أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم الطبيعية

حوت الأوركا.. القاتل المرح

حوت ضخم يتراوح طوله بين 6 و8 أمتار استطاع المدربون ترويضه ليتحول من أشرس قاتل بحري إلى لاعب سيرك مائي مميز يدهش المتفرجين.

د. قاسم زكي
 أستاذ الوراثة في كلية الزراعة بجامعة المنيا (مصر)

    لطالما كانت الحيتان القاتلة مصدر خوف وقلق للبشر؛ بسبب حجمها الضخم وسرعتها الفائقة وهجماتها القاتلة وسلوكها العدواني، كما كانت في الوقت نفسه مصدر رزق وفير لبعض الشعوب بسبب لحمها الغزير وشحومها المستخدمة في صناعات عدة، فلجأ البشر إلى أساليب متنوعة للتخلص منها والقضاء عليها. وكثيرا ما يلجأ الصيادون إلى قتلها تفاديا لاعتداءاتها على الأسماك التي يصطادونها (مثلما يحدث مع صيادي التونة في المغرب الذين تخطف الحيتان منهم التونة حتى لو كانت في شباكهم). وعلى الرغم من ذلك، فإن حوادث هجوم الحيتان القاتلة على البشر نادرة جدا، وغالبا ما يخلو تاريخ الرصد منها، لكنها قد تقدم على ذلك إذا أحست بالخطر لاسيما على أبنائها، وفي الأسر حين يُساء معاملتها أو حين يعتريها الغضب والحزن، فتهاجم مدربيها والعمال الموجودين في أحواض الأسماك.

ومن الحيتان الغريبة في طباعها وسلوكها الحوت القاتل Killer Whale، أو الحوت السفاح أو حوت الأوركا Whale   Orcaالذي استطاع المدربون ترويضه ليتحول من أشرس قاتل بحري إلى لاعب سيرك مائي مميز يدهش المتفرجين.

  وهذا الحوت المعروف باسمه العلمي Orcinus orca يعرَف أيضا باسم دولفين الأوركا. ويطلق عليه مسمى الحوت، لكنه في الواقع ليس حوتا، بل هو أكبر نوع من الدلافين (وإن كانت تسمية حوت هي الأكثر شيوعا له). وهذه الحيتان مُسَننة وشرسة وجماعية المعيشة وذكية جدا، وتعد من أكبر الثدييات التي تعيش في الماء.

ملك البحار

الحيتان القاتلة تتنفس بالرئتين وليس بالخياشيم فهي ليست من نوع الأسماك، لذا لا تزيد مدة مُكوثها تحت الماء عن 20 دقيقة. وهي تلد ولا تبيض، وتُرُضع صغارها. ويعدّ حوت الأوركا من الحيوانات المفترسة وملك البحار بامتياز؛ فلا يوجد أي نوع من أنواع الكائنات الحية يمكنها مطاردته باستثناء البشر. وهو يترأس الهرم الغذائي البحري، فلا يوجد أي حيوان يتغذى به، أما هو فيتغذى بجميع الكائنات الحية في الماء.

وللحيتان القاتلة أنظمة غذائية متنوعة، على الرغم من أن كل مجموعة منها تتخصص في نوع معين من الغذاء. ومعظمها تعتمد على الأسماك، وبخاصة سمك السلمون، وبعض الأنواع الأخرى تتغذى بالحبارات والثدييات البحرية مثل أسود البحر، وعجول البحر، أو حتى بالحيتان الكبيرة، مثل الحوت الأزرق، أكبر مخلوق على وجه البسيطة. كما تتغذى الحيتان القاتلة بالدببة القطبية والغزلان والطيور المائية وغيرها التي تقترب من المياه وتتأثر بعمليات المد والجزر.

  وتهاجم الأوركا القروش البيضاء (أخطر وحوش البحار) بطريقة خاصة عن طريق قلبها على ظهرها فتفقدها وعيها ثم تفترسها. وتتعاون الحيتان في عملية الصيد (الافتراس) بشكل يشبه ما تفعله الذئاب في البر، إذ إن لكل حوت دوراً يؤدّيه في عملية تشبه رقصة الباليه، لذا فإن على الحيتان في المجموعة أن تتحرك بطريقة منسّقة، وأن تتواصل فيما بينها وتقرّر ما الذي يجب فعله تالياً.

العملاق يغني

يتراوح طول حوت الأوركا بين ستة وثمانية أمتار ووزنه بين أربعة وخمسة أطنان، وجسمه طويل ومدوّر وشديد الانسيابية. وأول ما يرى في الحوت القاتل هو زعنفته الظهرية الطويلة (يبلغ طولها نحو 1.8 متر) التي تبدو مشرعة فوق سطح الماء عند مروره، وله قفزات هوائية مميزة. ويشاهد أيضا وهو يصفع سطح الماء بذيله كما لو أنه يلعب لعبة تصفيق باليدين مع البحر. والحيتان القاتلة حيوانات اجتماعية تعيش مع أفراد عائلتها في مجموعات مستقرّة تُسمّى أسرابا تقودها الأمهات.

 وتتواصل الحيتان القاتلة مع بعضها بعضا من خلال مجموعة متنوعة ومعقّدة من الأصوات (الطقطقات والصفير والصرير والعويل)، التي تصدر من جرّاء الهواء المار في الجيوب الأنفية تحت الثقب الجلدي على الرأس. وتختلف الأصوات من سرب إلى آخر، فلكل مجموعة لهجتها الخاصة. وتستطيع الحيتان القاتلة التعرُّف على أسرابها بسهولة من على بُعد عدة أميال بفضل ألحانٍ مميزةٍ. وأظهر الباحثون أنه كلما كانت اللهجات متماثلة بين سربين، كانت صلة القرابة بينهما أقوى. وتوجد ثلاثة أنواع من الحيتان القاتلة طبقا لمنطقة معيشتها، فمنها مقيم وآخر عابر وثالث بعيد. وهناك تقسيمات أخرى تشير إلى أربعة أنواع هي “A” و”B” و”C” و”D” طبقا للصفات الوراثية. وتُدعى أسراب الحيتان ذات اللهجات المماثلة عشائر.

   وأظهرت نتائج دراسة علمية أن الحوت القاتل الذي يستطيع تقليد نطق كلمات مثل “مرحبا” و “إلى اللقاء” (باللغة الإنجليزية) هو الأول من نوعه في القدرة على محاكاة كلام البشر. واستطاعت أنثى حوت -خضعت للدراسة- تعلم “نطق” بعض الكلمات عن طريق مدرب لدى حديقة مائية في فرنسا. ويضم المخزون اللغوي للحوت كلمات منها “آمي” و “واحد، اثنان، ثلاثة”.

كائنات معمرة

على الرغم من أن متوسط عمر الحيتان القاتلة يتراوح ما بين 60 و80 عاما، فإن هناك إناثا من مجموعة “المقيمين الجنوبيين”، عاشت لأعمار طويلة. ويقدر بعض الخبراء أن أنثى الحوت القاتل، التي اشتهرت باسم “غراني” أو الجدة، كانت قد بلغت 105 أعوام عند اختفائها (12 أكتوبر 2016). وهذه الجدة كانت تحكم مجموعة تسمى “الحيتان القاتلة المقيمة بالجنوب في المحيط الهادئ”، وكان الباحثون قد بدأوا دراستهم على تلك الأنثى، التي تعرف رسميا باسم “جيه 2″، في عام 1971، وكانت تناهز آنذاك 60 عاما، وتم تمييزها بوضع علامة على زعنفتها الظهرية إضافة إلى شج بشكل نصف قمر. وهناك أخريات مماثلات لغراني منهن، على سبيل المثال، “أوشن صن” (شمس المحيط) التي قضت عن عمر ناهز 85 عاما، و”لومي” التي قضت عن عمر بلغ 98 عاما.

وينتشر الحوت القاتل في مختلف محيطات وبحار العالم (عدا البحار المغلقة كبحر قزوين) لكنه يفضّل العيش في المناطق الباردة، ويوجد بأعداد كبيرة، لذا فهو غير معرض للانقراض. ويتميز الحوت بلون جميل فظهره أسود لامع، أما البطن فمختلط بين الأبيض والأسود. ويشاهد بكثرة في مضيق جبل طارق وشواطئ المغرب. وشوهد أيضا في البحار المجاورة للبلدان العربية الأخرى، فقد سجل وجوده في مياه السعودية واليمن ومصر وخليج العقبة وقرب سواحل لبنان وفلسطين.

حكايتها مع البشر

على الرغم مما يعرف عن الحوت القاتل من بطش وشراسة، فهو ودود ورقيق المشاعر مع البشر، مما مكن الإنسان من أن يستأنسه ويروضه، بل جعله أكثر مرحا من أقرانه من الدلافين، ونظرا لذكائه الشديد فقد تجاوب مع مدربيه بشكل مذهل. فهو يعوم معهم ويحملهم على ظهره، بل وعلى بطنه حين يسبح مقلوبا، ويرفعهم عاليا في الهواء عدة أمتار على فمه. وهو يمتع المشاهدين برش الماء على وجوههم ولاسيما بزعنفته الذيلية التي يكورها كالملعقة الضخمة في دعابة محببة للجميع. لكنه أحيانا يصاب بالسأم والحزن والكآبة من بقائه في الأسر، فيلجا إلى الانتحار أو يهاجم الكائنات البحرية الأخرى التي تشاركه أحواض السباحة مثل الدلافين أو الفقمات. بل سجلت حوادث عدة لهجومه وقتله مدربيه وعمال متابعة الأحواض.

وقيل إن حياته في الأسر تعرضه لمعاملات غير طبيعية سواء حقنه بالمواد المهدئة (مخدرات) لسهولة ترويضه والتحكم فيه، والميل إلى تجويعه حتى يخضع لهم ويتبع أوامرهم في عمل عروض خاصة، بل قيل إنهم يطعمونه الجيلاتين لشراهته المفرطة وتعويض قلة الغذاء المتاح (يحتاج لأكثر من 200 كيلوغرام من الغذاء يوميا). كما يلجؤون إلى تلقيحها صناعيا، ثم يفصلون صغارها عنها مما يسبب لها حزنا شديدا. وقررت معظم أحواض العروض منع سباحة المدربين مع الحيتان في تلك الأحواض تفاديا للحوادث المروعة. وتستقطب هذه الأحواض نحو مليون زائر سنويا.

وتتعرض هذه الحيتان لمشكلات عدة تؤثر في تكاثرها وصحتها وحياتها، ومنها تلوث البحار والمحيطات بالمواد السامة؛ فذلك التلوث يُعَرّض الأنواع التي تتغذى بها الحيتان للخطر، في حين أن صيد الأسماك الترفيهي والتجاري استنفد مخزون سمك السلمون الذي يشكّل الغذاء الأساسي للحيتان القاتلة. كذلك فإن قُرب مواطن الحيتان من المدن أدى إلى تكرار حوادث اصطدامها بالقوارب وتعرّضها لأعداد متزايدة من الانسكابات النفطية. ولما كانت تلك الحيتان تعتمد على مرجع دقيق من الأصوات في تواصل بعضها مع بعض وتحديد مواقع فرائسها، فقد يكون لتلوث الضوضاء الذي تنتجه قوارب مشاهدة الحيتان عواقب كبيرة على صحتها.

هذا هو الحوت القاتل المرح الذي يتمتع بذكاء مميز، لكنه يعاني في البحر وأيضا في الأسر. إنها مخلوقات الله التي زود بها الكون ربما من أجل الإنسان، فهو خليفته في الأرض، لذا وجب الحفاظ عليها.

 

 خصائص عامة

  • يستخدم حوت الأوركا رئتيه في التنفس، فعندما يظهر على سطح الماء يخرج الهواء الذي تنفسه تحت الماء، ويستنشق الهواء النقي ويحتفظ به داخل رئتيه. لذا إذا نام الحوت نوما عميقا فربما يموت غرقا. وأظهرت نتائج دراسات علمية أن حوت الأوركا عندما ينام يكون نصف مخه نائما والنصف الآخر يقظا مما يسمح له بالتنفس والسباحة تحت الماء. وهناك دليل آخر على نوم ذلك الحوت وهو أنه يغلق إحدى عينيه ويترك الأخرى مفتوحة، ويعتقد أن الجانب المقابل للعين المفتوحة هو الذي يكون نائما.
  • متوسط عمر الإناث في الأسر 29 سنة والذكور 17، وكثيرا ما تموت مبكرا، ولم يسجل موت الحيتان من الشيخوخة في الأسر.
  • تضع أنثى الحوت عادةً عجلاً واحداً كل خمس سنوات، وتلده بعد 17 شهرا من الحمل. ويتراوح وزن العجل المولود ما بين 260 و350 كيلوغراما ويبلغ طوله نحو 2.4 متر. وتهتم الأمهات بصغارها نحو عامين بعدها تستطيع الصغار الاعتناء بنفسها.
  • يتراوح عدد أسنان الحوت ما بين 40 و48 سنًا. ويبلغ طول كل منها نحو 10 سنتيمترات، وهي قوية جدا وتساعده على افتراس الكائنات البحرية. وسرعته القصوى في السباحة56 كيلومترا في الساعة، ويسبح يوميا نحو 100 كيلومتر.
  • تتمتع حيتان الأوركا بذكاء شديد، ويقارن ذكاؤها بذكاء البشر. ولها لغة متقدمة بأصوات مميزة، ولكل فرد منها اسم مميز ينادونه به.
  • تعد الحيتان القاتلة من الكائنات المهاجرة. وبعضها يهاجر لمسافة تزيد على 5200 كيلومتر في أطول طرق الهجرة المسجلة في العالم.
  • الرؤية لدى حيتان الأوركا جيدةٌ، وتمتلك حاسة سمعٍ مُرهفة، وحاسة لمس جيدة. لكن يصعب عليها تحديد موقع فرائسها باستخدام بصرها؛ بسبب الظّلام الدّامس في أعماق المحيطات، لذا فهي تستخدم صدى الصوت للعثور عليها (كالخفافيش)، حيث تتمتع بقدرات استثنائية في تحديد مواقع الأشياء عن طريق إرسال ترددات صوتية معينة واستقبال صداها، ثم تحديد مواقع وخواص الأشياء والفرائس في محيطها.
  • من العادات الغريبة لحيتان الأوركا القفز خارج الماء وهبوطها مرة على الجانب الأيسر ومرة على الجانب الأيمن ومرة على ظهرها. ويعتقد أن لتلك القفزات ثلاثة أسباب: أولها هو حك وتنظيف جلدها من الطفيليات، عندما تقفز عاليا ثم تهبط مرتطمة بجسمها بقوة بسطح الماء؛ وثانيها هو تعبير للراحة النفسية ودعوة الإناث للتزاوج؛ وثالثها هو السقوط عموديا لتهجم على فريستها وتصدمها لتشل حركتها وتسيطر عليها لتأكلها.
تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى