فن

أسلحة جيش الطين الصيني

ظاهرة حيّرت العلماء

  • الحفريات أظهرت جيشا كاملا من الجنود مع أسلحتهم البرونزية والخيول بالحجم الطبيعي ربما دفنوا قبل نحو 2000 عام.
  • خصائص التربة التي دفنت فيها الأسلحة ولاسيما الأسُّ الهيدروجيني القلوي المعتدل وحجم الجسيمات الصغير تساعد على الحماية من تآكل المعادن.

 نورا واصل
كاتبة علمية، (اليمن)

 على مدار عقود عديدة ساد اعتقاد مفاده أنه منذ أكثر من ألفي عام، في عهد تشين شيهوانغداي، الذي أعلن نفسه أول إمبراطور للصين في عام 221 قبل الميلاد، طوّرت تقنية تستخدم الطلاء بالكروم لمنع تآكل المعادن. استند هذا الاعتقاد إلى اكتشاف آثار من عنصر الكروم على سطح أسلحة برونزية مدفونة مع جيش الطين (التيراكوتا) بعد أن تبين أن الأسلحة نفسها كانت محفوظة بشكل جيد جداً.

 ففي مارس 1974، اكتشف فلاحون كانوا يحفرون بئراً بالقرب من مدينة شيان في مقاطعة شنشي قطعا من شخصيات طينية، ثم بمواصلة الحفر اكتشفوا كنزا استثنائيا تحت الارض تمثل في جيش كامل من الجنود مع أسلحتهم البرونزية والخيول بالحجم الطبيعي ربما دفنوا قبل نحو 2000 عام.

حل اللعز

منذ التنقيب الأول عن هذه الأسلحة البرونزية في سبعينات القرن الماضي، سلط باحثون صينيون الضوء على الحالة الاستثنائية للحفاظ على الأسلحة بعد دفنها. وافترضوا أن صانعي الأسلحة استخدموا نوعاً من التقنية المضادة للصدأ لمنع تآكلها في حياتهم الآخرة.

 ولجأ العلماء الصينيون إلى تحليل لرسم الخرائط التركيبية، وهو تحليل يقدم توضيحا للتوزيع الكمي والنوعي للعناصر في العينة بواسطة الأشعة السينية. واستخدموه للكشف عن الكروم في عينة صغيرة من الأسلحة متوقعين أن تكون الأسلحة قد غمست في محلول أكسيد الكروم. ووجدوا أن أسطح الأسلحة تحتوي على الكروم بنسبة تراوح بين 0.6 و2 %، بسماكة تراوح بين 10 و15 ميكرونا.

وأدى تحديد أكسيد الكروم على سطح عينات قليلة من الأسلحة إلى اقتراح مفاده أن سابقة مبكرة لما يسمى بطلاء تحويل الكروم استعمله حرفيو الإمبراطور تشين من أجل منع التآكل، أو لتغميق ألوان سطح الأسلحة. وأثبتت التجارب المختبرية أن تقنية طلاء تحويل الكروم كانت قابلة للتطبيق بالنظر إلى المواد الخام والتكنولوجيا المتاحة في ذلك الوقت.

دراسات متقدمة

بعد ذلك، ظهرت إشارات إلى أن مقاومة التآكل المدعومة بالكروم، والتكنولوجيا المتقدمة لصانعي الأسلحة ضُخمت أثناء الترجمة إلى اللغة الإنجليزية، وغيرها من اللغات، والاستنساخ في وسائل الإعلام الجماهيرية.

 فقد رفضت دراسة أجراها باحثون من جامعة بكين وغيرهم نشرت في 23 مايو 2011 هذه الفرضية، وأظهرت أنه لم يتم العثور على الكروم في أسطح وأجسام عينات السيوف المفحوصة، وأنه كان هناك ما بين 0.2 – 0.8% من الكروم على أسطح عينات رؤوس الأسهم. ومن ثم، افترض الباحثون أن المحتوى الضئيل على رؤوس الأسهم يدل على عدم وجود أي معالجة سطحية محتملة بالكروم، وأن وجوده السطحي ناتج عن تلوث من تربة الدفن، وأن الحفاظ على بعض الأسلحة بشكل أفضل قد يكون نتيجة طبقة سطحية غنية بالقصدير تعمل كحاجز ضد التآكل البرونزي.

ثم ذكرت دراسة بريطانية صينية أن الكروم موجود على سطح بعض الأسلحة، فقد ظهر في 37 من 464 عينة سلاح، وأنه لا يوجد أي ارتباط بين وجود الكروم وحالة الحفظ؛ فأفضل الأسلحة المحفوظة لم تكن أكثرها احتواء على الكروم. وأظهرت اقتصار وجود الكروم على أجزاء السلاح المعدنية البرونزية المرتبطة مباشرة بالعناصر الخشبية و الخيزرانية مثل الأعمدة والمقابض والأقواس والسهام وهي مطلية بالورنيش. والطلاء بالورنيش كان مستخدماً في الصين حينذاك. وأظهر التحليل الكيميائي لعينات الورنيش احتواءها على نسبة كبيرة من الكروم، ومن ثم اقترح العلماء أن الكروم الموجود على بعض الأسطح المعدنية مستمد من التلوث الناجم عن الورنيش، وأنه تم استخدام الورنيش المضاف إليه الكروم لطلاء الأجزاء الخشبية من الأسلحة.

محاكاة التجوية

 لاستكشاف أسباب الحفظ  للأسلحة، أجرى فريق دولي محاكاة التجوية لدراسة أثر العوامل الجوية على نسخ متطابقة من البرونز في غرف بيئية، فوجدوا أن البرونز المدفون في تربة شيان في الصين بعد أربعة أشهر من درجات الحرارة والرطوبة الشديدين مازال نظيفا جداً ولم يتآكل. وعلى العكس من ذلك، فإن البرونز المدفون في التربة البريطانية تآكل بشكل شديد.

ويعتقد الباحثون أن خصائص التربة التي دفنت فيها الأسلحة وخاصة الأس الهيدروجيني القلوي المعتدل، وحجم الجسيمات الصغير، والمحتوى العضوي المنخفض، تساعد جميعها على الحماية من تآكل المعادن. إضافة إلى ذلك، فإن المستويات العالية للقصدير في معدن البرونز المستخدم في الأسلحة تمنع التآكل وتساعد على الحفاظ عليها. وهكذا تمكن  الفريق الذي استمر في البحث نحو عشر سنوات من حل ذلك اللغز الذي استمر عقودا من الزمن.

الطلاء بالكروم

 تعود بدايات اختراع الطلاء بالكروم إلى عام 1805 على يد الإيطالي لويجي بروجناتيلي BRUGNATELLI L.. وفي عام 1854 أنتج الألماني روبرت بنزن Bunsen R. عينات محدودة من الكروم المرّسب كهربائياً باستخدام محاليل كلوريد الكروم.

والطلاء بالكهرباء كان تقنية صناعية مشهورة بحلول ستينات القرن التاسع عشر، لكن الكروم لم يكن من المواد المستخدمة في الطلاء. ولم يتم اكتشاف المبادئ الأساسية لتقنية الطلاء الكهربائي بالكروم حتى عام 1920 عندما نشر الدكتور جورج سارجنت George Sargent طريقة عمل التقنية في بحث لفت انتباه باحثين اثنين من جامعة كولومبيا طوّرا هذه الطريقة إلى عملية تجارية في عام 1924 فأصبحت شائعة. وبحلول عام 1926 أصبحت عبارة (مطلي بالكروم) محبوبة لإضفائها لمسات زخرفية لامعة ومشرقة على الأدوات والمواد المطلية بها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق