تاريخ الجراحة وإسهام العرب والمسلمين فيها

د. قاسم السارة

كان الإنسان الأول يحتاج إلى من يرعاه عندما يلحق به أذى وهو يجمع قوته من الصيد والقنص أو يغير على أعدائه أو يصد صولة من يهاجمه، وازدادت تلك الاحتياجات وتعقَّدت عند اشتباك الجماعات بعضها مع بعض في حروب طاحنة تخلف وراءها جرحى يتألمون وينزفون ويتهددهم الموت، فإذا ما مات بعضهم توجب على من يتبقى بعدهم مواراة أجسادهم أو الاحتفاظ بها إكرامًا لهم وتخليدًا لذكراهم، ومن ثَمَّ نشأت الحاجة إلى الجراحة وإلى التحنيط، فاشتهر قدماء المصريين بالتحنيط الذي يتطلب تفريغ الأحشاء الداخلية والتعامل عن قرب معها ومعرفة وظائفها وأمراضها.

الجراحة في العصور القديمة

اشتهر قدماء المصريين وغيرهم بممارسة الجراحة، ووثَّقوا معارفهم وممارساتهم بالكتابة على أوراق البردي والنقش على أحجار المعابد. فقد وصفت بردية إدوين سميث -التي يعتقد أنها كتبت نحو عام 1600 قبل الميلاد-  علاج وتشخيص 48 حالة إصابات وكسور وجروح وأورام بإغلاق الجروح بالخياطة مع استخدام العسل والخبز المتعفن كمطهر. وقبل ذلك بنحو قرنين تضمنت شريعة حمورابي (1792 – 1750ق.م) في بابل بالعراق، وهي من أقدم شرائع العالم، مواد تتعلق بعمل الجراحين، فمنها على سبيل المثال مادة تتناول ما يترتب على إجراء الطبيب شقا كبيرا بأداة للعمليات وعلاجه، أو فتحه ورمًا فوق عينه.

ولئن اكتسب التحنيط طابعًا مقدسًا ودينيًا، فإن الجراحة اتسمت بالواقعية، حتى إن القدماء أطلقوا على الجراحة اسم “العمل باليد”، ومنه جاء المصطلح “chirurgie “ الذي يتألف من جذرين لغويين هما “ chir” ويعني اليد و“ergie” ويعني العمل، فقد كان الجرائحي يستعمل يده لتقدير حجم الجرح وعمقه، ويصف الطعنة بأنها “غموس” إذ كانت عميقة تضيع فيها اليد التي يغمسها فيها. وإلى جانب العمل باليد كان الناس يطلقون على الجراحة أيضًا العمل بالحديد أو العلاج بالحديد؛ لأن المتطببين الجرائحيين كانوا يستخدمون أداة تسمى “المحراف”، وهي الميل والمسبار الذي تقاس به الجراحات، كما تردد ذكر “المبزغ” وهو المِبْضَع والمِشْرَط في الحِجامَة وفي الفَصْد، ويمكن إضافة كل من بَتْر الأطراف وخياطة الجروح والخِتان، ولكن بتواتر أقل.

الجراحة في صدر الإسلام

كان العرب في بواديهم وحواضرهم يعرفون من الجراحة الكَيْ والفصد والحجامة وتجبير الكسر ورد الخلع. وقد تردد ذلك في أشعارهم وآثارهم. وكان الكي منتهى جهدهم حت قالوا «آخر الدواء الكَيْ». وكما في كل المجالات الأخرى، في البدء كانت المرأة، أمًا أو زوجة أو أختًا، هي الملاذ الأول والأقرب والأفضل لرعاية المرضى والجرحى، فاشتهر من النساء على مدار الجاهلية وفي صدر الإسلام الكثيرات ممن قدمن خدمات جليلة في الإسعافات الأولية للجرحى والعناية التمريضية للمرضى، ولاسيما طعنات السيوف والنبال والرماح، وكان أول إجراءٍ يجرينه هو وقف النزيف. ولم تكد حاضرة من حواضر البلاد تخلو من الأطباء.

وفي العصر الأموي وأوائل العصر العباسي انفتح المسلمون على علوم من سبقوهم، وأقبلوا عليها بالترجمة والنقل مع نسبتها إلى أصحابها بنزاهة صريحة، حتى إذا تمثلوها بنوا عليها وأضافوا إليها. وأسهم في الترجمة أطباء من كل الأديان والمذاهب، وقد حفلت كتب التراجم بالعشرات منهم، ولا سيما كتاب (عيون الأنباء في تاريخ الأطباء) لابن أبي أصيبعة، وكتاب (طبقات الأطباء والحكماء) لابن جلجل القرطبي.

الجراحة في العصر العباسي 

تضمنت كتب الأدب والعلم مصطلحات تشير إلى أن التخصص بين الأطباء أمر شائع، إذ كان الناس يطلقون على الأطباء الذين يعالجون الأمراض الباطنية «الطبائعيين»، وعلى الذين يعالجون الأمراض بالجراحة «الجرائحيين»، وعلى الذين يعالجون العظام «المُجَبِّرين»، وعلى الذين يعالجون العين «الكَحَّالين»، وعلى من يمارسون الحِجامة «الحجَّامين». والحجامة هي استخراج مقدار من الدم الذي يصفونه بأنه «فاسد» بكأس يسحب هواؤها بالمص فيخرج الدم من الشقوق السطحية التي تُشَق في مكان الكأس، ويطلقون على من يمارسون الفصد «الفصَّادين»، والفصد هو شق العرق لإخراج مقدار من الدم لمعالجة بعض الأمراض، وكان الطريقة المفضَّلة لإعدام كرام القوم وملوكهم، كما كان هناك «البيطريون» الذين يجمعون الخبرات حول الحيوانات وما يلم بها من أمراض تتطلب المعالجة. وكان «الخِصاء» بأشكاله المتنوعة معروفًا لدى البيطريين الذين يخصون الحيوانات «لتطييب لحومها» كما أوضح الجاحظ في كتابه القيم (الحيوان)، كما كان الخصاء معروفًا لدى تجار الرقيق .

الحِسْبَة

وكان لكل مهنة، ومنها الطب، ضوابطها ومقاييسها، فكان «رئيس الأطباء» ينظِّم أمورهم بإشراف مباشر من «المُحْتَسِب» فيختبر من يتقدم للتطبيب بالامتحانات ليثبت أهليته، فيستحق منحه «تصريحًا بمزاولة المهنة». وأثناء ممارسة الجرائحي لعمله يتأكد «المُحْتَسِب» من أنه يعرف تشريح أعضاء وأجزاء جسم الإنسان ومن سلامة أدواته ونظافتها وملاءمتها لمكان الجراحة وللعضو الذي سيعمل عليه، ومن اكتمالها، ومن توافر المعالجات المُرْقِئَة التي تعجل بقطع النزف.

وكان الأطباء يعتمدون دائمًا على الملاحظة الصادقة والتجربة الصحيحة التي يعاينونها، فإذا خالفت رأيًا مشهورًا لمن سبقهم تركوه واعتمدوا ما ثبت لهم بالمعاينة، فكان لهم في نفوس مرضاهم مكانة تسبق مكانة أصحابهم وذويهم، ويثقون بهم حتى لو كانت مواقعهم بين صفوف أعدائهم.

خصائص الجراحة عند العرب

من الخصائص التي امتازت بها الجراحة لدى العرب على امتداد العصور:

< حظيت الجراحة وسائر العلوم الطبية برعاية الخلفاء والملوك والسلاطين والولاة.

< مبادرة الأطباء والجراحين إلى تبادل الخبرات، فرحلوا في طلبها مُشَرِّقين ومُغَرَّبين، مُتَعَلِّمين ومُعَلِّمين، إذ رحل علماء المشرق من بغداد ودمشق ومصر إلى الأندلس، ورحل علماء المغرب من الأندلس إلى بلاد المشرق، وكانت رحلة كل منهم تدوم عقودًا من السنوات، فيتعلمون في رحلاتهم فصولًا من الطب يحتاجون إليها، ويعلِّمون فيها فصولًا أخرى برعوا فيها.

< توثيق المعارف بكتابة الكتب والمؤلفات وبالترجمة من اللغات الأخرى، فلا يكاد يظهر كتاب في المشرق إلا وتجد منه نسخًا في الأندلس وشمال أفريقيا، وما إن يشتهر كتاب في الأندلس حتى يتلقفه الناس في بغداد ودمشق ومصر.

< اعتماد الجراحين على معلومات تشريحية تفصيلية وعلى فهمهم لوظائف الأعضاء.

< تطوير الكثير من التخصصات الفرعية للجراحة مثل جراحة البطن والعيون والأعصاب.

< تطوير المبادئ العامة للجراحة ابتداء من التخدير والاهتمام بالنظافة واستعمال الكحول في التعقيم.

< تطور المستشفيات أو البيمارستانات: فقد ترافق إيتاء خدمات الجراحة بتطور واضح في المستشفيات وتأسيسها لتلبية احتياجات مختلف الاختصاصات الطبية والجراحية. ولئن اعتبرت خيمة رُفَيْدَة في غزوة الخندق أول مستشفى عسكري في الإسلام، فإن أول مستشفى في صدر الإسلام أقامه الوليد بن عبد الملك في دمشق، وتبعه الخلفاء والأمراء على امتداد العصور في ذلك، فرصدوا للمستشفيات مبالغ كبيرة وأوقافا تصرف عليها، ووظفوا فيها أمهر الأطباء والجراحين، وفتحوا أبوابها لجميع الناس. وأدت هذه المستشفيات دورها في العلاج الطبي الجراحي وفي تعليم الطب للأطباء الجدد. وقد روعي في اختيار أمكنة هذه المستشفيات قربها من السكان المستهدفين بالخدمة، وتوفير البيئة النظيفة داخلها، فقد كانت النظافة هي أساس عمل الجراحين، فكانوا يستعملون الماء المغلي أو الكحول أو الخل أو ماء العسل لتطهير الجروح، كما اهتموا بالبيئة النظيفة من حولها.

< تطور التخدير وابتكار وسائل جديدة فيه: فأصبح استخدام نقيع الأفيون في العمليات الجراحية (قبلها وأثناءها وبعدها) شائعًا لتخفيف وطأة الألم الشديد المصاحب لها مثل قلع الأسنان وتجبير الكسور المتبدلة. واستخدمت بذور الخشخاش عن طريق الفم قبل العمليات الجراحية وبعدها كشراب مُسكن أو كمعجون، أو كمحلول مغلي للاستنشاق. وقد شاع ذلك بين الناس حتى بين عامة الناس وهم يروون القصص الشعبي مثل ألف ليلة وليلة.

الجراحة في العصر العثماني والعصر الحديث

تابعت الجراحة سيرتها الأولى في العصر العثماني مع اختلافات في لغة الكتابة والتأليف، والاتجاه نحو المراكز الرئيسية للدولة العثمانية. ثم أدت الاكتشافات التي بزغت في الغرب إلى ميل الأطباء إلى المسارعة إلى استيراد المكتشفات المستجدة والعمل وفق النظريات المستحدثة على الرغم من تسارع وتيرة ظهورها. فظهرت أهمية المكروبات والمضادات الحيوية وتطورت وسائل التعقيم والتخدير والإنعاش والتشخيص بالأشعة وبالكهرباء. وها نحن اليوم على أعتاب الجراحة بالروبوت والجراحة عن بُعْد.

أمثلة من الأطباء العرب وإنجازاتهم

علي بن سهل بن ربن الطبري الذي عاصر الخليفة العباسي المعتصم وابنه المتوكل، وكان أول من كتب في التشريح والجنين والطب والجراحة في كتابه (فردوس الحكمة)، وهو موسوعة طبية ضخمة قسمها إلى سبعة أجزاء و30 مقالة و360 بابًا.

أبو بكر الرازي (925-856م) خصص جزأين من كتابه (الحاوي) – الذي يعتبر موسوعة طبية تتكون من 22 جزءًا طبعت في العصر الحديث في 20 مجلدًا – للجراحة والخياطة، وتطرق فيهما للتخصصات الفرعية مثل جراحة التجميل وجراحة البطن وجراحة الدماغ والأعصاب والأوتار والعظام. وهو أول من اكتشف الخيوط الجراحية من أمعاء الحيوانات، كما كان أول من فرَّق بين النزيف الوريدي والنزيف الشرياني، مستخدماً الضغطَ بالأصابع لإيقاف النزيف الوريدي، والربطَ لإيقاف النزيف الشرياني. وله أيضا كتاب (المنصوري في التشريح)، وهو مكون من 10 مجلدات، واستعرض فيه صناعة الجبائر والجراحات والقروح.

أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (1013-912م) هو منشئ الجراحة الحديثة، ومن إسهاماته في الطب كتابه (التصريف لمن عجز عن التأليف)، وهو موسوعة طبية من 30 مجلدًا خصص المقالة الثلاثين للجراحة والآلات الجراحية التي استعملها، وضمَّنه صورًا لتلك الأدوات الجراحية يزيد عددها على 200 أداة، وفيه شرح للعمليات الجراحية وكيفية إجرائها، وخياطة الجروح، وتعجيل الولادة بشق جيب المياه، واستئصال الغدة الدرقية، واستئصال اللوزتين واختراع الآلات اللازمة لذلك، وربط الأوعية الدموية بخيوط من الحرير لا يمتصها الجسم.  ويرى الباحثون أن الزهراوي هو الذي ابتكر معظم ما كان يستعمله من أدوات، أما ما كان منها معروفًا من قبل فقد أدخل عليه تحسينات كثيرة وطوَّعه للاستعمال الجراحي، وجرَّب فاعليته بنفسه عمليًّا، وقد شرح في كثير من الأحيان منفعة الآلات التي صوَّر أشكالها، وبيَّن المادة التي تستعمل في صنعها وطريقة استخدامها.

أبو علي الحسين ابن سينا (980 – 1037م)، له كتاب (القانون في الطب) المكون من 14 مجلدًا خصص منه الفصلين الرابع والخامس للجراحة، ولخَّص منهجية كتابه بأنه خصص حديثه «في الأمراض الواقعة بعضوٍ عضو، فأبتدئ أولًا بتشريح ذلك العضو ومنفعته، والدلالة على كيفية حفظ صحته، وكليات أمراضه وأسبابها وطرق الاستدلالات عليها وطرق معالجتها»، ليكون أعظم كتاب وضع في الطب والجراحة عبر العصور.

ابن النفيس (1213– 1288م). له كتاب ( شرح تشريح القانون). تبرز قيمته في وصفه للدورة الدموية الصغرى، واكتشافه أن عضلات القلب تتغذى من الأوعية المبثوثة في داخلها لا من الدم الموجود في جوفه. ويظهر في الكتاب ثقة ابن النفيس في علمه؛ حيث نقض كلام أعظم طبيبين عرفهما العرب في ذلك الوقت، وهما: جالينوس، وابن سينا، كما استفاض في تشريح أعضاء الإنسان. وله أيضًا كتاب (الشامل في الصناعة الطبية) وهو موسوعة ضخمة جمع فيها علوم من سبقوه من الأطباء والجرائحيين.

Exit mobile version