أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم البيئيةالعلوم الطبيعية

التربة والأراضي والمياه.. نُظُم على حافة الانهيار

النظم الإيكولوجية الأرضية والمائية تعاني ضغطًا حادًا، والعديد منها مُجهد إلى حد حرج. ومن ثم، يتّضح أن الأمن الغذائي المستقبلي للبشرية سيعتمد على حماية مواردنا من أراضٍ وتربة ومياه.

محمد عمر البسام
كاتب علمي

   تشكّل استدامة التربة والأراضي والمياه حجر الزاوية لإيجاد نظم غذائية وزراعية قادرة على الصمود. ولذلك، يمثل الاستخدام المستدام لهذه الموارد الحلّ لبلوغ مقاصد التخفيف من حدة آثار تغير المناخ والتكيّف معها. فعلى سبيل المثال، يمكن للاستخدام الحصيف للتربة وحده أن يؤدي إلى احتجاز ثلث انبعاثات غازات الدفيئة الناشئة عن الأراضي الزراعية. وبات من الأهمية بمكان، في ضوء محدودية الأراضي الصالحة للزراعة وموارد المياه العذبة، النهوض على وجه السرعة بالتكنولوجيا والابتكار. إذ يجب على البشرية تعزيز البنية الرقمية اللازمة لتزويد قطاع الزراعة بالبيانات الأساسية والمعلومات والحلول القائمة على أسس علمية التي تسخر التكنولوجيات الرقمية بشكل كامل وتقي من تغير المناخ.

   هذه الخلاصة كانت من أهم نتائج تقرير حديث أصدرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، وأماطت به اللثام عن تدهور حالة الموارد من التربة والأراضي والمياه، والتحديات التي يطرحها ذلك بالنسبة إلى إطعام سكان العالم الذين يتوقع أن يبلغ عددهم قرابة عشرة بلايين  شخص بحلول عام 2050.

   وفي ذلك التقرير الذي صدر بعنوان (حالة الموارد من الأراضي والمياه في العالم للأغذية والزراعة: نظم على حافة الانهيار) تدق المنظمة ناقوس الخطر لتنبيه العالم أجمع إلى الأخطار الناجمة عن التدهور الكبير الحاصل في موارد الأراضي والمياه، وتأثير ذلك في المجتمعات، وصحة البشرية. وتطرح في الوقت نفسه التوصيات التي تسهم في الحد من حالة التدهور، وكيفية تجنبه والتخفيف من تداعياته.

إجهاد النظم الإيكولوجية

   في التمهيد لهذا التقرير يحذر المدير العام لمنظمة (فاو) شو دونيو من أن النظم الإيكولوجية الأرضية والمائية تعاني الآن ضغطًا حادًا، حيث إنّ العديد منها مُجهد إلى حد حرج. ومن ثم، يتّضح أن الأمن الغذائي المستقبلي للبشرية سيعتمد على حماية مواردنا من أراضٍ وتربة ومياه. ويقول إن  “الأنماط الحالية لإنتاج الأغذية الزراعية لا تثبت استدامتها. وعلى الرغم من ذلك، يمكن للنظم الغذائية والزراعية أن تؤدي دورًا رئيسيًا في التخفيف من حدة هذه الضغوط والمساهمة على نحو إيجابي في تحقيق الأهداف المتعلقة بالمناخ والتنمية”.

     أما معدو التقرير فيرون أنه إذا حافظنا على المسار الحالي، فيمكن لإنتاج 50 % الإضافية من الأغذية اللازمة أن يؤدي إلى زيادة نسبة عمليات سحب المياه للاستخدام الزراعي بما يصل إلى 35 %. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى حدوث كوارث بيئية واحتدام المنافسة على الموارد، وتأجيج تحديات ونزاعات اجتماعية جديدة.

   وللحد من تلك التداعيات يجب على حوكمة الأراضي والمياه أن تكون أكثر شمولًا وتكييفًا، لكي تعود بالفائدة على ملايين المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة والنساء والشباب وأفراد الشعوب الأصلية. فهم أكثر عرضة لمخاطر المناخ وغيرها من المخاطر الاجتماعية والاقتصادية، ويعانون من أكبر مستويات انعدام الأمن الغذائي. وينبغي أن يكون هناك تخطيط أكثر تكاملًا على كل المستويات، كما تجب إعادة توجيه الاستثمارات في مجال الزراعة نحو تحقيق مكاسب اجتماعية وبيئية.

تحديات رئيسية

   يذكر التقرير عددا من التحديات الرئيسية التي تواجهها البشرية في مجال تدهور حالة الأراضي والمياه، وأهمها أن  تدهور التربة بسبب الأنشطة البشرية يؤثر في 34 % من الأراضي الزراعية، أي ما يقدر بنحو 1660 مليون هكتار؛ وأنه على الرغم من أن إنتاج ما يزيد عن 95 %  من أغذيتنا على اليابسة لا يوجد مجال كبير لزيادة مساحة الأراضي المنتجة؛ وأن المناطق الحضرية تشغل أقل من 0.5 % من مساحة الأرض، بيد أنّ النمو السريع للمدن أثر بشكل كبير في الموارد من الأراضي والمياه، وهو ما يؤدي إلى التلوث والزحف باتجاه الأراضي الزراعية الرئيسية التي تكتسي أهمية بالغة بالنسبة إلى الإنتاجية والأمن الغذائي؛ وأن نصيب الفرد الواحد من استخدام الأراضي شهد انخفاضًا بنسبة 20 % بين عامي 2000 و2017؛ وأن ندرة المياه تعرض الأمن الغذائي العالمي والتنمية المستدامة للخطر، ما يهدد 3.2 بليون شخص يعيشون في المناطق الزراعية.

دور أممي رائد

 تسعى منظمات الأمم المتحدة المعنية إلى اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لحماية البشرية من التدهور الحاصل في الأراضي والمياه، وإلى الحد من تأثير ذلك التدهور على صحة المجتمعات، وتحرص على إسداء النصح لجميع الدول من أجل ضمان تحقيق الأمن الغذائي المناسب لشعوبها. ومن أهم تلك المنظمات منظمة الأغذية والزراعة، وهي وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة تقود الجهود الدولية للقضاء على الجوع. وهدفها الأساسي هو تحقيق الأمن الغذائي للجميع، والتأكد من أن البشر يحصلون بانتظام على ما يكفي من الغذاء عالي الجودة لقيادة حياة نشطة وصحية.

    وتحرص المنظمة على النهوض بنُهج متسقة لإدارة التربة والأراضي والمياه بشكل مستدام من أجل إطعام سكان العالم الآخذ عددهم في التزايد. ويشمل ذلك الأمن الغذائي؛ وصحة الإنسان وتغذيته؛ وجودة المياه وحوكمة وإدارة نظم إنتاج الأغذية؛ وتوفير خدمات النظم الإيكولوجية الزراعية الأساسية وصون التنوع البيولوجي؛ والتخفيف من حدة آثار تغير المناخ والتكيّف معها.

   وتساعد المنظمة، بفضل الشراكات والمشروعات والدراسات وتبادل المعلومات، على زيادة فهم العلاقات الفيزيائية الحيوية والاجتماعية والاقتصادية القائمة بين الموارد من الأراضي والمياه. ويكتسي ذلك أهمية حيوية من أجل إنتاج أفضل، وتغذية أفضل، وبيئة أفضل من أجل حياة أفضل. ويساعد النهج الذي تعتمده المنظمة على رفع مستوى الوعي بتدهور الموارد الناشئ عن الممارسات الزراعية غير المناسبة، على غرار تهيئة الأراضي للزراعة. كما يعزز الاستخدام الحصيف للمياه والابتكار والتكنولوجيات مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق التي تعاني من ندرة المياه..

  كما تساعد المنظمة على تحقيق المزيد من الاتساق في السياسات والبحوث لمكافحة تغير المناخ وحماية نظام إنتاجنا الأولي الذي يدعم الجزء الأكبر من الأغذية التي نستهلكها. وتساعد مجموعات الأدوات والمعلوماتية الرقمية والآنية الخاصة بها الحكومات والمزارعين والمستخدمين على إعداد السياسات القانونية والمالية وإتاحة الموارد الفنية لتحسين إدارة الأراضي والتربة والمياه.

اتجاهات مستقبلية

   تشكل موارد الأرض والتربة والمياه لإنتاج الغذاء جوهر النظام الغذائي العالمي، وتنتج أكثر من 95 % من الطعام الذي نتناوله. وسيعتمد الإنتاج الزراعي المستقبلي على التربة والأراضي وأنظمة المياه، والتي نحتاج إلى إيجاد تآزر أفضل من أجلها للحفاظ على استمرارها، وفق ما يقول التقرير.

   وتعد أيام الأرض والمياه (8-9 ديسمبر 2021)، التي نظمتها منظمة الأغذية والزراعة، فرصة لمناقشة الاتجاهات الشاملة الرئيسية ووجهات النظر العالمية والإقليمية بشأن موارد الأراضي والتربة والمياه. وتُظهر التقييمات والتوقعات والسيناريوهات الأخيرة من المجتمع الدولي استمرار وتزايد استنفاد التربة والأراضي وموارد المياه، وفقدان التنوع البيولوجي، وما يرتبط به من تدهور وتلوث، وندرة في الموارد الطبيعية الأولية.

  ويسلط التقرير الضوء على المخاطر والاتجاهات الرئيسية المتعلقة بالتربة والأراضي والمياه، ويقدم وسائل لحل المنافسة بين المستخدمين وتحقيق فوائد متعددة للأشخاص والبيئة. ويتطرق إلى تخطيط موارد الأراضي من أجل الإدارة المستدامة للأراضي، وإلى الإدارة المستدامة لموارد المياه العذبة من أجل الأمن الغذائي والتغذوي في الدول الجزرية الصغيرة النامية، وإلى نموذج AquaCrop – تحسين إنتاجية مياه المحاصيل، وأنظمة الزراعة المستقبلية.

  ويتضمن التقرير موضوعات عن التفكير في المستقبل من حيث مقاومة الجفاف وكوفيد-19 ومجموعة عمل الإطار العالمي بشأن ندرة المياه في الزراعة حول التأهب لمواجهة الجفاف، والحلول القائمة على الطبيعة في الزراعة، كالإدارة المستدامة وحفظ الأراضي والمياه والتنوع البيولوجي، ومدونة السلوك الدولية بشأن استخدام الأسمدة وإدارتها على نحو مستدام، والخطوط التوجيهية الطوعية للإدارة المستدامة للتربة.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى