العلوم الطبيعيةجيولوجياملف العدد

آفاق التعدين .. تقنيات تعزز الإنتاج وتجنب الأخطار

د. خالد علي النجدي
أستاذ المناجم والتعدين، جامعة الطائف (السعودية)

تنظر معظم دول العالم إلى قطاع التعدين باعتباره المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية فيها، والمستقطب لاستثمارات كبيرة تسهم في مجالات عدة كتعزيز الصادرات، وفرص العمل، وتطوير البنية الأساسية لاسيما في المناطق الريفية، ونقل التكنولوجيا إلى البلدان المضيفة.
ومن بين جميع النشاطات الصناعية، يعتبر التعدين وغيره من أشكال الاستخراج من أخطر هذه النشاطات في العالم. وهذه حقيقة معروفة في جميع أنواع أعمال المحاجر والمناجم السطحية والتعدين تحت السطحي. إضافة إلى ذلك، تواجه العاملين في المناجم أخطار كبيرة من العمليات المختلفة في صناعة التعدين، سواء أكانت من الأخطار الناشئة عن الآلات الثابتة والمتنقلة وعوامل أخطار التعدين تحت الأرض والسطحية نفسها، أم من الغبار أو الضوضاء أو المواد الكيميائية. ويسهم الأداء الجيد للسلامة المهنية والإجراءات الصحية في الحد من معاناة العاملين ويزيد من الأداء الاقتصادي لهذه الصناعة.
ولأهمية قطاع التعدين وتأثيره في الاقتصاد من جهة، وخطورة العمل فيه من جهة أخرى، كانت هناك حاجة ملحة لتحديث وتطوير آليات وطرق استخراج المواد الخام من باطن الأرض، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة للاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية الموجودة فيها. ونستعرض في هذا المقال أهم المستجدات التكنولوجية التي تطبيق حاليا في صناعة التعدين، والآفاق الواعدة لهذه الصناعة الحيوية.

الروبوتات والمراقبة عن بعد
استفادت صناعة التعدين من التطورات الحاصلة في مجالات شتى ومنها استخدام الروبوتات والتحكم عن بعد، فأدخلتها إلى هذه الصناعة بطرق مختلفة. فعلى سبيل المثال هناك شاحنات بحجم المنزل تُشَّغل عن بُعد بواسطة “السائقين” من مسافة 1200 كم من موقع العمل، وهناك قطارات من دون سائق، وحفر آلي عن بعد، وكسارات صخور آلية، وكسارات شبه مستقلة. وهذه بعض المعدات ذات التقنية العالية التي تطرحها الشركات الرائدة في هذا القطاع.
وفكرة مناجم القرن الحادي والعشرين التي تشغل من مراكز التحكم المركزية البعيدة عن بيئة العمل المرهقة والشديدة التلوث مطبقة حاليا في مناجم كثيرة، كما أن التحكم الآلي صديق للبيئة وأكثر أمانًا وذو تكاليف تشغيل أرخص.
كانت أنظمة النقل الذاتي قيد الاستخدام بدرجات متفاوتة على مدار السنوات الخمس الماضية، لكنها صارت تكتسب زخمًا قويا في الآونة الأخيرة. وفي ديسمبر عام 2008، بدأت شركة (ريو تينتو)، ثاني أكبر منتج لخام الحديد في العالم، استخدام نظام Komatsu AHS، وهو أول نظام نقل تجاري مستقل للتعدين في العالم لتشغيل خام الحديد في أستراليا. ومن قدرات هذا النظام أن عامل المنجم الواحد يستطيع تشغيل 19 شاحنة ذاتية النقل بمفرده.
يمكن للأجهزة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي أداء مجموعة متنوعة من المهام، بما في ذلك الحفر والتفجير والتحميل والنقل وتثبيت سطوح المناجم وتدعيمها، وكذلك أخذ عينات من المواد الخام في المناطق الضيقة تحت سطح الأرض التي لايستطيع الإنسان الوصول إليها بأمان. وكذلك استخدمت بعض أجهزة التحكم عن بعد في عمليات إنقاذ عمال المناجم المحاصرين تحت الأرض.
وعلى سبيل المثال طورت العديد من مراكز البحث وشركات التكنولوجيا مركبات ذاتية التحميل والتفريغ تستخدم تكنولوجيا الروبوتات، وأُدخلت هذه التكنولوجيا في عمليات حساب نسبة المعادن في الخامات الاقتصادية، مما يضمن ملاءمة المنتج للمواصفات المطلوبة. ويمثل استخدام الروبوتات في عمليات الإنقاذ تقنية واعدة. وأطلق أول روبوت للإنقاذ في المناجم في العالم ، وهو ANDROS Wolverine الذي طورته شركة Remotec لإدارة السلامة والصحة في المناجم Mine Safety and Health Administration (MSHA) ، أثناء انفجار منجم Sago في عام 2006، وأثبت لاحقا إمكانية استخدام الروبوتات في المناطق التي يصعب على البشر دخولها.
من جانب آخر، يعتبر هذا التقدم الهائل في استخدام التكنولوجيا في مجال التعدين تهديدا صريحا لعمال المناجم والموردين المحليين ووكالات الضرائب الحكومية. إن المزيد من استخدام الروبوتات ربما يعني عددًا أقل من العمال ذوي المهارات المتدنية. وبعبارة أخرى، في المستقبل الأكثر آلية يجب على الحكومات التفكير في كيفية إعادة هيكلة قطاع التعدين للتعويض عن الوظائف وفرص العمل والدخل المفقود.

إنترنت الأشياء
شهدت الآونة الأخيرة استخدام إنترنت الأشياء في صناعة التعدين بهدف تعزيز الإنتاجية وسلامة المناجم والعاملين فيها. وتتضمن هذه التقنية توصيل الأجهزة والأسطول والأشخاص بمعرِّفات فريدة تستند إلى جهاز التعرف على الترددات اللاسلكية وتقنيات المستشعر، مع السماح لهم بنقل واستقبال البيانات تلقائيًا عبر الشبكة دون الحاجة إلى التفاعل بين الإنسان والإنسان. إن تقنية إنترنت الأشياء لا تحسن إمكانية التتبع والرؤية لعملية التعدين بكاملها فحسب، بل تمكن الحواسيب أيضًا من مراقبة وتحديد وفهم الجوانب المختلفة لعمليات التعدين دون تدخل بشري.
ولدى هذه التقنية قدرة على تحويل الصناعة بالكامل، وزيادة تدابير السلامة في البيئات الخطرة، والمساعدة على تحسين الإنتاجية، والتأثير الإيجابي في عوائد أرباح الشركات.

تكنولوجيا استكشاف المعادن
تستغرق عملية استكشاف الأجسام المعدنية وقتًا طويلاً وتكلف مبالغ كبيرة. وأول جهاز كاشف للمعادن(صممه ألكسندر غراهام بيل -مخترع الهاتف في عام 1881 م ، واستخدم للمرة الأولى في محاولة الوصول إلى مكان الرصاصة التي أصيب بها الرئيس الأمريكي جيمس غارفيلد في محاولة اغتياله) أثبت أهميته في كشف المعادن، وأصبح النموذج الأولي الذي لا تزال تستند إليه جميع أجهزة كشف المعادن حتى الآن. كانت هذه الأجهزة في البداية كبيرة الحجم ومعقدة وتعمل باستخدام الأنابيب المفرغة (الخوائية)Vacuum Tubes ، لكنها مع ذلك كانت مفيدة وانتشر استخدامها وازدادت شعبيتها.
ومن التطبيقات الأولى لأجهزة كشف المعادن العثور على الألغام الأرضية والقنابل غير المتفجرة في عدة دول أوروبية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. فبعد الحرب العالمية الأولى اكتشف غيرهارد فيش (مؤسس شركة فيشر الأمريكية لأجهزة كشف المعادن) خلال إحدى تجاربه انحراف أشعة (إشارات) الراديو الذي كان يستخدمه في كل مرة يقترب فيها من صخور تحوي فلزات معدنية في منطقة التجربة.
ثم طورت جامعة غرب أستراليا بالتعاون مع ريو تينتو مقياس تدرج متقدمًا يعرف باسم مقياس الجاذبية المحمول جواً VK1، في محاولة لإيجاد حل لتحديات الاستكشاف. يشتمل VK1، الذي يُشغل من طائرة، على تكنولوجيا لقياس التغيرات الطفيفة في مجال جاذبية الأرض، ويستعين بالبيانات لإنتاج خريطة كثافة يمكن استخدامها لتحديد مناطق المواد الخام التي يصعب اكتشافها. ومن المتوقع أن تؤدي التحسينات الدقيقة التي يقدمها الجهاز الجديد إلى تعزيز النجاح الذي تحققه شركات التعدين في جهود الاستكشاف.
وطورت أجهزة قياس الجاذبية المحمولة جوا في الثمانينات بواسطة شركات عدة، واستخدمت لاستكشاف أنابيب كيمبرلايت الحاملة للألماس في عام 1999. ومنذ ذلك الحين استخدمت بنجاح في عدد من مناجم الألماس، بما في ذلك منجم ألماس Ekati بكندا، وأنابيب Abner في أستراليا، إضافة إلى عدد من خامات الحديد والذهب والنحاس التي تحتوي على رواسب متعددة المعادن.

التصوير ثلاثي الأبعاد
مكنت تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد من استكشاف المناجم الكبيرة، ولاتزال تحمل آفاقا واعدة مع عدد من التقنيات الناشئة. والمسوح الزلزالية لدراسة جيولوجيا مناطق التعدين المحتملة ليست جديدة، لكن تطبيقات تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد حسنت فعالية هذه المسوح بشكل كبير. والمسح بالليزر ثلاثي الأبعاد هو تقنية جديدة نسبيًا في صناعة التعدين على الرغم من تطبيقها لسنوات كثيرة في مجالات صناعية أخرى. ويستخدم هذه التقنية مهندسو الصخور والتهوية ومسؤولو السلامة إضافة إلى أولئك الذين يجرون عمليات المسح في بيئات التعدين الخطرة أو التي يتعذر الوصول إليها. ومكنت هذه التقنية الجيولوجيين من إنشاء خرائط جيولوجية ثلاثية الأبعاد تحتوي على بيانات الخرائط السطحية.
ولجأت جهات متخصصة إلى دمج تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد في الكاميرا التي يمكن استخدامها في مناطق التعدين تحت الأرض لالتقاط صور ثلاثية الأبعاد للبيئة والتضاريس، والحد من الخطورة التي كان يواجهها الجيولوجيون والمهندسون والمساحون عند دخولهم المناجم جسديًا. تتيح هذه التقنية إجراء التصميم والتحليل من بيئة بعيدة مع عدم تعطيل الإنتاج أثناء التقاط الصور.

الحفر الآلي
يمكن لحلول الحفر الآلية والتشغيلية أن تضمن سلامة موظفي التعدين وتحسين الكفاءة أثناء عمليات الحفر السطحي وتحت السطحي. يتكون الحفر الذي يتم تشغيله عن بعد من محطة تشغيل سهلة التركيب على مجموعة من المنصات المتنقلة المتصلة بشبكة الحفر اللاسلكية.
تسمح التكنولوجيا للمشغل بإجراء الحفر من موقع بعيد دون دخول المناطق الخطرة. ويُعرض اتصال الفيديو والبيانات في الوقت الفعلي، بما في ذلك جميع أدوات التحكم في الحفر وحالة المعدات بشكل مستمر، على شاشة مثبتة في مركز المشغل باستخدام كاميرا للتحكم عن بُعد.
طورت شركات التعدين مجموعة من الحفارات الآلية وشبه الآلية، بما في ذلك باستخدام تقنية متقدمة للتحكم الآلي في الراديو. يمكن لآلات حفر العمود والأنفاق المتقدمة أن تحفر تحت الأرض بأمان وبسرعة أكبر، ولديها القدرة على تقليل الوقت والتكلفة التي تستغرقها لبناء مناجم تحت الأرض. ويمكن لإحدى آلات التعدين المعيارية اختراق الجدران الصخرية الصلبة والأنفاق لمسافة أكثر من عشرة أمتار في اليوم، وهو ما يقرب من ضعف المعدل الذي تحققه الطرائق التقليدية.

البلازما والمعادن الثمينة
يؤدي استخدام تقنية البلازما إلى زيادة إنتاج المعادن الثمينة، مثل الذهب والفضة والبلاتين، من الخامات المعقدة بنسبة تبلغ أكثر من 1000% مقارنة بالعمليات المعدنية التقليدية. وقد طورت إحدى شركات التعدين تقنية بلازما للترددات الراديوية تُسخَّن من خلالها الخامات المعقدة، مثل الزنك والنيكل والنحاس والرصاص، بتطبيق درجات حرارة عالية جدًا تتراوح بين 8000-12000 درجة سيليزية لكسر الهيكل الخام وتحرير المواد الثمينة الكامنة الموجودة فيه بعد استخدام التقنيات التقليدية.
في اختبار حديث لتقنية بلازما الترددات الراديوية الجديدة التي أجريت على عينات خام التنغستين في ميانمار، كانت كمية الذهب المنتجة أكثر بنحو 1500% مما يمكن استرداده من خلال الطرائق التقليدية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى