المعلوماتية الحيوية ودورها الريادي

د. رنا الدجاني

تعد المعلوماتية الحيوية علماً جديداً استطاع فرض نفسه في مجالات الحياة لاسيما أنه يتضمن علوما متعددة؛ فهو يربط بين العلوم الحياتية وعلم الحاسوب وعلم تكنولوجيا المعلومات. وقد تطور هذا المجال في السنوات القليلة الماضية بسبب الحاجة الماسة إلى جمع وأرشفة وتحليل وعرض كميات هائلة من البيانات البيولوجية، مثل تسلسل المادة الوراثية. ويعتبر الباحثون المعلوماتية الحيوية من أحدث علوم الأحياء والحاسوب، ويتوقعون أن يزداد الطلب في المستقبل القريب على الخبراء المتخصصين في هذا المجال. ووفقاً لدراسات اقتصادية متخصصة، فإنّ حجم الاستثمارات في هذا القطّاع يبلغ مليارات الدولارات، ويشهد تطورا مطردا.

دمج العلوم
يعرف المركز العالمي للمعلوماتية الحيوية ذلك العلم الجديد بأنه: حقل من العلم يدمج علم الأحياء وعلم الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات في مجال علمي واحد، يستهدف استخدام وتطوير قواعد البيانات و الخوارزميات الحاسوبية لتحليل البيانات البيولوجية.
ويتضمن مجال المعلوماتية الحيوية تطوير خوارزميات عدة لتحصيل معلومات من قواعد بيانات ضخمة، وتفسير وتحليل الأنماط المختلفة من البيانات البيولوجية، مثل المادة الوراثية والبروتينات وتطوير أدوات معينة لإدارة الأنماط المختلفة من المعلومات بطريقة فعالة.
واعتاد الباحثون في العلم اعتماد طريقة بحث تعتمد على تكوين فرضية لتفسير الظواهر الطبيعية أولا، ومن ثم إجراء التجارب لإثبات الفرضية. أما الآن، و مع وجود كميات هائلة من البيانات الحيوية أصبحت طريقة البحث تعتمد على تحليل البيانات الحيوية لإيجاد أنماط مختلفة يمكن أن تفسر الظواهر الطبيعية، مما أوجد علم المعلوماتية الحيوية.
ويجب على الراغبين في إيجاد قدم لهم للعمل ضمن مجال المعلوماتية الحيوية الإلمام بعدد من العلوم، تشمل علم الأحياء وبخاصة علم الجزيئات وعلم الرياضيات وعلوم الحاسوب، إضافة الى:
– خبرة في البرمجة في لغات مثل: Java,C++,Python,Perl
– العمل على نظم تشغيل مثل:
LINUX,UNIX
– العلم بنظم إدارة قواعد البيانات مثل: ORACLE, MySQL
– استخدام البرامج المتخصصة مثل:
BLAST, CLUSTER
وذلك من أجل تحليل البيانات البيولوجيّة ودراستها واستخلاص المعلومات والأنماط منها.

حل المشكلات البيولوجية
إن مجال المعلوماتية الحيوية يساهم في حلّ العديد من المشكلات البيولوجيّة واكتشاف الأنماط الأحيائيّة المتعدّدة، مما يساعد على فهم الأمراض على المدى البعيد، وربما يؤدي دورا مهما في اكتشاف علاجات جديدة فعّالة، إضافة إلى فهم العلاقات القائمة بين الكائنات الحية.
عندما أدرّس المعلوماتية الحيوية لطلبة السنة النهائية في الجامعة أتبع نهجاً تطبيقياً عملياً؛ إذ يصبح الطلبة مستقلين فيعتمدون على أنفسهم، دون أن يكون هنالك أي نوع من التلقين. ويجلس كل طالب أمام حاسوبه، ويتبع التعليمات إما من كتيب أو من الدروس التعليمية عبر الإنترنت حول كيفية استخدام مصادر المعلوماتية الحيوية المتوفرة على الإنترنت. والأهم من ذلك أن المواقع يتم تحديثها باستمرار. وقد يبدو هذا الأمر معضلة للطلبة لكنه في الحقيقة ميزة؛ لأنه يجبر الطلبة على التحقق من الروابط الإلكترونية، وتعليمات كيفية استخدام البرنامج باستمرار، مما يعزز التعلم الذاتي الذي يعد أداة أساسية للرواد، باعتبار أن الريادة مهمة لخلق فرص عمل جديدة. و تعد هذه المهارة مهمة جدا بالنظر إلى معدل البطالة الكبير في الوطن العربي.
وأصبحت المعرفة في متناول يد الطلبة بفضل الإنترنت. ومن ثم أصبح التعليم لا يتعلق بالمعلومات بحد ذاتها بل يتعلق باكتساب المهارات والخبرات لتصفح المعلومات على الإنترنت والتنقل بينها.
ويساعد الطلبة بعضهم بعضا في تصفح المواقع الإلكترونية، والمصادر، والبرامج المختلفة على الإنترنت. وبتبني مقاربة التعلم بين الأقران هذه يتدرب الطلبة على تشارك الخبرات وبناء الثقة، ويتعلمون العمل ضمن فرق من أجل الوصول إلى هدف مشترك. إن الشباب العربي بحاجة ماسّة إلى اكتساب هذه المهارة من أجل خلق أعمال ناجحة.
ويتعلم الطلبة أيضا أن يوجدوا حلولا للمشكلات التي تطرأ لهم أو تعرض عليهم بصورة مستقلة، لأنهم في المستقبل سيواجهون مثل هذه المشكلات في الحياة العملية وعليهم إيجاد حلول مناسبة لها.

الطلبة الرواد
ثمة حاجة ماسة إلى إعداد الطلبة للدخول في مجالات العمل بعد التخرج وهم يمتلكون زادا معرفيا متميزا نظريا وعمليا. فالعالم الحقيقي يفتقر إلى فرص العمل، والمنافسة شديدة، ولذلك يجب أن يخلق الطلبة فرص عملهم المناسبة. ويوفر مجال المعلوماتية الحيوية فرصة للقيام بذلك، ولكن يجب أن يتعلم الطلبة الكيفية التي يمكن أن يصبحوا من خلالها روادا، فالحاجة أم الاختراع.
وبهذه الطريقة من التدريس المنهجي المبني على ربط الطلبة بالواقع العملي الذي سيواجهونه بعد التخرج، وتعليمهم حل المشكلات الواقعية، فإنهم سيجدون مباشرة فرص عمل مناسبة، منها استحداث تجارة إلكترونية لخدمات المعلوماتية الحيوية. وهذه هي أفضل صورة تمثل مبدأ الاستعانة بالمصادر الخارجية. ولا يكلف هذا الأمر الكثير بسبب اختلاف التوقيت حول العالم. كما توجد العديد من برامج التدريب المجانية على الإنترنت وبإمكان المرء الاستعانة بالعمالة ذات الكلفة القليلة.
إن بإمكان الطلبة العرب التنافس في ميدان البحوث في هذا المجال على الصعيد العالمي ؛ إذ لا توجد حاجة إلى مختبر أو معدات باهظة الثمن أو نفقة تشغيلية. ويمكننا المساهمة في تطوير العلم دون الحاجة إلى السفر والتنقل من بلد إلى آخر، ويعد هذا بوابة متميزة للتعاون مع الباحثين الدوليين المتخصصين في هذا العلم في شتى أنحاء العالم.

Exit mobile version