أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الطب وصحةملف العدد

المسيرة التاريخية للأنثروبولوجيا

علم يجمع العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية

د. أزهري مصطفى صادق
كلية السياحة والآثار،
جامعة الملك سعود (السعودية)

تعود كلمة “أنثروبولوجيا” في الأصل إلى الكلمة اليونانية “أنثروبو”، التي تعني “البشر” أو “الجنس البشري”، و”لوجيا” التي ترجمت على أنها “معرفة” أو “دراسة”. ومن ثم، يمكننا تعريف الأنثروبولوجيا بأنها دراسة الجنس البشري. ومع ذلك، فإن هذا التعريف في حد ذاته لا يميّز الأنثروبولوجيا عن التخصصات الإنسانية الأخرى.
فالمؤرخون وعلماء النفس والاقتصاد وعلماء الاجتماع وغيرها من المجالات يدرسون البشر بشكل منهجي بطريقة أو بأخرى. تتميز الأنثروبولوجيا بأنها تجمع بين أربعة مجالات فرعية تربط بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية. تشكّل هذه الحقول الفرعية الأربعة، لاسيما في المدرسة الأمريكية، علم الآثار والأنثروبولوجيا البيولوجية والأنثروبولوجيا اللغوية والأنثروبولوجيا الثقافية، نهجاً واسعاً لدراسة الإنسان في جميع أنحاء العالم، في ماضيه وحاضره.

نظام متكامل متعدد التخصصات
يهتم علماء الآثار بالتطورات والتغيرات التاريخية في التكوينات الإنسانية الثقافية والاجتماعية والسياسية والمادية، ودراسة التراث الثقافي وتفسيره، من خلال فروع عدة منها علم آثار ما قبل التاريخ، وعلم الآثار التاريخي، وعلم الآثار الكلاسيكي، وعلم الآثار الديموغرافي، وعلم الآثار البحرية، وعلم الآثار الحضرية، وعلم الآثار الصناعية. وتركز الأنثروبولوجيا البيولوجية على الجوانب الفيزيائية للبشر، وتشمل مجالات عدة منها الطب الشرعي، وعلم الإنسان القديم، وعلم التشريح البشري والتصنيف البشري، وعلم الأمراض القديمة، وعلم الآثار الحيوية. ويدرس علماء الأنثروبولوجيا اللغوية تاريخ وبنية اللغات البشرية والعلاقة بين اللغة والثقافة والجوانب المعرفية والبيولوجية للغة، كما تندرج ضمن دراساتها تاريخ اللغويات، وعلم الأصوات، والنحو المقارن، وعلم اللغة الاجتماعي وغيرها. ويهتم علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية بالتنوع الاجتماعي والثقافي البشري من خلال الأنثروبولوجيا البيئية، والأنثروبولوجيا الديموغرافية، والأنثروبولوجيا الاقتصادية، والأنثروبولوجيا الاجتماعية، وأنثروبولوجيا الدين، وأنثروبولوجيا الفن، وغيرها.
ويستخدم علماء الأنثروبولوجيا أساليب وتقنيات ومقاربات نظرية متنوعة في دراساتهم، لها هدفان رئيسيان: فهم التنوع الفريد للسلوك البشري والمجتمعات البشرية حول العالم، واكتشاف أوجه التشابه الأساسية التي تربط بين البشر في جميع أنحاء العالم. ولتحقيق هذين الهدفين، يُجْري علماء الأنثروبولوجيا دراسات حالة منهجية في جميع أنحاء العالم، مع التركيز على ماضي البشرية وحاضرها. وقد وسعّت هذه الدراسات من فهمنا للإنسانية، من المجتمعات البشرية الأولى إلى الوقت الحاضر.

تاريخ الأنثروبولوجيا وتطورها
تعود جذور الأنثروبولوجيا إلى الكتابات التاريخية والفلسفية اليونانية القديمة حول المجتمع البشري وتنظيماته. ويرى كثير من الأنثروبولوجيين أن هيرودوت، المؤرخ اليوناني الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، هو أول مفكر يكتب على نطاق واسع عن المفاهيم التي أصبحت فيما بعد مركزية للأنثروبولوجيا. وقد أسست كتاباته حول البشر عموماً، خاصة في كتاب التاريخ، النمط الذي تبنته معظم الكتابات الأنثروبولوجية فيما بعد.
وكان المؤرخ العربي ابن خلدون، الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، أحد الكُتّاب الأوائل للأفكار ذات الصلة بالأنثروبولوجيا. درس ابن خلدون العوامل البيئية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي أثرت في تطور الحضارات وقيامها وسقوطها.
وخلال العصور الوسطى (من القرن الخامس إلى الخامس عشر بعد الميلاد) سيطر علماء الدين في أوروبا على التفكير الأوروبي في مسائل الأصول البشرية والتطور الثقافي. وبدءا من القرن الخامس عشر، قدّم المستكشفون الأوروبيون أوصافاً حية وملاحظات موجزة وغير منتظمة لثقافات آسيا وأفريقيا وما يعرف الآن بالأمريكتين.
وشهد عصر التنوير الأوروبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر ظهور الفكر الفلسفي العلمي والعقلاني. وكتب مفكرو التنوير، مثل ديفيد هيوم المولود في اسكتلندا، وجون لوك من إنجلترا، وجان جاك روسو من فرنسا، عدداً من الأعمال عن طبيعة الجنس البشري. لكن معظم كتاب عصر التنوير افتقروا إلى الخبرة المباشرة مع الثقافات غير الغربية.
ومع صعود الإمبريالية (السيطرة السياسية والاقتصادية على الأراضي الأجنبية) في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أصبح الأوروبيون على اتصال متزايد مع شعوب أخرى حول العالم، مما أدى إلى اهتمام جديد بدراسة الثقافة. وفي أواخر القرن الثامن عشر حصل الأوروبيون تدريجياً على طوفان من المعلومات الجديدة حول الشعوب الأجنبية لاسيما في المناطق التي استعمروها. واستجابة لهذه التطورات، وانطلاقاً من الاهتمام بالثقافات الجديدة والغريبة، شكل علماء الأنثروبولوجيا الهواة الأوائل مجتمعات في معظم دول أوروبا الغربية في أوائل القرن التاسع عشر. وكرّست المجتمعات الأنثروبولوجية نفسها لدراسة علمية لثقافات الأراضي المستعمرة وغير المكتشفة. ونشأ عن ذلك متاحف إثنولوجية وأثرية عدة، تحتوي على عديد من المعروضات التي تمثل تلك الثقافات.
مع نهاية القرن التاسع عشر بدأ علماء الأنثروبولوجيا في شغل مناصب أكاديمية في الكليات والجامعات. وأصبحت الجمعيات الأنثروبولوجية سبباً لعلماء الأنثروبولوجيا للعمل في مناصب مهنية. وقد روجوا للمعرفة الأنثروبولوجية لقيمتها السياسية والتجارية والإنسانية.

بدايات الأنثروبولوجيا الحديثة
ظهرت الأنثروبولوجيا الحديثة في القرن التاسع عشر جنباً إلى جنب مع التطور والقبول العلمي لنظريات التطور البيولوجي والثقافي. في أوائل القرن التاسع عشر، أثبت بعض العلماء من خلال الملاحظات العلمية، لاسيما عن العظام المكتشفة وغيرها من البقايا مثل الأدوات الحجرية، أن ماضي البشرية غطى فترة زمنية أطول بكثير مما كان يروّج له. وفي عام 1836م اقترح عالم الآثار الدنماركي كريستيان تومسن ما عرف بنظام العصور الثلاثة التي أطلق عليها اسم العصر الحجري، والعصر البرونزي، والعصر الحديدي. يتلاءم مفهوم تومسن عن العصور التكنولوجية بشكل جيد مع آراء عالم الجيولوجيا الأسكتلندي السير تشارلز ليل، الذي اقترح أن الأرض أقدم بكثير مما كان يعتقد سابقاً وقد تغيرت خلال عدد كبير من المراحل التدريجية.
وفي عام 1859م نشر عالم الطبيعة البريطاني تشارلز داروين كتابه عن أصل الأنواع، الذي جادل فيه بأن الأنواع الحيوانية والنباتية تغيرت أو تطورت عبر الزمن تحت تأثير عملية أطلق عليها الانتقاء الطبيعي. وقد تعرضت النظرية والكتاب لكثير من الجدل لا يزال محتدماً حتى عصرنا هذا. وخلال أواخر القرن التاسع عشر، روّج العديد من علماء الأنثروبولوجيا لنماذجهم الخاصة للتطور الاجتماعي والبيولوجي. وصوّرت كتاباتهم الأشخاص المتحدرين من أصل أوروبي على أنهم متفوقون بيولوجياً وثقافياً على جميع الشعوب الأخرى. وظهرت وجهة النظر هذه في كتاب “المجتمع القديم”، الذي نشره عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي لويس هنري مورغان عام 1877، وفي كتابات السير إدوارد تايلور، مؤسس الأنثروبولوجيا البريطانية، الذي روّج لنظريات التطور الثقافي في أواخر القرن التاسع عشر. وقد كتب تايلور أيضاً تعريفاً للثقافة لا يزال مقتبساً على نطاق واسع، واصفاً إياها بأنها “ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعرفة، والمعتقدات، والفن، والأخلاق، والقانون، والعرف وأي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع”. وقد شكّل هذا التعريف أساس المفهوم الأنثروبولوجي الحديث للثقافة.
في عشرينيات القرن الماضي ظهرت الأنثروبولوجيا كنظام مهني وعلمي جاد. وتطورت ممارسات البحث الأنثروبولوجي بطرق مختلفة في الولايات المتحدة وأوروبا. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، اتخذت الأنثروبولوجيا شكلها الحالي كمهنة أكاديمية في الولايات المتحدة تحت تأثير عالم الأنثروبولوجيا فرانز بواس، الذي ساعد على تدريب العديد من أبرز علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين في القرن العشرين، وواصل العديد من طلبته – بمن فيهم ألفريد كروبر وروث بنديكت ومارغريت ميد – إنشاء أقسام للأنثروبولوجيا في الجامعات في جميع أنحاء البلاد.
خلال النصف الأول من القرن العشرين، أجرى العديد من علماء الأنثروبولوجيا دراسات إثنوغرافية في خدمة الحكومات الاستعمارية. سمحت هذه البحوث للمستعمرين بالتنبؤ بما سيحدث لمجتمع بكامله استجابة لسياسات استعمارية معينة. وخلال تلك الفترة ولاسيما في الستينيات، تم تطوير العديد من الأفكار النظرية في الأنثروبولوجيا مثل البنيوية والمادية الثقافية والبيئة الثقافية. وعلى النقيض، وخلال سبعينيات القرن الماضي، ركز علماء الأنثروبولوجيا على معاني رموز وطقوس ثقافية معينة داخل الثقافات نفسها، وهو نهج يُعرف باسم الأنثروبولوجيا الرمزية.
بذلك يتضح لنا أن الحقول الفرعية للأنثروبولوجيا ظهرت في البداية في المجتمع الغربي في محاولة لفهم الشعوب غير الغربية. وعندما بدأ الأوروبيون استكشاف العالم واستعماره في القرن الخامس عشر، واجهوا شعوباً أصلية في الأمريكتين وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. ووصف المسافرون الأوروبيون والمسؤولون الحكوميون هذه الثقافات غير الغربية، وقدّموا سجلاً لمظاهرها الجسدية وعاداتها ومعتقداتها. وبحلول القرن التاسع عشر، تطورت الأنثروبولوجيا إلى التخصص الأساسي لفهم المجتمعات والثقافات غير الغربية، حيث سعى العلماء آنذاك بشكل عام إلى فهم الاختلافات الأساسية والتشابهات بين المجتمعات والثقافات البشرية والتنوع المادي الموجود في الشعوب في جميع أنحاء العالم.
وحاليا، لا يركز علماء الأنثروبولوجيا اهتمامهم فقط على الثقافات غير الغربية بل يتعدونها إلى دراسة الممارسات الثقافية في البيئة الحضرية في كل مكان.

قرن الحاجة إلى الأنثروبولوجيا
تستخدم الأمم الحديثة المعرفة التي توفرها الأنثروبولوجيا لفهم تراثها، وخدمة الشعوب المتنوعة الموجودة داخل حدودها، وإيجاد مكانها في المجتمع العالمي الناشئ. لقد أصبحت الأنثروبولوجيا في وضع جيد في بداية القرن الحادي والعشرين لتقديم مساهمات مهمة لرفاهية الإنسان، والتفاهم المتبادل للشعوب في جميع أنحاء العالم.
وتعيد التغييرات السريعة في تقنيات النقل والاتصالات تشكيل دول العالم إلى قرية عالمية. وتعتمد قدرة العديد من الشعوب والأمم والأديان والمجتمعات على العيش في وئام على الفهم المتبادل واحترام العادات واللغة والتراث التي تسعى الأنثروبولوجيا إلى تعزيزها.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى