فلك وعلم الكونياتفيزياء

اللولبية المتجانسة ومادة الكون الأولى

بقلم:  د‭. ‬عوني‭ ‬الخطيب‭ 

 

تقول‭ ‬الفرضية‭ ‬العلمية‭: ‬‮«‬كان‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كمية‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬ومضاد‭ ‬للمادة‭ ‬matter and antimatter،‭ ‬ وهو‭ ‬ما‭ ‬يحاول‭ ‬العلماء‭ ‬إثباته‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬المصادمات‭ ‬النووية‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬CERN،‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬طولها‭ ‬وبعملية‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬تكوّن‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مضادها‭. ‬

وتشكلت‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬الفائضة‭ ‬من‭ ‬الكواركات‭ ‬واللبتونات‭ ‬وجسيمات‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬بوزون‭ ‬هيغز‭. ‬

وتحولت‭ ‬هذه‭ ‬الجسيمات‭ ‬الأولية‭ ‬إلى‭ ‬بروتونات‭ ‬ونيوترونات‭. ‬وبذلك‭ ‬تكون‭ ‬أول‭ ‬نواة‭ ‬تشكلت‭ ‬هي‭ ‬نواة‭ ‬الهدروجين،‭ ‬وربما‭ ‬يفسر‭ ‬ذلك‭ ‬سبب‭ ‬كون‭ ‬الهدروجين‭ ‬أكثر‭ ‬العناصر‭ ‬وجوداً‭ ‬في‭ ‬الكون،‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أكثر‭ ‬بـِعشرة‭ ‬أضعاف‭ ‬من‭ ‬العنصر‭ ‬الذي‭ ‬يليه‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬وهو‭ ‬الهليوم‭. ‬وتشكل‭ ‬الهليوم‭ ‬نتيجة‭ ‬للاندماج‭ ‬بين‭ ‬نظائر‭ ‬الهدروجين‭ ‬وهي‭ ‬الديتيريوم‭ (‬بروتون‭ + ‬نيترون‭) ‬والتريتيوم‭ (‬بروتون‭ + ‬2‭ ‬نيترون‭)‬‮»‬‭. ‬

وأصل‭ ‬العناصر‭ ‬الأثقل‭ ‬من‭ ‬الهدروجين‭ ‬في‭ ‬النجوم‭ ‬أصبح‭ ‬حقيقة‭ ‬مقبولة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالتراكيب‭ ‬النووية‭ ‬النجمية‭ ‬Stellar Nuclear Synthesis‭. ‬

وقد‭ ‬اتّفق‭ ‬العلماء‭ ‬على‭ ‬ميكانيكية ممكنة‭ ‬تتشكل‭ ‬فيها‭ ‬العناصر‭ ‬الأثقل‭ ‬من‭ ‬الهدروجين‭ ‬في‭ ‬النجوم‭ ‬الميكانيكية‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬اندماج‭ ‬النويات‭ ‬لتكوين‭ ‬نويات‭ ‬أثقل،‭ ‬ويعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬ميكانيكية‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬النجوم‭. ‬

ومثال‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬نظامنا‭ ‬الشمسي‭ ‬الذي‭ ‬تنتج‭ ‬الشمس‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬طاقة‭ ‬لهذا‭ ‬النظام،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إمكان‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬

وأصبح‭ ‬مسلماً‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬اندماج‭ ‬نويات‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬الهدروجين‭ ‬ونظائره‭ ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬قدرة‭ ‬البشرية‭ ‬بوسائلها‭ ‬الأرضية‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬تسمى‭ ‬عملية‭ ‬ألفا‭ ‬أو‭ ‬التشكيل‭ ‬النووي‭ ‬الذري‭ ‬تندمج‭ ‬نويات‭ ‬عناصر‭ ‬خفيفة‭ ‬لإنتاج‭ ‬نويات‭ ‬أثقل‭. ‬

إن‭ ‬أبجدية‭ ‬الكون‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬88‭ ‬عنصراً‭ ‬أوليا‭ ‬وليس‭ ‬28،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬العناصر‭ ‬الأولية‭ ‬التي‭ ‬بني‭ ‬منها‭ ‬الكون‭ ‬المادي،‭ ‬لذا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬أُخرى،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬عناصر‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬الحديد‭ ‬والنيكل‭ ‬تشكلت‭ ‬بعملية‭ ‬اقتناص‭ ‬النيوترونات،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬بواسطة‭ ‬إطلاق‭ ‬إشعاع‭ ‬بيتا‭ – ‬عندما‭ ‬يخسر‭ ‬النيوترون‭ ‬في‭ ‬النواة‭ ‬أشعة‭ ‬بيتا‭ ‬يخسر‭ ‬إلكتروناً‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬بروتون‭ – ‬يتم‭ ‬إنتاج‭ ‬عنصر‭ ‬جديد‭ .‬

تكوّن‭ ‬العناصر

عند‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬العالية‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬المتشكل‭ ‬تكون‭ ‬الذرات‭ ‬غير‭ ‬مستقرة؛‭ ‬لأن‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬العالية‭ ‬تنتزع‭ ‬الإلكترونات‭ ‬من‭ ‬مداراتها،‭ ‬وما‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬البلازما‭ ‬الغازية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العناصر،‭ ‬وعندما‭ ‬يُستنفد‭ ‬عمر‭ ‬نجم‭ ‬معين‭ ‬فإن‭ ‬ارتحال‭ ‬النويات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النجم‭ ‬المحتضر‭ ‬إلى‭ ‬الكون‭ ‬الرحب‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬درجة‭ ‬حرارتها‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتحتفظ‭ ‬بالإلكترونات‭ ‬وتشكل‭ ‬الذرات‭. ‬

والذرات‭ ‬المتشكلة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الظروف‭ ‬تكون‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬التفاعلية‭ ‬مما‭ ‬يمكنها‭ ‬من‭ ‬إيجاد‭ ‬كينونات‭ ‬مادية‭ ‬أُخرى‭ ‬تتحمل‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬العالية‭.‬

ويبرز‭ ‬هنا‭ ‬نوع‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬التي‭ ‬أوجدت‭ ‬وصاحبت‭ ‬تشكل‭ ‬المادة‭ ‬وهو‭ ‬الطاقة‭ ‬الكيميائية‭. ‬وخلال‭ ‬سلسلة‭ ‬تطور‭ ‬العناصر‭ ‬وتحول‭ ‬النويات‭ ‬إلى‭ ‬ذرات‭ ‬برزت‭ ‬ظاهرة‭ ‬جديدة‭ ‬سيكون‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬هي‭ ‬ظاهرة‭ ‬مولد‭ ‬التفاعلات‭ ‬الكيميائية،‭ ‬وبذلك‭ ‬تظهر‭ ‬المركبات‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬التفاعلات‭ ‬النووية‭ ‬إلى‭ ‬التفاعلات‭ ‬الكيميائية‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬الكون‭ ‬والقوى‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬مصيره‭ ‬ومستقبله‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬النووية‭ ‬الفاعلة‭ ‬إلى‭ ‬القوى‭ ‬والطاقة‭ ‬الكيميائية‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكوين‭ ‬الأيونات‭ ‬سبق‭ – ‬على‭ ‬الأغلب‭ – ‬تكوين‭ ‬المركبات،‭ ‬وأن‭ ‬المركبات‭ ‬الأيونية‭ ‬هي‭ ‬المركبات‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬الكون‭. ‬والطاقة‭ ‬اللازمة‭ ‬لإزاحة‭ ‬إلكترون‭ ‬من‭ ‬المدار‭ ‬الاخير‭ ‬لذرة‭ ‬من‭ ‬الذرات‭ ‬لتكوين‭ ‬الأيون‭ ‬الموجب‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الأيون‭ ‬السالب،‭ ‬وكلما‭ ‬بردت‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬المحيط‭ ‬كان‭ ‬ممكناً‭ ‬للمدارات‭ ‬أن‭ ‬تتداخل‭ ‬لتكوين‭ ‬المركبات‭ ‬التشاركية‭.‬

الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬المختزل

أخذت‭ ‬الذرات‭ ‬الخفيفة‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬مركبات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الروابط‭ ‬التساهمية‭ ‬الأحادية‭ ‬والثنائية‭ ‬والثلاثية‭ ‬بين‭ ‬ذرتين‭ ‬متماثلتين‭ ‬أو‭ ‬ذرتين‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬مختلفتين‭ ‬لإنتاج‭ ‬جزيئات‭ ‬بسيطة،‭ ‬ولكن‭ ‬تشكل‭ ‬ذرات‭ ‬الأكسجين‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاعل‭ ‬مباشر‭ ‬لتكوين‭ ‬جزيئات‭ ‬غازية‭ ‬مثل‭ ‬أول‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭. ‬كذلك‭ ‬فإن‭ ‬ذرات‭ ‬الهدروجين‭ ‬ستتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الكربون‭ ‬والنتروجين‭ (‬كمثال‭) ‬لإنتاج‭ ‬غازات‭ ‬عدة،‭ ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬مجمل‭ ‬هذه‭ ‬التفاعلات‭ ‬ينتج‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬المختزل‭. ‬

وشكلت‭ ‬أيونات‭ ‬المعادن‭ ‬الأملاح‭ ‬المعدنية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬القشرة‭ ‬الأرضية،‭ ‬لكن‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬أيونات‭ ‬المعادن‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬اصطيادها‭ ‬دخلت‭ ‬للتموضع‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬جزيئات‭ ‬كبيرة،‭ ‬ثم‭ ‬ارتبطت‭ ‬بها،‭ ‬وهذه‭ ‬الجزيئات‭ ‬الكبيرة‭ ‬ذات‭ ‬المركز‭ ‬المعدني‭ ‬أصبحت‭ ‬مهمة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬وأول‭ ‬ما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬جزيء‭ ‬الكلوروفيل‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬أيون‭ ‬المغنيسيوم‭ ‬محاطاً‭ ‬بجزيئات‭ ‬حلقية‭ ‬من‭ ‬البورفيرين،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬صبغة‭ ‬الكلوروفيل‭ ‬أصبحت‭ ‬تنتج‭ ‬الأكسجين‭ ‬أثناء‭ ‬عملية‭ ‬التمثيل‭ ‬الكلوروفيلي،‭ ‬وبذلك‭ ‬أصبح‭ ‬هناك‭ ‬أكسجين‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬يزداد‭ ‬تركيزه‭ ‬باستمرار،‭ ‬وكذلك‭ ‬تم‭ ‬إيجاد‭ ‬أهم‭ ‬جزيء‭ ‬يقوم‭ ‬بخزن‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مركبات‭ ‬عضوية‭. ‬وهناك‭ ‬صيغة‭ ‬أخرى‭ ‬ستتشكل‭ ‬بعد‭ ‬إمطار‭ ‬الأرض‭ ‬بالنيازك‭ ‬الغنية‭ ‬بعنصر‭ ‬الحديد‭ ‬والنيكل‭ ‬من‭ ‬النجوم‭ ‬الميتة،‭ ‬هذه‭ ‬الصيغة‭ ‬هي‭ ‬الهيموغلوبين‭. ‬وبذلك‭ ‬أصبح‭ ‬عنصرا‭ ‬النيكل‭ ‬والحديد‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الوفيرة‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الأرضية‭ ‬المكونة‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬من‭ ‬جزيئات‭ ‬ومركبات‭ ‬غير‭ ‬معدنية‭ ‬وأملاح‭ ‬معدنية‭.‬

ماهية‭ ‬اللولبية‭ ‬

مع‭ ‬ازياد‭ ‬حجم‭ ‬المركبات‭ ‬الكيميائية‭ ‬المتكونة‭ ‬يصبح‭ ‬مستوى‭ ‬تعقيدها‭ ‬أكبر،‭ ‬وهذه‭ ‬المركبات‭ ‬قد‭ ‬تلتف‭ ‬أو‭ ‬تنثني‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬خواصها‭ ‬الذاتية‭. ‬فهناك‭ ‬نظير‭ ‬ثلاثي‭ ‬الأبعاد‭ ‬سائد‭ ‬للسكريات‭ ‬متواصل‭ ‬ويدخل‭ ‬في‭ ‬المركبات‭ ‬الحيوية،‭ ‬وفي‭ ‬البروتينات‭ ‬هناك‭ ‬نظير‭ ‬من‭ ‬الأحماض‭ ‬الأمينية‭ ‬هو‭ ‬الشكل‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬البروتينات‭. ‬

ومع‭ ‬أخذنا‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬20‭ ‬حمضاً‭ ‬أمينياً‭ ‬فقط‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية،‭ ‬كأحماض‭ ‬أمينية‭ ‬أساسية،‭ ‬فإنه‭ ‬ثمة‭ ‬إمكانية‭ ‬لتكوين‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الأحماض‭ ‬الأمينية،‭ ‬وما‭ ‬يقارب‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬حمضاً‭ ‬أمينياً‭ ‬تحرف‭ ‬الضوء‭ ‬المستقطب‭ ‬إلى‭ ‬اليسار،‭ ‬وبذلك‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية،‭ ‬وهذا‭ ‬مؤشر‭ ‬داعم‭ ‬للفرضية‭ ‬التي‭ ‬مفادها‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اللولبة‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬حياة،‭ ‬وهي‭ ‬تشكل‭ ‬بذلك‭ ‬ميلاد‭ ‬المعرفة‭ ‬بهذه‭ ‬الخاصية‭. ‬

إن‭ ‬اللولبية‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬مركبا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬صورة‭ ‬مرآة‭ ‬للمركب‭ ‬الآخر‭ ‬تماماً،‭ ‬كما‭ ‬اليد‭ ‬اليسرى‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬مرآة‭ ‬لليد‭ ‬اليمنى،‭ ‬لكن‭ ‬كلتا‭ ‬اليدين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬انطباقهما،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬قفاز‭ ‬اليد‭ ‬اليمنى‭ ‬لا‭ ‬يلائم‭ ‬اليد‭ ‬اليسرى‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭. ‬وكلما‭ ‬اتضحت‭ ‬أبعاد‭ ‬هذه‭ ‬الخاصية‭ ‬أصبحت‭ ‬سمة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المركبات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬كالبروتينات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬حيثُ‭ ‬تبنى‭ ‬البروتينات‭ ‬في‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬من‭ ‬نظير‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬النظيرين،‭ ‬وهو‭ ‬النظير‭ ‬الأيسر‭ ‬L‭-‬form‭ ‬،‭ ‬وهذه‭ ‬البروتينات‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬أحماض‭ ‬أمينية‭ ‬من‭ ‬صفاتها‭ ‬الضوئية‭ ‬حرف‭ ‬الضوء‭ ‬المستقطب‭ ‬إلى‭ ‬اليسار‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يحقق‭ ‬للبروتين‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬الاستقرار‭. ‬

ويعتبر‭ ‬بناء‭ ‬البروتينات‭ ‬في‭ ‬الأجسام‭ ‬الحية‭ ‬أمراً‭ ‬أساسياً‭ ‬لتتمكن‭ ‬الأجسام‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬وظائفها‭ ‬الحيوية‭. ‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬صفات‭ ‬البروتينات‭ ‬هي‭ ‬انثناء‭ ‬الجزيء‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬بطريقة‭ ‬محددة‭. ‬وحتى‭ ‬يصبح‭ ‬البروتين‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬وظيفته،‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تتعرف‭ ‬إليه‭ ‬أعضاء‭ ‬الجسم،‭ ‬وكذلك‭ ‬العضو‭ ‬الذي‭ ‬سيقوم‭ ‬فيه‭ ‬هذا‭ ‬البروتين‭ ‬بوظيفته‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬التعرف‭ ‬إلى‭ ‬البروتين‭ ‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬البروتين‭ ‬فضلة‭ ‬من‭ ‬الفضلات‭ ‬ويجب‭ ‬التخلص‭ ‬منه‭. ‬وبهذه‭ ‬الخاصية،‭ ‬وهي‭ ‬اللولبية،‭ ‬يصبح‭ ‬شكل‭ ‬البروتين‭ ‬وتركيبه‭ ‬معروفين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العضو‭ ‬الذي‭ ‬سيعمل‭ ‬فيه،‭ ‬فالبداية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬التعرف،‭ ‬والتعرف‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬البروتين‭ ‬مبنياً‭ ‬من‭ ‬أحماض‭ ‬أمينية‭ ‬ذات‭ ‬صفات‭ ‬لولبية‭ ‬محددة‭.‬

ولكن‭ ‬لماذا‭ ‬هذه‭ ‬الأحماض‭ ‬الأمينية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬فقط‭ ‬بالصفات‭ ‬اللولبية‭ ‬المناسبة‭ ‬لبناء‭ ‬البروتين‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬المناسب‭?.‬

للإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل‭ ‬فإن‭ ‬كتب‭ ‬الكيمياء‭ ‬والكيمياء‭ ‬الحيوية‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬إن‭ ‬اختيار‭ ‬النظير‭ ‬الضوئي‭ ‬تم‭ ‬بمحض‭ ‬المصادفة،‭ ‬لكن‭ ‬بمجرد‭ ‬الاختيار‭ ‬الأول‭ ‬تواصلت‭ ‬الخلية‭ ‬بالخيار‭ ‬نفسه‮»‬‭. ‬

ولكن‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬العشوائية‭ ‬هذه‭ ‬محط‭ ‬تساؤلات‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬احتمالين‭ ‬متساويين‭ ‬في‭ ‬الإمكانية‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬قوة‭ ‬تحدد‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬أو‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬حياة‭ ‬موازية‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬النظير‭ ‬الآخر‭ ‬وتلك‭ ‬الحياة‭ ‬الموازية‭ ‬انقرضت‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬هناك‭ ‬عوامل‭ ‬كيميائية‭ ‬محددة‭ ‬جعلت‭ ‬هذا‭ ‬الاحتمال‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬الممكن‭ ‬والأكثر‭ ‬إمكانية‭ ‬من‭ ‬الآخر‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬الوحيد؟‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬إجابة‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬للتساؤل‭: ‬لماذا‭ ‬يوجد‭ ‬مركب‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬نظيره‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تكون‭ ‬النظيرين‭ ‬بنسبة‭ ‬متساوية‭ ‬إذا‭ ‬حُضرت‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬في‭ ‬المختبر؟‭!‬

دراسة‭ ‬الحالة

لا‭ ‬يوجد‭ ‬متابع‭ ‬أو‭ ‬عالم‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجزم‭ ‬بسبب‭ ‬اختيار‭ ‬النظير‭ ‬الأيسر‭ ‬للأحماض‭ ‬الأمينية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الحياة،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬مشاهداتي‭ ‬وبعد‭ ‬تجارب‭ ‬محددة‭ ‬أصبح‭ ‬عندي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬فرضية‭ ‬أولية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬أيون‭ ‬النيكل‭ ‬ربما‭ ‬أدى‭ ‬دوراً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬الحمض‭ ‬الأميني‭ ‬L‭ ‬أكثر‭ ‬وجوداً‭ ‬لتكوين‭ ‬البروتينات‭ ‬من‭ ‬النظير‭ ‬الآخر‭ ‬D،‭ ‬وهذا‭ ‬التمايز‭ ‬لا‭ ‬يعطي‭ ‬اختياراً‭ ‬مطلقاً‭ ‬أو‭ ‬متكاملاً‭.‬

وقد‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬ارتباط‭ ‬أيون‭ ‬النيكل‭ ‬بالحمض‭ ‬الأمينيL‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬مركبات‭ ‬معقدة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬هذا‭ ‬النيكل‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬نسبة‭ ‬التحول‭ (‬يثبط‭) ‬لهذا‭ ‬النظير‭ ‬إلى‭ ‬النظير‭ ‬D‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬باقي‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إجراء‭ ‬الاختبار‭ ‬عليها‭ ‬تسارع‭ ‬بهذا‭ ‬التحول‭ ‬مثل‭ ‬الأيونات‭ ‬المحيطة‭ ‬بالنيكل‭ ‬في‭ ‬الجدول‭ ‬الدوري‭ ‬كالكوبلت‭ ‬والنحاس‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أُخرى‭ ‬عندما‭ ‬يرتبط‭ ‬النيكل‭ ‬بمركب‭ ‬معقد‭ ‬مع‭ ‬النظير‭ ‬L،‭ ‬فإن‭ ‬المركب‭ ‬المعقد‭ ‬المكون‭ ‬من‭ ‬الـD‭ ‬يترسب‭ ‬بشكل‭ ‬تفضيلي،‭ ‬وبذلك‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬النظرية‭ ‬العلمية‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬تركيز‭ ‬النظير‭ ‬D‭ ‬في‭ ‬الحساء‭ ‬الكوني‭ ‬الأولي‭ ‬Primordial soup،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يزداد‭ ‬التركيز‭ ‬النسبي‭ ‬للنظيرL،‭ ‬وبهذا‭ ‬فإذا‭ ‬وضعت‭ ‬النتيجتان‭ ‬معاً‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الأمر‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬تدخلاً‭ ‬كيميائياً‭ ‬بواسطة‭ ‬عنصر‭ ‬النيكل‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬التركيز‭ ‬النسبي‭ ‬للنظير‭ ‬L‭. ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬إجراء‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭ ‬بنجاح‭.‬

إن‭ ‬نظريات‭ ‬تشكل‭ ‬الكون‭ ‬وبدء‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬تفترض‭ ‬دائماً‭ ‬وجود‭ ‬الشيء‭ ‬وضده‭.‬

وهناك‭ ‬المادة‭ ‬ومضاد‭ ‬المادة‭ ‬وهناك‭ ‬المادة‭ ‬والطاقة،‭ ‬وهناك‭ ‬أيضاً‭ ‬خيار‭ ‬لم‭ ‬يناقشه‭ ‬العلماء‭ ‬طويلاً‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬اللولبية‭ ‬المتماثلة‭ ‬أو‭ ‬اللولبية‭ ‬المختلفة،‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬المتماثلة‭ ‬فهل‭ ‬تكون‭ ‬مكوناتها‭ ‬وبشكل‭ ‬مطلق‭ ‬من‭ ‬نظير‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬النظير‭ ‬الآخر‭ ‬وما‭ ‬أفرزته‭ ‬الحياة‭ ‬أنها‭ ‬أخذت‭ ‬اللولبية‭ ‬المتماثلة‭ ‬واعتمدت‭ ‬نظيراً‭ ‬واحداً‭ ‬وهو‭ ‬النظير‭ ‬L‭ ‬من‭ ‬الأحماض‭ ‬الأمينية،‭ ‬وهذا‭ ‬جعل‭ ‬الحياة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬التعرف‭ ‬إلى‭ ‬المركبات‭ ‬المختلفة‭ ‬لإتمام‭ ‬عملية‭ ‬التمثيل‭ ‬الحيوي‭ ‬المنوط‭ ‬به‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة‭.‬

واتخاذ‭ ‬الخيارات‭ ‬يعزوه‭ ‬العلماء‭ ‬إلى‭ ‬المصادفة‭ ‬في‭ ‬الاختيار‭ ‬الأول،‭ ‬ثم‭ ‬التواصل‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬اختير‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬الدهر،‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬إمكانية‭ ‬ليكون‭ ‬اتخاذ‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬بالمصادفة‭ ‬المطلقة‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عوامل‭ ‬دفعت‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬أخذ‭ ‬هذا‭ ‬الاحتمال‭. ‬لقد‭ ‬حاولنا‭ ‬أن‭ ‬نوضح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬إمكانية‭ ‬كيميائية‭ ‬ربما‭ ‬تدخلت‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬الاحتمال‭ ‬الذي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬قد‭ ‬اتخذ‭ ‬نتيجة‭ ‬عوامل‭ ‬موضوعية‭ ‬يمكن‭ ‬استحضارها‭ ‬وقياسها‭. ‬

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق