أمن المعلومات

أمن المعلومات

في عصر الثورة الرابعة

د. صفاء زمان

تؤدي الثورات التكنولوجية دورا مهما في رسم الخطوط العريضة للمستقبل، وتؤثر في جميع مجالات الحياة، ولاسيما الاقتصاد، فضلا عن تأثيرها في رسم الخريطة السياسية للعالم. وأصبحت تلك الثورات الأداة الرئيسية التي ظهرت من خلالها دول افتراضية عظمى أدارت العالم بواسطة إدارات إلكترونية تعمل بالنانو، أو تقنيات صغيرة تتحكم في الروبوتات، أو نظم تحليلية تجسد المستقبل لتتحول التكنولوجيا إلى هاجس يؤرق الدول النامية والأمم المتخلفة. فهي الأداة التي يمتلكها الأقوياء القادرون على حل شيفرة التقنية للتحكم في بياناتها ولاسيما في الحقبة الجديدة من تاريخ البشرية، وهي الثورة الصناعية الرابعة التي اجتاحت كيان العالم بقوة معلنة عن اختزال العالم في التقنيات الرقمية، والأنظمة الذكية وتحليل البيانات الضخمة، وغيرها من تطورات تكنولوجية.

ويرى الخبراء أنه سيكون لهذه الثورة تداعيات مؤثرة في مختلف الصناعات والخدمات، فمن ذلك أنه بحلول عام 2025 سيكون 10 % من الملابس التي يرتديها الناس متصلة بشبكة الإنترنت، وستكون الروبوتات عضوا فاعلا في مجالس إدارات المؤسسات، وسيتم زراعة القلوب المصنعة باستخدام تكنولوجيا الطباعة الثلاثية الأبعاد في أجساد المرضى!

الآلة أم الإنسان 

إن إحلال الآلة بدلا من الإنسان يعتبر من أبرز هواجس الثورة الصناعية الرابعة، فقد تتسبب في خسارة وظائف كثيرة، فهذه التقنيات اقتحمت جميع المجالات؛ فمن أنظمة تحليلية معقدة تقوم بالتشخيص الطبي إلى روبوتات ذكية تؤدي مهام الإنسان، ومركبات ذاتية القيادة، وغيرها الكثير. الأمر الذي قد يساعد على اختفاء صناعات عدة، وينذر بحدوث اختراقات كبيرة في مجال المعلومات السرية التي تملكها الصناعات الحديثة المعتمدة كليا على الآلات.

لا شك في أن الثورة الصناعية الرابعة تعد بتغييرات شاملة في أنماط الحياة، وتثير تحديات وهواجس مقلقة من حدوث صدمات كبيرة تفرض وضع إطار لتنسيق جهود العالم للتعامل معها، لاسيما فيما يتعلق بأمن المعلومات، ويعوق نقص مهارات تكنولوجيا المعلومات في بعض القطاعات وبعض الأسواق مسار هذا التحول الرقمي ولاسيما في الدول النامية، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى غيرها من الدول وتحت مراقبتها المباشرة، ومن ثم تكون بياناتها عرضة للسرقة والاختراق والاستخدام غير الآمن، مما يستدعي وضع خطط مناسبة للحفاظ على سرية المعلومات وعدم اختراقها.

ويرى الخبراء أن هناك حاجة إلى بلورة رؤية مشتركة حول كيفية إعادة توجيه وتشكيل التطورات التكنولوجية لبيئتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية، من خلال وضع الإنسان في أولوية الاهتمامات واستغلال الخدمات السخية التي تقدمها لنا الثورة الصناعية الرابعة من أجل تعزيز القيمة الفكرية الإبداعية التي تستوعب جميع الفئات والمجتمعات.

غول الجرائم الإلكترونية

تعد الجرائم الإلكترونية الغول المهدد لدمار هذه المدنية العظيمة؛ فمع تصاعد الفكر الرقمي وتعقد النظم، ارتفع مستوى الهجمات الإلكترونية، ومن ثم تزايدت إمكانات التهديد التي بدأت بترصد الأنظمة الرقمية والكيانات التقنية وبخاصة وسط الوضع السياسي غير المستقر لبعض البلدان، فتشكلت عصابات ومؤسسات ضخمة في مجال الجرائم الإلكترونية والاختراقات، وساعدها على إنجاز أهدافها انخراط التكنولوجيا بصورة كبيرة في تفاصيل حياة الشعوب، من خلال انتشار الأجهزة الذكية والشبكات الاجتماعية.

فقد كبدت الهجمات الإلكترونية دول العالم 280 بليون دولار عام 2017، فيما ارتفع عدد الشركات التي تعرضت لهذه الهجمات بنسبة 20 % مقارنة بالسنوات السابقة.

وكان قطاع الخدمات المالية والاستثمار الأكثر عرضة للهجمات بنسبة 46 %، يليه قطاع الرعاية الصحية بنسبة 24 %، ثم قطاع الطاقة بنسبة 23 %.

وتعد منطقة الشرق الأوسط، من بين الأكثر تضررا في العالم، من الهجمات الإلكترونية. وبحسب تقارير عالمية فإن 56 % من شركات المنطقة تعرضت أخيرا لهجمات إلكترونية أسفرت عن خسائر كبيرة في المال والسمعة والمكانة.

ويظل هناك المزيد من الأرقام المثيرة للقلق، فنحو نصف المديرين التنفيذيين في الخليج الذين استطلعت آراؤهم إحدى الدراسات اعترفوا بعدم قدرتهم على كبح الهجمات الإلكترونية، فالموقع الجغرافي لهذه المنطقة والانتعاش الاقتصادي يسهمان في جعلها عرضة للهجمات الإلكترونية، التي يروح ضحيتها الشركات والأفراد على حد سواء.

وتعتبر حماية البيانات أحد العناصر المهمة لنجاح عمل أي شركة أو مؤسسة واستمرارها، وفي حال حدوث أي اختراق فإن هذا يؤدي إلى إحداث أضرار جسيمة قد تؤدي إلى دمارها من خلال المساس بسمعتها أو تسريب بيانات حساسة قد تكبدها خسائر مالية كبيرة. وإذا لم يتم التعامل مع هذه الحوادث بصورة سريعة وصحيحة فقد يؤدي ذلك إلى شلل المؤسسة بصورة كاملة. ومن هذا المنطلق تظهر أهمية أن تكون البنية التحتية الأمنية لتكنولوجيا المعلومات محمية بصورة كاملة وبطريقة صحيحة تتوافق مع أنظمة الجيل الجديد من الحوسبة السحابية (Cloud Systems) و المنصات الإلكترونية (Web Portal) وغيرها من الأنظمة التي ربما تجعلها في عملية مخاض دائم لحماية بياناتها.

الحروب الإلكترونية

ومع بزوغ الثورة الصناعية الرابعة ظهرت مرحلة ثالثة للحرب الإلكترونية تتسم بالشراسة الشديدة والتعقيد الكبير، وتتمثل في إرسال هجمات بين الدولة بعضها ببعض، الأمر الذي يؤدي إلى خسائر اقتصادية وخسائر في البنية التحتية أيضًا، مما يعد نوعًا من استنزاف الموارد باستخدام الحرب الإلكترونية بدلاً من حروب الاستنزاف العسكرية التي اعتمدتها الجيوش قديمًا كتكتيك حربي.

إن التطور النوعي في مسارات الحياة وطبيعتها فرض علينا آفاقا جديدة للحروب الإلكترونية لتكون أكثر اتساعًا وخفاء. وعلى الرغم من صعوبة تصور الأمر فإنه بلغ درجة كبيرة من الجدية عالميًا في استخدام هذا السلاح للدفاع والهجوم في آن واحد. وعلى سبيل المثال لا الحصر يعكف خبراء في وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» حاليًا على تطوير قدرات الولايات المتحدة إلكترونيًا لشن هجوم على أنظمة الحواسيب التابعة للدول الأخرى. وذكرت صحيفة أمريكية أن لدى المسؤولين العسكريين في الولايات المتحدة رغبة في تطوير القدرات الهجومية الأمريكية في مجال الحرب الإلكترونية للانتقال ببلادهم من التركيز على الدفاع عن الأمن القومي الأمريكي إلى مرحلة الهجوم والمباغتة، واعتماد هذا الأسلوب كأحد أساليب الحرب الجديدة التي ستستخدم قريبًا. والمخيف في الأمر أن هذه الحروب الإلكترونية لا تقتصر على قرصنة المعلومة العسكرية فقط بل إن تطور أشكال الحروب إلى الحروب الاقتصادية والثقافية جعل كل المعلومات ذات أهمية، وأظهر أن اختراق المجتمعات لا يتم إلا بهذه المعلومات. وثمة تساؤل يتبادر إلى الأذهان مفاده: هل ما يحدث حاليا في الدول العربية من تفكك وصراع يعد جزءا من الحرب الإلكترونية المقبلة، وأننا لسنا سوى “حجر الدامنة” وسط هذه الثورة الصناعية؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق