تكنولوجيا

تغيّر العقل

بصمات التقنيات الرقمية على أدمغة البشر

د. عبدالله بدران

لم تعد ظاهرة انتشار شبكات التواصل الاجتماعي في كل مكان، وهيمنتها على عقول الشباب، وتأثيرها في التوجهات والرؤى والأفكار خافية على أحد، أو مجهولة للجمهور، أو خفية لكل المعنيين الذين يتابعون التطورات الحاصلة في المجتمعات، والقوى التي تعمل على تغييرها، وتؤثر في هويتها.

لكن التأثير الهائل الذي تحدثه شبكات التواصل الاجتماعي في الدماغ، والتغيير الذي تسببه للعقول، لم يحظ بدراسات كثيرة، بسبب صعوبة ذلك النوع من الدراسات، والحاجة إلى مدة طويلة حتى تظهر التجارب والتطبيقات نتائجها.

وبطبيعة الحال، وبالنسبة إلى كثيرين، فإن التواصل عبر الشبكات الاجتماعية يمثل عاملا مساعدا ممتعا للحياة العادية، يعزز التواصل مع الأصدقاء الذين جرى اكتسابهم في العالم الحقيقي. لكن سبب رواج هذه المواقع يرجع إلى أكثر مما توحي به أناقتها وقدرتها على جعل الحياة أسهل. يمكن اعتبار مواقع الشبكات الاجتماعية نوعا من “سَقْط الطعام” بالنسبة إلى الدماغ: فهي غير ضارة بما فيه الكفاية عند استخدامها باعتدال، لكنها ضارة عند الإفراط في استخدامها.

تغير العقل والإرادة الحرة

تقول مؤلفة كتاب (تغير العقل) إنها ركزت جهودها على مدار عقود عدة على محاولة اكتشاف الآليات العصبية الأساسية المسؤولة عن الخَرَف، الذي يعني حرفيا فقدان العقل. لكن حتى قبل أن ترتدي المعطف الأبيض للمرة الأولى، كان الذي يمتلك جاذبية مطلقة بالنسبة لها هو السؤال الأوسع والأعمّ حول ما عساه أن يشكّل الأساس المادي للعقل نفسه. وفي رحلتها غير التقليدية إلى أبحاث الدماغ عن طريق الفلسفة الكلاسيكية، كانت دائما مهتمة بالأسئلة الكبيرة حول ما إذا كان البشر يمتلكون بالفعل إرادة حرة، والكيفية التي يمكن للدماغ المادي عن طريقها توليد التجربة الشخصانية للوعي، وما السبب الذي يجعل كل إنسان فريدا من نوعه.

وتضيف مؤلفة الكتاب الذي ترجمه الدكتور إيهاب عبد الرحيم ونشره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت إنها على مر السنين بحثت في تأثير البيئة المحفزة والتفاعلية «المخصّبة» في العمليات الدماغية، وكذلك في إفراز وعمل الدوبامين، المرسال الكيميائي الدؤوب المتعدد البراعات، والذي يرتبط بدوره بالتجارب الشخصانية للمكافأة والسرور، والإدمان. كما بحثت في كيفية عمل عقار الريتالين، الذي يستخدم لعلاج اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، وفي الكيفية التي يمكن بها للتبصرات المستمدة من العلوم العصبية أن تسهم في تحسين الأداء في الصف الدراسي. ومع ذلك فقد كان هناك دائما موضوع أساسي مشترك بين جميع المجالات البحثية المتنوعة هذه، بما في ذلك الأبحاث حول الاضطرابات التنكسية العصبية: الآليات الدماغية المستحدثة، وكيفية تفعيلها على نحو غير ملائم في المرض، وبشكل أعم، كيف تمكّن هذه العمليات العصبونية غير المفهومة تماما حتى الآن كل واحد منا من التكيف مع بيئته الفردية الخاصة – أي أن تصبح أفراداً؟

يتمثل الهدف الرئيسي من كتاب (تغيّر العقل) في استكشاف الطرق المختلفة التي يمكن أن تؤثر بها التقنيات الرقمية ليس فقط في أنماط التفكير والمهارات المعرفية الأخرى، ولكن أيضا في نمط الحياة، والثقافة، والتطلعات الشخصية. ووفقا لذلك، فبالإضافة إلى تغطية المؤلفات العلمية الخاضعة لمراجعة الأقران، يجد القارئ مناقشة لمختلف السلع والخدمات التي قد تكشف عن نوع جديد من طرق التفكير، فضلا عن التعليقات والتقارير المنشورة في الصحافة الشعبية التي تعمل كمرآة للمجتمع الذي نعيش فيه.

وجاء الكتاب في 20 فصلاً، تنوعت موضوعاتها ومحتوياتها لتعبر عن تجربة ثرية للكاتبة وعن دراسة معمقة لموضوع الكتاب الأساسي من جوانب عدة، مع استشهادات كثيرة، وعرض لنتائج وتجارب علمية. وكانت عناوين الفصول هي:(تغير العقل: ظاهرة عالمية)، و(أزمنة غير مسبوقة)، و(مسألة مثيرة للجدل)، و(ظاهرة متعددة الأوجه)، و(كيف يعمل الدماغ)، و(كيف يتغير الدماغ)، و(كيف يصبح الدماغ عقلاً)، و(أن تفقد عقلك)، و(الشيء المتعلق بالشبكات الاجتماعية)، و(الشبكات الاجتماعية والهوية)، و(التواصل عبر الشبكات الاجتماعية والعلاقات)، و(التواصل عبر الشبكات الاجتماعية والمجتمع)، و (الشيء المتعلق بألعاب الفيديو)، و(ألعاب الفيديو والانتباه)، و (ألعاب الفيديو والعدوان والتهور)، و(الشيء المتعلق بتصفح الإنترنت)، و(الشاشة هي الرسالة)، و(التفكير بشكل مختلف)، و(تغيّر العقل فيما وراء الشاشة)، و(صنع الارتباطات).

ظاهرة عالمية

في الفصل الأول الذي تستعرض فيه تخلص المؤلفة مستويات تغير العقل إلى نتيجة مفادها أن الحجة التي يستند إليها مفهوم تغيّر العقل هي: يتكيّف الدماغ البشري على أي بيئة يوضع فيها. وترى أن عالم الإنترنت الذي يميز القرن الحادي والعشرين يقدم نوعا جديدا من البيئة. لذا، ربما يتغير الدماغ بصورة موازية لذلك وبطرق جديدة متوافقة معها. وإلى الحد الذي يمكننا معه أن نبدأ في فهم وتوقع هذه التغيرات الإيجابية أو السلبية، ستزداد قدرتنا على التنقل عبر أرجاء هذا العالم الجديد.

وعندما يناقش الكتاب الكيفية التي يتغير بها العقل يخلص إلى وجود أدمغة طائفة كاملة من الحيوانات تتسم بلدونتها المدهشة، وإلى أن الدماغ البشري يُعد متفوقا في ذلك بصورة استثنائية. فهو يتكيف ماديا باستمرار مع الأنواع المتكررة من السلوكيات، وذلك وفقا لمبدأ «استخدم قدراتك وإلا فستخسرها». يتسم هذا التحديث العصبوني الذي لا نهاية له بأنه واضح بشكل خاص خلال الأطر الزمنية الحرجة خلال النماء، لكنه يستمر طوال الحياة وحتى سن الشيخوخة. ومع ذلك فاللدونة لا تتوقف عند تكرار مهارات معينة. إن التجربة المجردة للعيش والتفاعل في بيئة معينة تترك بصماتها على الدماغ ، مما يؤدي بدوره إلى دوائر دماغية شخصانية وفريدة من نوعها (الحالة الذهنية)، والتي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى مزيد من التغيرات المادية في الدماغ والجسم.

الشبكات الاجتماعية

وحينما تناولت الكاتبة الشبكات الاجتماعية رأت أن الشيء المتعلق بالشبكات الاجتماعية يسخّر ويعزز حلقة بيوكيميائية يرجّح أن تكون مفرغة، حيث تضمن القوى البيولوجية التطورية أن يشعر البشر بالرضا عندما يكافحون الشعور بالوحدة عن طريق تبادل المعلومات الشخصية مع الآخرين، ويحدث ذلك بوساطة إفراز الدوبامين في الدماغ. ونتيجة لذلك، يخلق الإفصاح الذاتي ضربا من المتعة الخالصة التي تتسم بكونها مباشرة مثل تلك المستمدة من الطعام، أو الجنس، أو الرقص، أو الرياضة. وحتى الآن، فإن هذه الرغبة الطبيعية للسماح بالإفصاح عن كل شيء قد تقابلها الصرامة والقيود المفروضة على لغة الجسد في الاتصال المباشر وجها لوجه، مما يجعل الشخص واعيا تماما بذاته الخاصة. و(من الممكن لهذا الوعي بكونك شخصا عاديا أن يؤدي دورا قيما جدا في ضمان ألا يجري التلاعب بنا أو الاستيلاء علينا من الخارج. ومن ثم، من خلال كبح الرغبة الطبيعية في الكشف عن المعلومات حول أنفسنا لكل شخص وأي شخص، فإن الرغبة المعاكسة في الخصوصية تضمن أن الأفراد الموثوق بهم هم وحدهم الذين يمكن لهم الوصول إلى ذاتك «الحقيقية» السريعة التأثر).

وتقترح الكاتبة التواصل عبر الشبكات الاجتماعية لإزالة تلك القيود، مما يسمح للأفراد بالكشف عن معلومات أكثر من أي وقت مضى من خلال هذه الوسيلة. والتنازل الناتج من ذلك الحق المكتسب القديم في الخصوصية قد يعني أن الآخرين سيفكرون أقل في ذاتك «الحقيقية» التي جرى كشفها الآن. ولكن تخيل لو أصبح هذا النمط من الإفصاح الذاتي والتغذية الراجعة المستمرة هو القاعدة. قد يصبح من الصعب على نحو متزايد حماية «الذات الحقيقية»، مع كل ما تحتويه من نقاط الضعف والفشل، من أن يُعاد تشكيلها واستبدالها بذات مثالية بصورة مبالغ فيها، كتلك المعروضة لجمهور مؤلف من مئات من «الأصدقاء» و«المتابعين». وهنا ينتهي الكتاب إلى تسؤل منطقي هو: ما الذي يمكنه إذن أن يحدث إذا ما بدأت هذه الشخصية التي جرى تلميعها افتراضيا في استخراج ذاتك الحقيقية؟

التواصل المستمر 

لاشك في أن شبكات التواصل الاجتماعي تقدم وعدا بأن يكون المرء على الدوام «متصلاً، ومرغوبا،ً ومثيراً للإعجاب، وحتى محبوباً» كما يقول الكتاب. وتلك الشبكات جلبت إلى مجتمعنا تفسيرات للهوية والعلاقات تتحدى القيم والأخلاق الحالية، وذلك بطريقة لم تكن متخيّلة حتى قبل عقد واحد من الزمان.

لا يزال النقاش قائما بشأن قيمة التكنولوجيا الرقمية المنتشرة في التعليم من دون إجابة؛ لذا – كما تقول المؤلفة- سيتعين علينا أن ننتظر حتى يتولى مراهقو اليوم أولى وظائفهم. حاليا، يبدو أن أي تأثير متوسط المدى أو قصير المدى سيعتمد على السياق الذي تبرز فيه الشاشات: ما يجري تدريسه، على يد مَن، وأين يُدرّس. وبشكل أكثر عمومية، فبالنسبة إلينا جميعا، فإن تقنيات الشاشة التفاعلية القوية تلك ليست مجرد تجارب مثيرة ولكنها أدوات مهمة أعادت تشكيل عملياتنا المعرفية، وستستمر في ذلك لتخلق كلا من المنافع والمشكلات. إن الفرق بين رقاقات السيليكون والورق، وسبل تشتيت الانتباه التي ينطوي عليها تعدد المهمات والنص التشعبي، والميل إلى التصفح بدلا من التفكير بعمق؛ تشير جميعها إلى حدوث تحولات جوهرية في الكيفية التي يُطلب بها من عقولنا أن تؤدي عملها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق