعتماداً كلياً على مقاييس أقطار هذه الحبيبات، هذا إلى جانب اعتماده على هوية ونسب العناصر الداخلة في تركيبها.

تطبيقات فريدة
وللنقاط الكمومية تطبيقات فريدة، بعضها نلمسه حالياً، وكثير منها مازال في جعبة المستقبل. ومن أهم تطبيقاتها الحالية:
– تستخدم كواصمات فلورية Fluorescent Markers لتعيين أمكنة وجود الأورام والخلايا السرطانية في الجسم، مهما تدنت مقاييس أبعاد تلك الأورام وصغر حجمها.
– تُستخدم في صناعة الديودات الباعثة للضوء Light Emitting Diodes, LED مثل المصابيح الصغيرة الموجودة في الجانب السفلي من أجهزة التلفاز التي تظهر بلون أخضر عند تشغيل الجهاز، في حين تظل على لونها الأحمر عند غلق الجهاز ووضعه في حالة الاستعداد للتشغيل.
– تُستخدم في الإضاءة الذاتية لعلامات التحذير المرورية وكذلك في لوحات الإعلانات الموجودة في الطرق السريعة، حيث تمتص تلك الحبيبات الكمومية ضوء كشافات السيارات لتضيء بألوان مختلفة، بناء على أبعاد أقطار الحبيبات المستخدمة في ذلك، والتي عادة ما تكون متباينة في الأبعاد حتى ينبعث منها الضوء بألوان مختلفة وجذابة.
– تُستخدم في تطبيقات مشغلات أقراص الفيديو الرقمية، حيث تُصنع منها أشعة الليزر
الأزرق المستخدم في قراءة بيانات تلك الأقراص.
وعززت هذه النقاط الكمومية بخواصها غير المسبوقة من آمال إنتاج خلايا شمسية تُعرف باسم خلايا النقاط الكمومية، وهي أحد أهم أنواع الجيل الثالث من الخلايا الشمسية. وكما ذكرنا سابقاً؛ فإن مفهوم خلايا المتراصات المؤلفة من عدة مواد قد ترسخ وتأكد كوسيلة لتحسين أداء الخلايا الفوتوفولطية ورفع كفاءتها. لذا، لم يكن غريباً على الإطلاق أن تحظى النقاط الكمومية لمادة السيليكون باهتمام وشغف غير عاديين، وذلك استناداً إلى خواصها الفريدة ومزاياها المتعددة في تحويل الطاقة بكفاءة عالية.
لكن ما هي المزايا التي تتفوق بها تلك النقاط الكمومية على غيرها من التركيبات البنائية للمادة؟ في الواقع لعل المزية الأولى هي تمتعها بما يُعرف بفجوة الحزمة الانضباطية Tunable Bandgap، وتعني أن الطول الموجي القادم من طيف الإشعاع الشمسي الذي يتم امتصاصه أو نثره يمكن أن يتم الهيمنة عليه والتحكم فيه وضبطه. فكما نعلم، فإنه كلما صغرت أحجام الحبيبات وتضاءلت مقاييس أبعادها زادت قدرتها وتعاظمت في امتصاص الأطوال الموجية القصيرة من الضوء، ومن ثم تضاعف مقدار الناتج الفولطي لها، وقل فاقد الفوتونات غير المُمتصة وهذا يعني زيادة في كفاءة الخلايا وقدرة أوسع في تحويل الطاقة الضوئية إلى طاقة كهربائية.
وعلى الجانب الآخر، وبالنقيض من الجيل الأول من الخلايا الفوتوفولطية، فإن تدني فجوة الحزمة يقود إلى رفع قدرة الخلية على «الإمساك» بالفوتونات الضوئية والاستيلاء عليها، بما في ذلك تلك الفوتونات الواقعة على حافة اللون الأحمر من الطيف الشمسي، وهذا بلا شك يؤدي إلى زيادة في إنتاجية التيار الكهربائي. وتصل كفاءة تحويل الطاقة في الخلايا الفوتوفولطية المكونة من نقاط كمومية متساوية الأحجام إلى %63. ونظرياً، فإنه يمكن تحقيق أعلى كفاءة تحويل للطاقة ومن دون فَقدِ يُذكر، إذا ما تم توظيف متراكبة مؤلفة لعدد من النقاط الكمومية ذات مقاييس وأبعاد مختلفة ومتدرجة. >

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق