الطاقة المتجددةتكنولوجيا

الاندماج النووي

طاقة نظيفة لا تنضب

  • تقدم كبير حصل في أبحاث الاندماج النووي لإنتاج طاقة آمنة ونظيفة لا تنضب ويمكن توفيرها بتكلفة مقبولة
  • التفاعل الاندماجي يكون منتجا للطاقة عندما تكون ظروف التفاعل مشابهة لتلك الظروف الموجودة في لب الشمس

 د. فخري حسن
أستاذ الفيزياء، جامعة الخليل، الخليل ( فلسطين)

   تعتبر الطاقة النووية خيارا مناسبا لتوفير طاقة نظيفة وآمنة للبشرية، غير أن تكنولوجيا الانشطار النووي المستخدمة حاليا خطرة وملوثة للبيئة. وقد حدث تقدم كبير في أبحاث الاندماج النووي  في السنوات الماضية، والطاقة الناتجة عن الاندماج النووي آمنة ونظيفة ولا تنضب، ويعتقد العلماء بإمكانية توفيرها قريبا بتكلفة مقبولة بعيدا عن الملوثات والأخطار.

الطاقة النووية

  تحوي نواة الذرة نوعين من الجسيمات هما البروتونات والنيوترونات، ويطلق عليهما اسم مشترك هو نوية (نيوكليون) nucleon. تتماسك النويات بطاقة ربط كبيرة جدا داخل النواة، نتيجة لكبر القوة النووية التي تتجاذب بها النويات. وتزداد طاقة الربط لكل نوية داخل النواة  في حالة النوى الخفيفة مع زيادة كتلتها إلى أن تصل إلى أكبر قيمة لها عند عنصر الحديد، ثم تبدأ الطاقة بالتناقص مع زيادة الكتلة في حالة العناصر الثقيلة. يمكن الحصول على الطاقة النووية إما بشطر أو تقسيم النواة الكبيرة (مثل اليورانيوم) إلى نوى أصغر، أو بدمج النوى الخفيفة (مثل نوى الهيدروجين والهليوم) لإنتاج نوى أكبر. تعرف العملية الأولى بالانشطار النووي والثانية بالاندماج النووي.

الاندماج النووي

تعتبر الشمس وبقية النجوم مفاعلات اندماج نووي طبيعية، إذ تندمج نوى الهيدروجين الموجود بكثرة في لب الشمس لإنتاج نوى الهيليوم وطاقة كبيرة يصل إلى الأرض جزء بسيط منها. وهذه الطريقة بحاجة للهيدروجين (بدلا من اليورانيوم) وهو غير مشع وتتوفر كميات هائلة منه في مياه المحيطات والبحار. وينتج عن هذا التفاعل مواد مشعة قليلة تدوم إشعاعاتها لفترة قصيرة نسبيا مما يسهل التخلص من أضرارها. والتفاعل غير متسلسل ولا يشكل أي خطورة إذ إنه يتوقف تلقائيا عند حدوث أي خلل. وتظهر الحسابات أن الطاقة الناتجة عن اندماج  كيلوغرام واحد  من الهيدروجين تعادل الطاقة الناتجة عن احتراق نحو عشرة آلاف طن من الوقود التقليدي. ولا يوجد حاليا أي مفاعل اندماج نووي منتج للطاقة بسبب صعوبة تحقيق الشروط اللازمة لذلك، والتي تتحقق في لب الشمس.

شروط الاندماج النووي

  يكون التفاعل الاندماجي منتجا للطاقة عندما تكون ظروف التفاعل مشابهة لتلك الظروف الموجودة في لب الشمس. ومفاعل الاندماج النووي يماثل صناعة شمس صغيرة على الأرض، وهذا الأمر صعب ومعقد. والشروط الواجب تحققها فيه هي:

(1) تحدث عملية الاندماج النووي بين نوى الذرات (البروتونات في حالة ذرة الهيدروجين)، ومن ثم يجب فصل الإلكترونات عن ذراتها. وينتج عن هذه العملية مزيج من الجسيمات المشحونة (إلكترونات وبروتونات) تعرف بالبلازما. وعملية الحصول على البلازما أول الشروط المطلوبة للحصول على الطاقة.

(2) يجب أن تكون كثافة البلازما كبيرة جدا لتقترب البروتونات من بعضها بعضا ويزداد احتمال التفاعل الاندماجي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ضغط هائل يسلط على البلازما. تنتج الكثافة الهائلة في لب الشمس 1022  جسيم في المليمتر المربع بسبب قوة جاذبيتها الهائلة. ويعتقد العلماء أن كثافة 1011 جسيم في المليمتر المربع كافية لإنتاج طاقة في مفاعل الاندماج النووي.

 (3) تحدث عمليات اندماج البروتونات في لب الشمس عند درجة حرارة مساوية لنحو 15 مليون درجة سيليزية. ومثل هذه الحرارة ضرورية لتتغلب البروتونات على قوة التنافر الكهربائي وتتصادم لتندمج. ولما كانت كثافة بلازما لب الشمس أكبر كثيرا من الكثافة في لب المفاعل، فإن درجة حرارة لب المفاعل يجب أن تكون أكبر من ذلك. ويعتقد العلماء أن درجة حرارة لب المفاعل يجب أن تكون أضعاف ذلك، وربما تكون 100 مليون درجة سيليزية أو أكثر.  وقد تمكن العلماء حديثا من الوصول إلى درجة حرارة قدرها 35 مليون درجة سيليزية.

 (4) يجب أن تحتفظ البلازما بحجم ثابت، وطاقتها التي تزود بها لفترة زمنية مناسبة. ويمكن استخدام مجال مغناطيسي ضخم للتحكم في حجم البلازما وحركتها بعيدا عن الجدران التي قد تؤدي ملامستها إلى خفض درجة حرارة البلازما، ومن ثم إلى نقصان  في طاقتها. وتظهر الحسابات أن بضع ثوان كافية لإنتاج الطاقة في مفاعل الاندماج النووي. ومن المهم أيضا الحفاظ على استمرار التفاعل الاندماجي .

  ويأمل العلماء الحصول على طاقة الاندماج النووي بصورة اقتصادية خلال السنوات المقبلة. ويرى بعضهم إمكان تحقيق الشروط السابقة من خلال مفاعل الاندماج النووي الدولي العملاق(iter) الذي يجري العمل به حاليا، حيث يقدر زمن استقرار الطاقة  في المفاعل بنحو خمس ثوان ودرجة الحرارة بنحو 150 مليون درجة.

مفاعل الاندماج النووي العالمي

تعود فكرة بناء المفاعل إلى عام 1985  في مؤتمر جنيف بين رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء الاتحاد السوفييتي حينذاك. وتبلورت الأمور بصورة عملية في عام 2005 حين قررت 35 دولة بناء المفاعل بجنوب فرنسا. وأطلق على المفاعل اسم : المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي  International Thermonuclear Experimental Reactor  (iter). بدأ العمل في المشروع عام 2010 ويتوقع الانتهاء منه قريبا. ويتوقع أن تبدأ عمليات تسخين البلازما في عام (2025) على أن يعمل المفاعل بكامل طاقته بعد ذلك بعشر سنوات. سيعمل المفاعل على دمج نوى نظيري الهيدروجين الديتيريوم والتريتيوم التي يوجد منها كميات رخيصة تكفي لملايين السنين. ويعمل في المشروع 250 من علماء الفيزياء. وسيحتاج المفاعل لنحو 50 مليون وات لعمله وسينتج عشرة أضعاف هذه الطاقة.

   يتكون قلب المفاعل من حاوية (أو وعاء)  مفرغة من الهواء ذات شكل أسطواني حلقي تحوي البلازما بداخلها. ويتكون جدارها المزدوج من الحديد الصلب بنصف قطر داخلي قدره 6.5 متر، ويحيط بالحلقة 18 مغناطيسا فوق موصل لحجز حركة البلازما والتحكم فيها بعيدا عن الجدران.

يطلق على هذا التركيب للمفاعل اسم  توكاماك  Tokamak، وهو اسم استخدمه للمرة الأولى عالم روسي في منتصف القرن الماضي. يحيط بكل ذلك صندوق ضخم تحت درجة حرارة منخفضة جدا ومناسبة لعمل المغناطيسات و لعزل المفاعل عن الظروف الخارجية. يتوقع العلماء أن تبلغ حرارة لب المفاعل نحو 150 مليون درجة سيليزية، وأن يكون زمن استقرار الطاقة خمس  ثوان كافية لحدوث التفاعل الاندماجي وإنتاج الطاقة النووية المطلوبة.

هنالك تقنية أخرى للاندماج النووي باستخدام نبضات قوية جدا من أشعة الليزر. استخدمت هذه الطريقة لدمج البروتونات مع نوى البورون لإنتاج نوى الكربون المثارة التي تتفتت وتتحول إلى جسيمات ألفا (نوى ذرات الهيليوم) وطاقة كبيرة جدا يمكن تحويلها مباشرة إلى طاقة كهربائية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق