أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم البيئيةالعلوم الطبيعية

الإنتاجية الزراعية .. تباطؤ كبير بسبب تغير المناخ

تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري أدى إلى تباطؤ نمو الإنتاجية الزراعية العالمية بنسبة 21%، ما يعادل خسارة نحو سبع سنوات من زيادة تلك الإنتاجية ‎.‎

د. طارق قابيل
كاتب علمي – عضو هيئة التدريس في كلية العلوم بجامعة القاهرة

على الرغم من التقدم التكنولوجي في الزراعة، مثل المحاصيل المحسنة والمعدلة وراثيًا وأنظمة الري، مازال المناخ أحد العوامل الرئيسية في الإنتاجية الزراعية. فتغير المناخ الناتج عن النشاط البشري أدى إلى تباطؤ نمو الإنتاجية الزراعية العالمية بنسبة 21%، ما يعادل خسارة نحو سبع سنوات من زيادة الإنتاجية الزراعية ‎.‎ ووفق تقرير أعدته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) كان عام 2020 من أكثر ثلاثة أعوام حرارة سجلت في التاريخ. وعلى الرغم من عصف الطقس المتطرف وجائحة كوفيد-19 معاً بملايين الأشخاص، فقد عجز التباطؤ الاقتصادي المرتبط بالجائحة عن كبح عوامل تغيّر المناخ وتسارع آثاره.

 الزراعة وتغير المناخ

 تغير المناخ والزراعة هما عمليتان مترابطتان، إذ يؤثر تغير المناخ في الزراعة بعدة طرق منها: التغيرات في معدلات الحرارة، هطول الأمطار، التقلبات المناخية الشديدة (مثل: موجات الحر والصقيع)؛ التغيرات في مستوى سطح البحر؛ التغيرات في طبيعة الآفات والأمراض؛ التغيرات في نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي وتركيزات طبقة الأوزون القريبة من سطح الأرض؛ والتغيرات في الجودة الغذائية لبعض الأطعمة.

تظهر تأثيرات المناخ في الزراعة بشكل متفاوت في جميع أنحاء العالم، وربما يؤثر تغير المناخ في المستقبل بشكل سلبي على إنتاج المحاصيل، ويزيد من خطر انعدام الأمن الغذائي لبعض الفئات الضعيفة، مثل الفقراء.

تساهم الزراعة في التغير المناخي سواء من خلال انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة من النشاط البشري أو من خلال تحويل الأراضي غير الزراعية مثل الغابات إلى أراض زراعية. وقد يقلل وضع مجموعة من السياسات من خطورة التأثير السلبي للمناخ في الزراعة، وخطورة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة من قطاع الزراعة.

إن تأثير المناخ في الزراعة يرتبط بالمتغيرات الطارئة على أنماط المناخ المحلية أكثر من ارتباطه بأنماط المناخ العالمية. فلقد زادت حرارة سطح الأرض بنحو 0.83 درجة مئوية منذ عام 1880. ومن ثم، يرى الخبراء الزراعيون أن أي تقييم يجب أن يدرس كل منطقة محلية على حدة.

تعقيدات الزراعة المستدامة

تقدم التغيرات في دراسة الأحداث البيولوجية للمحاصيل ودراسة الظواهر الطبيعية التي تتكرر بشكل دوري والكيفية التي ترتبط بها هذه الظواهر بالتغيرات المناخية والموسمية دليلًا مهمًا على الاستجابة للتغير في المناخ الإقليمي، ولوحظ وجود تقدم كبير في دراسة الأحداث البيولوجية للزراعة والغابات في أجزاء كبيرة من نصف الكرة الشمالي.

تُظهر البحوث أن تأثير تغير المناخ سيضيف مستوى من التعقيد لمعرفة كيفية الحفاظ على الزراعة المستدامة، إذ أظهرت الدراسات أن أكبر تداعيات تغير المناخ على انتشار الممرضات هو أن التوزيع الجغرافي للمضيفات والممرضات قد يتغير، ما قد يؤدي إلى المزيد من خسائر المحاصيل، ويؤثر في المنافسة والتعافي من اضطرابات النباتات.

ويوثق تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مؤشرات النظام المناخي، بما فيها تركيزات غازات الاحتباس الحراري، وزيادة درجات الحرارة في البر والمحيطات، وارتفاع مستوى سطح البحر، وذوبان الجليد وتراجع الأنهار الجليدية، والطقس المتطرف. ويبرز الآثار على التنمية الاجتماعية الاقتصادية، والهجرة والنزوح، والأمن الغذائي، والنظم الإيكولوجية البرية والبحرية.

جائحة كوفيد-19

في عام 2020، أضافت جائحة كوفيد-19 بعداً جديداً وغير مرحب به إلى المخاطر المتعلقة بالطقس والمناخ والماء، مع آثار مشتركة واسعة النطاق على صحة الإنسان ورفاهيته. وأدت القيود المفروضة على التنقل، والركود الاقتصادي، والاضطرابات التي يشهدها القطاع الزراعي إلى تفاقم آثار الظواهر المناخية والأحوال الجوية المتطرفة على امتداد سلسلة الإمدادات الغذائية بكاملها، مما أدى إلى ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي وتباطؤ عمليات تقديم المساعدات الإنسانية. وأدت الجائحة أيضاً إلى اضطرابات في عمليات رصد الطقس وتعقيد الجهود الرامية إلى الحد من مخاطر الكوارث.

ويوضح التقرير الكيفية التي يشكل بها تغير المناخ خطراً على تحقيق العديد من أهداف التنمية المستدامة عن طريق سلسلة متتالية من الظواهر المترابطة. فبعد عقود من التراجع، أدت الصراعات والتباطؤ الاقتصادي، فضلاً عن تقلب المناخ وظواهر الطقس المتطرفة، إلى تفاقم حالات انعدام الأمن الغذائي. وبين عامَي 2008 و2018، كلفت آثار الكوارث القطاعات الزراعية في اقتصادات البلدان النامية أكثر من 108 بلايين دولار من المحاصيل والماشية المفقودة أو التالفة.

ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، فقد ازداد عدد الأشخاص المصنفين على أنهم يعانون أزمات وحالات طوارئ ومجاعات إلى نحو 135 مليون شخص في 55 بلداً. وقد شلت آثار جائحة كوفيد-19 الزراعة والنظم الغذائية، مما أضر بمسارات التنمية والنمو الاقتصادي.

وفي عام 2020، أضرت الجائحة مباشرةً بالعرض والطلب الغذائيين، مع حدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد المحلية والوطنية والعالمية، مما أخل بالقدرة على الحصول على المحاصيل الزراعية والموارد والخدمات اللازمة للحفاظ على الإنتاجية الزراعية وضمان الأمن الغذائي. ووفقاً لمنظمة (الفاو)، فقد ظهرت تحديات كبيرة أمام إدارة انعدام الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم نتيجة للقيود المفروضة على الحركة التي تفاقمت بسبب الكوارث المتصلة بالمناخ.

انخفاض الإنتاجية الزراعية

على الرغم من التطورات الزراعية المهمة لإطعام العالم في السنوات الستين الماضية، فقد أظهرت دراسة ‏ أجريت مؤخرا، وشاركت فيها ثلاث جامعات أمريكية، أن إنتاجية الزراعة العالمية انخفضت بنسبة 21% عما كان يجب أن تكون عليه من دون تغير المناخ، وهذا يعادل خسارة قدرها نحو سبع سنوات من زيادة الإنتاجية الزراعية منذ الستينات.

أجريت الدراسة المفصلة التي نشرتها دورية نيتشر كلايمت تشينج Nature Climate Change في إبريل عام 2021 لتحديد آثار تغير المناخ من صنع الإنسان على نمو الإنتاجية الزراعية العالمية باستخدام نموذج قوي لتأثيرات الطقس في الإنتاجية، وأظهرت انخفاضا بنسبة 21% في الإنتاجية الزراعية العالمية منذ عام 1961، وهو ما يعادل، وفقا للباحثين، خسارة السنوات السبع الأخيرة كاملة من نمو الإنتاجية.

  وأظهرت نتائج الدراسة أن الزراعة العالمية أصبحت أكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ المستمرة، مع تضرر المناطق الأكثر دفئا مثل أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وأن هذه المناطق شهدت بالفعل تباطؤا في النمو بنسبة 26-34%، في حين يبدو أن الولايات المتحدة أقل تأثرا، مع تباطؤ في النمو بما بين 5-15%.

تم تحديد التأثيرات المستقبلية المحتملة لتغير المناخ في الإنتاج العالمي للمحاصيل في العديد من التقارير العلمية، لكن التأثير التاريخي لتغير المناخ بسبب النشاط البشري المؤثر في القطاع الزراعي لم يتم تحديده بعد.

طور العلماء والاقتصاديون في الدراسة الجديدة نموذجا اقتصاديا قياسيا شاملا يربط التغيرات السنوية في الطقس ومقاييس الإنتاجية بالمخرجات من أحدث النماذج المناخية على مدار ستة عقود، لتحديد تأثير التغير المناخي الأخير الذي يسببه الإنسان في مقياس الإنتاجية الإجمالية للقطاع الزراعي.

واعتمد الباحثون على تقدير إجمالي إنتاجية العامل، وهي عملية حسابية تُستخدم لقياس نمو الصناعة، في هذه الحالة الزراعة. ومع ذلك، تعتبر الزراعة صناعة فريدة لأن المدخلات التي تحدد الإنتاجية لا تكون جميعها تحت سيطرة المزارع المباشرة، مثل الطقس على سبيل المثال. وتبين لهم أن التباطؤ يعادل الضغط على زر الإيقاف المؤقت لنمو الإنتاجية في عام 2013 دون أن يشهد أي تحسينات منذ ذلك الحين.

معالجات واعدة

 نظر الباحثون في أكثر من 200 اختلاف منهجي في نموذج الاقتصاد القياسي، ومع ذلك فقد ظلت النتائج متسقة إلى حد كبير. وتبين لهم أن البشر غيروا بالفعل نظام المناخ، حيث يشير علم المناخ إلى أن الكرة الأرضية أكثر دفئا بمقدار درجة واحدة مئوية مقارنة بغازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.

   وأظهرت الدراسة أن العوامل المتعلقة بالمناخ والطقس كان لها بالفعل تأثير كبير في الإنتاجية الزراعية؛ فعندما يتخذ مزارع قرارًا اقتصاديًا مثل ما سيتم زراعته في شهر يونيو، فلن يُعرف بالضرورة نتيجة هذا القرار إلا بعد مرور ستة أشهر، لذلك هناك فاصل واضح بين المدخلات والمخرجات، والأحداث العشوائية مثل الطقس قد تؤثر بشدة في ذلك. والإنتاجية هي أساسًا حساب المدخلات الخاصة بك مقارنة بمخرجاتك، وفي معظم الصناعات، فإن الطريقة الوحيدة لتحقيق النمو هي باستخدام المدخلات الجديدة. لم يدرج قياس الإنتاجية الزراعية بيانات الطقس تاريخيًا، لكن الباحثين كانوا يرغبون في أن يروا اتجاهات هذه المدخلات الخارجة عن سيطرة المزارعين.

 وتتيح الدراسة مقارنة التأثيرات الأمريكية بالنسبة إلى مناطق أخرى من العالم، فالتأثيرات بالنسبة للولايات المتحدة قابلة للقياس وسلبية، لكنها تبدو أقل بكثير من المناطق الأخرى، ولا سيما أفريقيا. وهذا الأمر يعطي الباحثين فكرة عن الاتجاهات للمساعدة على معرفة ما يجب فعله في المستقبل مع التغيرات الجديدة في المناخ التي تتجاوز ما رأيناه سابقًا. ويتوقع أن يكون لدينا نحو 10 بلايين شخص لإطعامهم بحلول عام 2050، لذا يجب التأكد من أن إنتاجية العالم ليست مستقرة فحسب، بل تنمو بشكل أسرع من أي وقت مضى .

قفزة كبيرة

  تظهر نتائج الدراسة أن جهود التكيف يجب أن تنظر إلى سلسلة التوريد بكاملها، بما في ذلك العمالة والثروة الحيوانية. وحينما تصبح الزراعة أكثر آلية وتعقيدًا، فإن الحساسية تجاه الطقس لا تختفي.

   وتعد هذه الدراسة قفزة كبيرة إلى ما وراء التركيز التقليدي على عدد قليل من محاصيل الحبوب الرئيسية؛ فبالنظر إلى النظام بكامله – الحيوانات والعمال والمحاصيل المتخصصة – يمكننا أن نرى أن الاقتصاد الزراعي حساس جدًا للطقس. ويبدو أنه في الزراعة فإن كل شيء يصبح أكثر صعوبة عندما يكون الجو أكثر سخونة.

ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة “تغير المناخ والأرض”، سترتفع أسعار المواد الغذائية بنسبة 80% بحلول عام 2050، ومن المرجح أن تحدث حالات نقص في الغذاء لاسيما في الأجزاء الأكثر فقراً في العالم. ولتفادي الجوع، وعدم الاستقرار، وموجات جديدة من اللاجئين البيئيين، ستكون هناك حاجة إلى مساعدة دولية للبلدان التي ستفقد الأموال لشراء ما يكفي من الغذاء ولوقف الصراعات أيضًا.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى