العيش في وئام مع الطبيعة: تمهيد الطريق لمستقبل أكثر إشراقًا

اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول قرطاجنة وبروتوكول ناغويا

Dr. Layla Al-Musawi

57 عاما مرت على نشر كتاب راتشيل كارسون Rachel Carson الربيع الصامت “ Silent Spring” الذي ووجه بمعارضة شديدة من شركات المواد الكيميائية، لكنه استثار همة الرأي العام محدثا تغييرات عديدة، وملهما حركة بيئية أدت إلى إنشاء وكالة حماية البيئة الأمريكية. 57 عاما والأرض ما تزال تواجه أضرار أفعال الإنسان، بل صارت مهددة بانقلاب أنظمتها الإيكولوجية ضد الإنسان نفسه.

و على الرغم من الجهود العديدة التي بذلت على جبهات لا تعد ولا تحصى في جميع أنحاء العالم تقريبًا،، فإن استنزاف الكثير من الأنظمة الإيكولوجية، والكثير من الأنواع، والكثير من الجينات، لايزال مستمرا بسرعة كبيرة جدًا. ومما يثير القلق معرفة أن فقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظام الإيكولوجي، مرة أخرى هذا العام، كان واحدا من بين أهم عشرة مخاطر تهدد العالم وردت في تقرير المخاطر العالمية الذي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس.

تاريخ موجز

عالميا تتابعت العديد من الخطوات الرامية إلى صون الطبيعة منذ سبعينات القرن العشرين، وأدت إلى إطلاق الأمم المتحدة اتفاقية متعددة الأطراف لحماية الأنواع هي اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD).

ولعل أهم أربع خطوات سبقت ذلك كانت إعلان ستوكهولم المنبثق عن مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة البشرية في عام 1972؛ واستحداث الفريق العامل للأمم المتحدة المعني بالسكان الأصليين في عام 1982؛ وإصدار الميثاق العالمي للطبيعة في عام 1982، وتقرير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية الصادر في عام 1987 تحت عنوان “مستقبلنا المشترك”. كل هذا مهد الطريق لإطلاق اتفاقية التنوع في 5 يونيو 1992 في قمة الأرض في ريو دي جانيرو بالبرازيل.

تقوم الاتفاقية على ثلاثة التزامات على المستوى الوطني للدول الأطراف في المعاهدة: 1) حفظ التنوع البيولوجي، 2) الاستخدام المستدام لمكوناته؛ 3) التقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدام الموارد الجينية. هذا وتستند الاتفاقية إلى نهج النظام الإيكولوجي الواسع، وتشمل جميع النظم الإيكولوجية والأنواع والموارد الوراثية بدلاً من الأنواع المحددة أو النظام الإيكولوجي أو الموقع، كما هي الحال في اتفاقيات الحفظ الدولية الأخرى مثل معاهدة التجارة العالمية لأصناف الحيوان والنبات البري المهدد بالانقراض أو سايتس CITES، أو اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة.

بين مدينتين

عبر السنوات أضيف إلى اتفاقية التنوع البيولوجي بروتوكولان تكميليان ملحقان بها: بروتوكول قرطاجنة وبروتوكول ناغويا. دخل البروتوكول الأول حيز النفاذ في 11 سبتمبر 2003، ودخل الثاني ذلك الحيز في 12 أكتوبر 2014.

بروتوكول قرطاجنة هو اتفاق دولي بشأن السلامة الأحيائية كتكملة لاتفاقية التنوع البيولوجي. يسعى بروتوكول السلامة الأحيائية إلى حماية التنوع البيولوجي من المخاطر المحتملة التي تشكلها الكائنات الحية المعدلة وراثيا الناتجة من التكنولوجيا الحيوية الحديثة. ويشدد هذا البروتوكول على ضرورة تطبيق مبدأ الحيطة وفي الوقت نفسه تمكين الدول النامية من تحقيق التوازن بين الصحة العامة والفوائد الاقتصادية. والبروتوكول يسمح للبلدان بفرض حظر على الواردات من الكائنات المعدلة وراثيا إذا شعرت بعدم كفاية الأدلة العلمية حول أمان المنتج، كما يشترط على المصدرين وضع علامات واضحة على شحنات السلع المعدلة وراثيا مثل الذرة أو القطن.

وقبل ثماني سنوات خلال الدورة العاشرة لاجتماع مؤتمر الأطراف في ناغويا، بمحافظة أيشي في اليابان، اعتمد البروتوكول في السنة الدولية للتنوع البيولوجي. ويجسد هذا البروتوكول الهدف الثالث للاتفاقية: التقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدام الموارد الجينية وبالتالي تسهم في حفظ واستدامة استخدام التنوع البيولوجي.

و كرئيس لمؤتمر الأطراف في ذلك الوقت قادت اليابانُ المجتمعَ الدولي إلى تبني رؤية طويلة وطموحة جدا نحو عام 2050: “العيش في وئام مع الطبيعة”، فاعتمد بروتوكول ناغويا، والخطة الاستراتيجية الحالية لاتفاقية التنوع البيولوجي، وأهداف أيشي للتنوع البيولوجي العشرين.

البيوفيليا

وقد استجاب العديد من علماء البيئة وعلماء صون الطبيعة للتهديدات، فعززوا أنشطتهم لنشر تعريف جديد للطبيعة: التنوع البيولوجي، ونشروه في أروقة البرلمانات الغربية وفي برامج التلفزيون الجماهيرية؛ وهمسوا به في آذان القادة، في محاولة شجاعة لإعادة تحديد حدود العلوم والسياسة والأخلاق والدين والطبيعة وأفكارنا حول الطبيعة. وشكل علماء مثل بيتر رافن وتوماس لوفجوي وجين لوبتشينكو و بول إيرليك مفهوم التنوع البيولوجي، وجعلوه مصطلحا دارجا في المجتمع ككل – إذ تتجذر تعريفاتهم للتنوع البيولوجي في آرائهم حول الروحانية ودورها في العمل العلمي ومفهوم التنوع البيولوجي باعتباره شيئًا ذا قيمة جوهرية. واتصلت جهودهم بأعمال رواد القرن العشرين لبيولوجيي الحفاظ على الطبيعة حاليا – ألدو ليوبولد، وتشارلز إس. إلتون، وراشيل كارسون، وديفيد إرينفيلد – الذين استخدموا مفهوم التنوع البيولوجي لإعادة تشكيل الطبيعة والمجتمع. فجادل إي. أو. ويلسون بأن البشر مهيئين وراثيا لحب الطبيعة، وصاغ مصطلح البيوفيليا (حب البيولوجي).

يقول ويلسون: “عندما تسألني هل يجب أن ننقذ هذا النوع أم ذاك، أم هذا المكان أم ذاك؟ يكون الجواب دائما: نعم!’ بعلامة تعجب، لأن الأمر واضح، وإذا طلب إلي أن أبرر رأيي، فأنا أتحول إلى إجابة تقوم على أسس معرفية وأبدأ في إعطائك الأسباب الفلسفية والاقتصادية والجمالية، وكلها ذات طبيعة ثنائية بمعنى ما، لكن الشعور الذي يكمن وراء ذلك هو أن “نعم!” تأتي من التأكيد على أن نكون جزءًا من كل شيء، وأن نكون جزءًا من هذه العملية التطورية بكاملها.

إطار جديد للقرن الحالي

في الاجتماع الأخير لمؤتمر الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي، الذي عقد في شرم الشيخ، مصر، في ديسمبر 2018، أعلن رسمياً عن بدء العملية التحضيرية لوضع إطار عالمي للتنوع البيولوجي لما بعد عام 2020. وقد بدأت سلسلة واسعة من المشاورات الإقليمية والمواضيعية، إذ تتداول الأطراف ومنظمات المجتمع المدني والجماعات النسائية والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية والشباب وروابط الأعمال والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية – جميع أصحاب المصلحة – حول النجاحات والتحديات التي تواجهها جهودنا الجماعية لحماية الطبيعة في إطار الخطة الاستراتيجية للتنوع البيولوجي 2020-2011، وتوثيق مداخلاتهم من أجل تحقيق طموح وطيد للمضي قدماً.

ناغويا مجددا

في 28 يناير 2019، في كلمتها الافتتاحية في حلقة العمل التشاورية الإقليمية لآسيا والمحيط الهادئ بشأن التنوع البيولوجي لما بعد عام 2020، في ناغويا، قالت السيدة كريستيانا باشا بالمر السكرتير التنفيذي لاتفاقية التنوع البيولوجي: “أرى غرفة مزدحمة جدًا أمامي ولا يمكنني إلا أن أجد في هذا إلا علامة على الحماس والأمل الذي نتشاطره جميعًا في تصميم إطار عالمي جديد للتنوع البيولوجي”.

وفي خضم انشغال العالم بتداعيات التغير المناخي، والتركيز على درجات الحرارة وارتفاع منسوب الماء، قد يغيب عن البعض تأثير ذلك وغيره من الأنشطة البشرية على التنوع البيولوجي. إن تناقص التنوع البيولوجي يثير قلق العلماء والقائمين على اتفاقية التنوع البيولوجي، حتى غدا من المتفق عليه علميا أننا نعيش حقبة انقراض جماعي بفعل الآثار البشرية.

فهل الأمل معدوم؟ خاطبت السيدة بالمر الاجتماع مختتمة حديثها: “إن ما نناقشه ونقرره وننجزه في هذه العملية سيمهد الطريق لجهودنا في العقود المقبلة، وهذه الجهود بدورها ستحدد نجاحنا أو فشلنا في ضمان الحياة كما نعرفها على كوكب الأرض الجميل هذا. إنني أحثكم على اغتنام هذه الفرصة وهذه المسؤولية للتفكير بشكل خلاق وطموح وعملي حتى نتمكن من تمهيد الطريق لمستقبل أكثر إشراقًا”.

Exit mobile version