الطب وصحةالعلوم التطبيقية

صعوبات التعلم النمائية لدى الأطفال

د. أسامة الدعّاس

صعوبات التعلم نوعان؛ نمائية وأكاديمية، وينضوي تحت كلّ منهما مجموعة من الصعوبات والاضطرابات الخاصة به، أما صعوبة الانتباه فهي من صعوبات التعلم النمائية، وهناك اتّجاه قوي في دراسات صعوبات التعلم يرى أن اضطرابات الانتباه هي سبب صعوبات التعلم عند الأطفال، وقد سلك العلماء في دراسة اضطرابات الانتباه وتحديد معايير معينة يتناولون بها هذا الموضوع مسلكين مختلفين؛ أولهما يعتبر صعوبات التعلم نتيجة قصور واضطراب في واحد أو أكثر من مكونات الانتباه، وهي اليقظة العقلية، والانتقاء، والجهد، وكل واحدة من هذه لها تأثير واضح في فاعلية الانتباه، وعلى هذا الأساس أجريت تجارب لكشف تباينات الأداء بين المصابين الذين يعانون صعوبات التعلم والأسوياء الذين لا يشكون من ذلك، أما ثاني المسلكين فقد حرص على اختيار الأطفال المصابين بتشتت الانتباه A. D. D مع فـــــــرط النشــــــاط A. D. H. D Attention Deficit Hyperactivity Disorder معتبراً أن الانتباه من الخصائص السلوكية المتعلقة بهذين العاملين هي التي تؤدي إلى هذه الصعوبات.

وبناءً على ما سبق فإن مفهوم الانتباه مفهوم يصعب تحديده، مما أدى إلى تعريفات مختلفة بين العلماء تتقارب حيناً وتتباعد أحياناً، ونستطيع أن نستنتج منها مجموعة من الصفات لتحديد إطار عام في تعريف الانتباه، وهي تقدمه لنا على الوجه الآتي:
1 -  الانتباه استجابة حسية عقلية.
2 -  الانتباه انتقائي للمثيرات ذات العلاقة.
3 -  الانتباه يتعلق بالإدراك من أجل التعلم.
4 –   فيه تركيز ومقاومة للتشتت.
5 -  فيه توجيه للشعور باتّجاه مثير معين.

الانتباه وصعوبة الانتباه
الانتباه في الخلاصة هو القدرة على تحديد عنصر معين من المثيرات السمعية أو البصرية أو اللمسية أو الحركية، ومواصلة التركيز عليه مدة معينة يحتاج إليها الفرد لاستيعاب ذلك المثير.
أما صعوبة الانتباه؛ فهي عدم تمكن الفرد من مواصلة التركيز على واحد من تلك المثيرات لفترة محددة تقتضيها وتتطلبها حاجات التعلم، بسبب حركات مفرطة، أو عدم قدرة على التركيز على مثير واحد ينتقيه من مجموعة من المثيرات المتنوعة المحيطة به، التي سبق ذكر أصنافها.
ومن الجدير بالذكر أن الأطفال –عموماً- يتأثرون بكثرة المثيرات من حولهم مما يؤدي إلى صعوبة في الانتباه، وتشتت في التركيز بنسب مختلفة، ولا يعد ذلك مَرَضياً في حالاته العادية، بسبب اعتياد الطفل على التركيز السليم بعد تكرار التجربة ومداومته عليه في حياته الخاصة.

الانتباه الانتقائي
هو اختيار الفرد مثيراً معيناً يريد أن ينتبه إليه من بين مجموعة من المثيرات المتنوعة لانتقاء شيء من فيض المعلومات التي تزخر بها المعرفة الإنسانية، وهو ما يدعى بالترشيح الذهني أو المصفاة الذهنية للانتباه الإدراكي، التي لا تمرر إلا ما تقع فيه الرغبة من المثيرات المتنوعة. وهذا الاختيار والترشيح أسبق من مرحلة التحليل الإدراكي، فالمعلومات والمثيرات التي لا تملك قدراً كافياً من الاهتمام بها، أو التي لم يكتمل نضجها والثقة بها، يتمّ تجاهلها واستبعادها، فلا تمر بالتحليل الإدراكي للإفادة منها:
< مثيرات
< تسجيل حسي وتخزين
< اختيار وترشيح
< تحليل إدراكي
< انتقاء الاستجابة

ويرى بعض علماء التربية وعلم النفس التربوي والعصبي أن مرحلة الاختيار والترشيح تأتي قبل مرحلة انتقاء الاستجابة وبعد مرحلة التحليل الإدراكي، لأن الفرد ينتبه إلى المثير فيدركه ويختاره ثم ينتقيه دون غيره بسبب مناسبته للمجال المطروق ومروره في مرحلة الاختيار والترشيح:
< مثيرات
< تسجيل حسي وتخزين
< تحليل إدراكي
< اختيار وترشيح
< انتقاء الاستجابة

وترى الباحثة آن تريسمان أن بعض خلايا الدماغ ينبغي أن تتّخذ قراراً بشأن القيام بتحليل إشارة ما أو عدمه قبل أن تقوم بهذا التحليل، ومعنى ذلك أن هناك فرزاً أوّلياً للمعلومات يجري، وأن أولى مراحله تقدير فاعلية الإشارة بالنسبة للخصائص الفيزيائية العامة، وبعد ذلك يحدث فرز تالٍ أكثر تعقيداً من أجل الحكم على معنى هذه الإشارة، وإنّ أكثر ما يدعم دخولها إلى مرحلة الاختيار والترشيح اعتمادها على الدلالات الفيزيقية والأصوات، وبخاصة كلمات الفرد ومعانيه وتركيباته اللغوية التي اعتادها:
< مثيرات
< تسجيل حسي وتخزين
< اختيار
< وترشيح
< تحليل المحتوى اللفظي
< انتقاء الاستجابة

مظاهر صعوبات الانتباه
الانتباه عملية نمائية نلاحظها عند الأطفال من خلال ضعف قدرتهم على تركيز الانتباه وتنظيم النشاط الذهني لديهم في شيء محدد لفترة كافية، بحيث يكون شرود الذهن وتشتت الانتباه مع النشاط الحركي المفرط من السمات المميزة للأطفال الذين يعانون صعوبات التعلم، فقد يكون الطفل جالساً للاستماع أو المشاهدة أو القراءة لكنه في شرود وتشتت، وقد يجمع الأطفال بين تشتت الانتباه وفرط النشاط في وقت واحد، نظراً لعلاقتهما القريبة جداً.
أما الجمعية الأمريكية للطب النفسي فقد عددت مجموعة من مظاهر أعراض اضطراب الانتباه هي:
1 -  عدم إنهاء المهمات التي كلف بها الطفل وبدأ بتنفيذها.
2 -  الميل إلى عدم الاستماع للشخص الذي يكلمه.
3 -  السرعة في التشتت والاهتمام بالمؤثرات المحيطة.
4 -  لا يركز على المهمات التعلمية التي تحتاج إلى مدة من التركيز والانتباه.
5 -  لا يستمرّ في نشاطات اللعب وحده أو مع الأقران.
ويرى بعض علماء التربية وعلم النفس التربوي والعصبي مظاهر بارزة أخرى تضاف إلى ما ذكر آنفاً، وهي تدعم سابقتها وتتناول جوانب أخرى من هذه المظاهر،  تتجلى فيما يأتي:
1 -  الحركة المفرطة: التي تبرز في ثلاث مراحل من عمر الفرد؛ فهناك نشاط زائد مفرط منتشر بين الأطفال من الولادة إلى سن الخامسة، ومرحلة تالية تتمثل في الجانب المعرفي من عمر الطفل في سن المدرسة في المرحلة الابتدائية، بحيث لا يستطيع الطفل تمثل المهارات الدراسية التي يتعلمها، والمرحلة الثالثة تتمثل في الجانب الاجتماعي من حياة الفرد وهو في سن المراهقة.
2 -  الخمول والكسل: ويتمثّل ذلك في الانسحاب من البيئة والمحيط والأقران وعدم الاستجابة للمؤثرات البيئية، وقد يوجّه الطفل تركيزه إلى مثيرات داخلية خاصة، وهذه من خصائص الأطفال من ذوي صعوبات التعلم، فهم يوجّهون اهتماماتهم إلى مثيرات لا علاقة لها بالمهمات المطلوبة منهم.
3 -  القابلية للتشتت: وهي ضعف قدرة التركيز على المثير ذي العلاقة بالمهارة المطلوبة والاستمرار في متابعة تلك المهارة، بحيث يتشتت انتباه هذا الطفل بسهولة بسبب المثيرات المختلفة المحيطة به ولو كانت ضعيفة.
4 -  الاندفاعية: حيث يقدّم الطفل الذي يتصف بها استجابات سريعة لا يتمكن من كبحها للمؤثرات والشواغل والمشتتات الخارجية والداخلية، فيتمّ صرف انتباهه وتحويله عن المهمة الرئيسية المطلوبة من هذا الطفل.

خطوات التشخيص
إن تشخيص صعوبات الانتباه يعتمد على مجموعة من الخطوات المترابطة التي تقدم وصفاً محدداً لمجموعة من سلوكات المصابين به تمهيداً للعلاج، وعلى الباحث التربوي النفسي المتخصص أن يحدّد بدقة نوع الاضطراب الخاص بتشتت الانتباه الذي يعانيه الطفل، وذلك من خلال اختبارات تساعده على ذلك، وأهمها اختباران؛ يستند أولهما إلى دراسة عوامل البيئة التي تحيط بالمصاب، والآخر إلى دراسة العوامل البدنية والانفعالية والتعلّمية التي يخضع لها الأطفال.
1 -  اختبار العوامل البيئية لتشتت الانتباه: تحيط بالطفل عوامل بيئية متعددة ومتنوعة، ويقصد بالبيئة في هذا السياق المنزل والمدرسة والنادي والفريق الرياضي والمسجد والأصحاب والأسرة والأقارب والفصل المدرسي وغيرها.. وتتضمن كل مكان أو وضع تبرز فيه المظاهر السلوكية لاضطراب تشتت الانتباه عند هذا الطفل، وعلى الباحث النفسي التربوي المتخصص أن يحدد هذه الأمكنة والأوضاع التي تبرز فيها هذه السلوكات، من خلال اختبارات متخصصة بهذا الشأن.
2 -  اختبار العوامل البدنية والانفعالية والتعلّمية المؤثرة في تشتت الانتباه: حيث يقع الطفل تحت ضغط منظومة من العوامل تؤدي به إلى تشتت الانتباه، وتتلخص في مجموعة من المؤثرات المتعلقة بسلوك المعلم أثناء تقديم المعلومات، وسيرته في العلاقة مع الطلبة، وشخصيته وعلاقاته بالآخرين في المدرسة، وعلاقة الطالب بالمدرسة وبالمادة الدراسية، ومجموعة قدرات هذا الطالب.
ويتحدد العلاج – بعد هذا – بالنظر إلى إمكانات الأسرة والمدرسة والمجتمع، وقد يتطلب الأمر تدخل جهات طبية داخل المدرسة وخارجها أحياناً.

استراتيجيات العلاج
هناك مجموعة من الاستراتيجيات تمكننا من تلمس الطرق والوسائل الصحيحة للعمل على علاج تشتت الانتباه عند الطفل، مما يؤدي إلى تحسين قدرته على التركيز والتخفيف من حدة تأثير حالات التشتت التي توقعه في كثير من المآزق غير المرغوب فيها، وأهم هذه الاستراتيجيات:
1 -  تدريبات تركيز الانتباه: وتتلخص في توجيه انتباه الطفل إلى مثير ذي علاقة بالموضوع المطروق، مع تجاهل باقي المثيرات المحيطة داخلياً وخارجياً، من خلال؛
أ – لفت انتباه الطفل إلى مثير مهم محدد والطلب إليه أن يركز عليه باستمرار، كأن يقول المعلم: انتبهوا إلى الفكرة الرئيسية الآتية، ويكررها طوال الدرس.
ب ‌- عرض المثيرات بشكل مبسط جداً، وتقليل عددها إلى الحد الأدنى، من أجل استيعابها وإدراكها والتمكن من الإلمام بها.
ت‌ – تلوين المثيرات المهمة بوضع خطوط تحتها، أو رسمها ضمن دائرة أو مستطيل، أو استخدام خط مغاير تكتب به كالثخين أو المائل أو المميز عن باقي الكلام.
ث ‌- التنويع في أسلوب استخدام المثيرات لأن اعتياد الطفل على طريقة واحدة من العرض يجعله يمل هذه المثيرات.
ج‌ -  استخدام طريقة الحواس المتعددة في عرض المثيرات؛ فتارة يستدعي المعلم الذاكرة السمعية، وتارة البصرية، وتارة الحركية، وتارة اللمسية.
2 -  تدريبات استمرار الانتباه: التي تؤدي إلى زيادة مدته، متضمنة التركيز السليم على المثيرات ذات العلاقة بالموضوع المطروق، ويمكن أن تتمثل فيما يأتي:
أ‌ – تحديد المعلم -منذ البداية- لما يجب أن يقوم به الطفل، ووضعه على شكل هدف إجرائي له خطوات محددة توصله إليه، ويمكن قياسه وتقويمه.
ب‌ – تجزئة التدريب الواحد إلى مهمات متسلسلة متتالية تفصل بينها فترات راحة.
ت ‌- التعزيز والإطراء والمكافأة -مادياً ومعنوياً- لكل زيادة في مدة الانتباه.
ث‌ – استخدام مؤقت زمني – ساعة- لقياس الزيادة في مدة الانتباه، وعدم استخدام الشعور بالوقت لقياس ذلك.
3 -  تدريبات المرونة لنقل الانتباه: ويقصد بها تمكن الطفل من نقل انتباهه من مثير إلى آخر بشرط أن يكون كل مثير واقعاً في سياق الموضوع، ويمكن أن يتحقق بالأمور الآتية:
أ‌- منح الطفل وقتاً مناسباً لنقل الانتباه من مثير إلى آخر، بعد استيعاب الموضوع.
ب – تقليص مدة الانتقال بين المثيرات بعد أن يتدرب الطفل عليها.
4 -  تطوير تسلسل الانتباه: يقتضي التسلسل عملية الترتيب بين المثيرات وتوالي هذا الترتيب، بحيث تنتقل عملية الحفاظ على التسلسل إلى طور المهارة فالخبرة من خلال:
أ‌- الزيادة التدريجية في عدد الموضوعات أو الفقرات التعليمية التي ينتبه إليها الطفل.
ب ‌- تجزئة المهمات التي ينبغي للطفل أن ينتبه إليها لزيادة المدة.
ت‌ – تكرار تسلسل المهمة التعليمية ليتمكن الطفل من استيعابها ومعرفة ما يجب القيام به.
5 -  فرط النشاط: يتضمن فرط النشاط مجموعة من الاضطرابات المتراكبة أهمها تشتت الانتباه، وضعف ضبط النفس، والاندفاعية، وهذه كلها تؤثر سلباً في التحصيل المدرسي، وفي العمليات العقلية الأساسية، وغير ذلك، ويمكن اتّباع ما يأتي من أجل التخفيف من حدّة فرط النشاط عند الأطفال:
أ‌- تعزيز ومدح السلوك المطلوب للتشجيع على تثبيته، والاستجابة السلبية للسلوك غير المرغوب فيه للحثّ على تركه.
ب‌ – وضع قدوة معرفية يقلدها الطفل ويتتبع خطواتها وسيرتها، ويتبين دورها ونفعها، مع التعزيز والمديح.
ت‌ – تجزئة المهمات المدرسية والتربوية المطلوبة من الطفل لتكون استجابته إلى التقويم وتعديل السلوك أسهل عليه، وضمن قدراته وإمكاناته.
ث ‌- تفريغ طاقة الطفل ونشاطه في لعب هادف مفيد مقنن، والسماح له باللعب والرياضة ما أمكن للتعبير عن انفعالاته.
أخيراً لا بد من القول إن المجتمع عامة مسؤول عن هذه الفئة من الأطفال الذين لا يظهرون أي صفة من صفات الإعاقة الجسمية أو العقلية ويتمتعون بذكاء عادي جداً، وربما بذكاء جيد أو جيد جداً، وقد يكون بعضهم من الموهوبين في مجالات معينة، مما يحملنا جميعاً مسؤولية العناية بهم والنظر في حاجاتهم والصبر عليهم، وإشعارهم بأننا معهم لمعرفة مشكلاتهم ومعالجتها، دون أن نسبب ضغطاً عليهم فوق ضغط هذه المشكلات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى