أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم البيئيةالعلوم الطبيعية

إصلاح النظم الإيكولوجية.. أمان السكان والطبيعة والمناخ

تدهور كوكب الأرض يؤثر في رفاهية نحو 3.2 بليون شخص، أي 40 % من سكان العالم، ويفقد العالم كل سنة خدمات للنظم الإيكولوجية تمثل أكثر من 10 % من ناتجه الاقتصادي العالمي

أحمد عبد الحميد
محرر وكاتب علمي

   في الوقت الذي يشهد فيه العالم موجة غير معهودة من التغيرات الطبيعية، كالفيضانات والجفاف والحرارة الشديدة، تتعالى صيحات المنظمات الأممية المعنية داعية الدول والمجتمعات إلى بذل كل الجهود الممكنة من أجل الحد من تأثير الأنشطة البشرية في الكائنات الحية، ووقف كل أنواع التلوث التي تفتك بتلك الكائنات، والمحافظة – ما أمكن – على البيئة وصون مواردها الطبيعية.

   وفي ضوء التهديد الثلاثي لكوكب الأرض وكائناته الحية الذي يطرحه تغير المناخ وفقدان الطبيعة والتلوث، يجب على المجتمع الدولي الوفاء بالتزامه بإصلاح بليون هكتار من الأراضي المتدهورة على الأقل في العقد الحالي (2021-2030) للمحافظة على الحياة على الأرض، وهي مساحة تعادل مساحة الصين تقريبًا. كما يتعين عليه إضافة التزامات مماثلة بالنسبة إلى المحيطات التي تشهد تدهورا هائلا بسبب التلوث الجائر.

      ووفق تقرير جديد أصدره كل من برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، فإن العالم يشهد حاليا استخدام البشرية نحو 1.6 ضعف كمية الخدمات التي يمكن أن تتيحها الطبيعة بصورة مستدامة. وهذا يعني أن جهود صون البيئة وحدها غير كافية للحيلولة دون حدوث انهيار واسع النطاق للنظم الإيكولوجية وفقدان التنوع البيولوجي. وتقدر تكاليف إصلاح الأراضي في العالم – بما لا يشمل تكاليف إصلاح النظم الإيكولوجية البحرية – بمبلغ لا يقل عن 200 بليون دولار أمريكي في السنة بحلول عام 2030.

   ويذكر التقرير الذي تزامن إصداره مع إطلاق عقد الأمم المتحدة لإصلاح النظم الإيكولوجية 2021-2030، ونشر بعنوان (جيل الإصلاح: إصلاح النظم الإيكولوجية من أجل السكّان والطبيعة والمناخ)، فإن كل دولار أمريكي يستثمر في عملية الإصلاح يؤدي إلى 30 دولارًا أمريكيًا من المنافع الاقتصادية.

   ويعتبر عقد الأمم المتحدة لإصلاح النظم الإيكولوجية 2021-2030 نداءً لتعبئة الجهود بهدف حماية النظم الإيكولوجية وإعادة إحيائها في مختلف أرجاء العالم، لما فيه صلاح السكان والطبيعة. ويسعى العقد إلى وقف تدهور النظم الإيكولوجية وإصلاحها لتحقيق أهداف عالمية. وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة فبل مدة عن عقد الأمم المتحدة، ويأخذ بزمام قيادته برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. ويعكف عقد الأمم المتحدة على بناء حركة عالمية قوية وواسعة النطاق لتسريع وتيرة عملية الإصلاح ووضع العالم على مسار مستقبل يتسم بالاستدامة. وسيشمل ذلك بناء زخم سياسي لعمليات الإصلاح، إضافة إلى آلاف المبادرات على أرض الواقع.

النظم الإيكولوجية

   تشمل النظم الإيكولوجية التي تقتضي بشكل عاجل عملية إصلاح الأراضي الزراعية والغابات والمراعي والسافانا والجبال وأراضي الخث والمناطق الحضرية والمياه العذبة والمحيطات. أما المجتمعات المحلية التي تعيش في مساحة تقدير بنحو بليوني هكتار من الأراضي المتدهورة تقريبًا فتعتبر من أشد الفئات فقرًا وتهميشًا في العالم.

  ويطرح التقرير الأسباب التي تدفع البشر إلى دعم الجهود المبذولة في مجال الإصلاح على الصعيد العالمي، ويحدد الدور المهم الذي تؤديه النظم الإيكولوجية، من الغابات والأراضي الزراعية إلى الأنهار والمحيطات، ويتطرق إلى الخسائر المتكبدة جراء سوء إدارة الكوكب.

   ويؤثر تدهور كوكب الأرض فعلًا في رفاهية نحو 3.2 بليون شخص، أي 40 % من سكان العالم. ويفقد العالم كل سنة خدمات للنظم الإيكولوجية تمثل أكثر من 10 % من ناتجه الاقتصادي العالمي. لكن هناك مكاسب كثيرة تنتظر البشر إذا عملوا على قلب مسار هذه الاتجاهات.

وقف التدهور وقلب مساره

   إن إصلاح النظم الإيكولوجية يتمثل في عملية وقف التدهور وقلب مساره، بما يؤدي إلى زيادة نظافة الهواء والماء، وإلى التخفيف من حدة الظواهر الجوية القصوى، وتحسين صحة البشر، واستعادة التنوع البيولوجي، بما في ذلك تحسين تلقيح النباتات.

   ووفق التقرير الأممي فإن عملية الإصلاح تنطوي  على مجموعة واسعة من الممارسات؛ من إعادة التحريج إلى إعادة ترطيب أراضي الخث وإعادة تأهيل الشعاب المرجانية، وتساهم في بلوغ العديد من أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك الصحة والمياه النظيفة والسلام والأمن، وفي تحقيق أهداف (اتفاقيات ريو) الثلاث بشأن المناخ والتنوع البيولوجي والتصحر.

ويدعو التقرير إلى اتخاذ إجراءات تسهم في منع التدهور ووقفه وعكس مساره، لتحقيق هدف (اتفاق باريس) الذي وقعته معظم دول العالم، والمتمثل في الإبقاء على ارتفاع درجة الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين. ويمكن لعملية الإصلاح أن تساعد، في حال اقترانها بوضع حد لتحويل النظم الإيكولوجية الطبيعية، على تفادي نحو 60 % من حالات الانقراض المتوقع للتنوع البيولوجي، وربما تكون فعالة جدا في تحقيق العديد من المنافع الاقتصادية والاجتماعية والإيكولوجية في آن واحد. فعلى سبيل المثال، بإمكان الحراجة الزراعية وحدها زيادة الأمن الغذائي لنحو 1.3 بليون شخص، في الوقت الذي ستساعد فيه الاستثمارات في الزراعة وحماية أشجار المنغروف وإدارة المياه على التكيف مع آثار تغير المناخ، مع ما يترتب عن ذلك من فوائد تقارب أربعة أضعاف الاستثمار الأصلي.

مبادرات الإصلاح

يعتبر رصد جهود الإصلاح بشكل موثوق أمرًا لا غنى عنه لتتبع التقدم المحرز واستقطاب الاستثمارات الخاصة والعامة على السواء. ووفق التقرير الأممي فإن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة يطلقان دعمًا منهما لهذا الجهد. ويتمثل ذلك في المركز الرقمي لعقد الأمم المتحدة الذي يتضمن إطار رصد إصلاح النظم الإيكولوجية.

   وبفضل هذا الإطار، يمكن للبلدان والمجتمعات المحلية قياس التقدم المحرز في مشروعات الإصلاح في مختلف النظم الإيكولوجية الرئيسية، ممّا يساعد على بناء روح المسؤولية والثقة في جهود الإصلاح. كما ينطوي على منصة مبادرات إصلاح الأراضي الجافة التي تتولى جمع البيانات وتحليلها وتبادل الدروس المستخلصة وتساعد على تصميم مشروعات إصلاح الأراضي الجافة، وعلى أداة تفاعلية لرسم الخرائط الجغرافية المكانية لتقييم أفضل المواقع لإصلاح الغابات.

ويرى التقرير أن عملية إصلاح النظم الإيكولوجية يجب أن تشرك جميع أصحاب المصلحة، ولاسيما الأفراد والأعمال التجارية والجمعيات والحكومات. ومن الأهمية بمكان أن تحترم احتياجات الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية وحقوقها، وأن تدمج معارفها وخبراتها وقدراتها لضمان تنفيذ خطط الإصلاح واستدامتها.

ماهية عملية الإصلاح

عملية إصلاح النظم الإيكولوجية تعني المساعدة على استعادة الهيئة الأولى للنظم الإيكولوجية التي تدهورت أو تدمّرت، إلى جانب الحفاظ على النظم الإيكولوجية التي ما زالت سليمة. فالنظم الإيكولوجية التي تتسم بأنها سليمة الصحة، وتحظى بثراءٍ في التنوع البيولوجي، تعود علينا بفوائد أعظم ومن بينها تربة أكثر خصوبة، ومردود أكبر من الأخشاب والأسماك، ومخازن أوسع لغازات الدفيئة.

 ويحدث إصلاح النظم بطرق شتى، منها ما تكون بالزراعة النشطة، أو برفع الضغوط عن الطبيعة حتى تتعافى بنفسها. غير أنه لا يمكن دائماً، أو لا يُستحسن، إعادة نظامٍ إيكولوجي إلى حالته الأصلية. فنحن لا نزال في حاجةٍ إلى الأراضي الزراعية وإلى البنية التحتية في الأرض التي كانت ذات يوم غابةً مثلاً، ويتعيّن على النظم الإيكولوجية مثل المجتمعات البشرية أن تتكيف مع تغير المناخ.

   إن إصلاح نحو 350 مليون هكتار من النظم الإيكولوجية البرية والمائية، من الآن وحتى عام 2030، قادر على توليد تسعة تريليونات دولار أمريكي من الخدمات التي تنطوي عليها تلك النظم. وبمقدور عملية الإصلاح أيضاً أن تزيل من الجو ما بين 13 و26 جيغاطن من غازات الدفيئة؛ أي إنّ المنافع الاقتصادية لمثل هذه التدخلات تتجاوز تكلفة الاستثمار بتسعة أضعاف، أما إهمال الإصلاح فتكلفته أكثر من استعادة النظام الإيكولوجي بثلاثة أضعاف على الأقل.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى