الظلام اجتذب عين العلم وزاد أسرار الكون غموضاً

د.أحمد مغربي
مترجم وباحث ومحرر متخصص في الموضوعات العلمية (لبنان)

يصعب عدم الميل إلى ترجيح أن تكون صورة (الثقب الأسود) Black Hole في قلب مجرة (إم 87) M87، تجسيدا لصورة العلم في 2019. نعم، الأرجح أن صورة (إم 87) لن يتأخر نشرها في الكتب الأكاديمية وأطالس الفلك وصولاً إلى الكتب المدرسية وحتى كتب الأطفال. ألم يحصل ذلك فعلياً مع صور مذهلة أرسلها تلسكوب الفضاء (هابل) عن تشكّل مجرات في سديم الذرّات. سُميّت تلك الصورة (أعمدة التكوين)Pillars of Creation، وصارت جزءاً من الكتب العلمية والمدرسية عالمياً.

ما الذي حملته صورة (إم 87)؟ إنه… الظلام. ليست تلك الظلال الأرجوانية التي تحيط بمساحة مظلمة في قلب الصورة سوى أضواء تأتي من مسافة   53 مليون… سنة ضوئية، تحيط بثقب أسود يقدر أن حجمه يفوق الشمس بستة بلايين ضعف! سرعة الضوء تقارب 300 ألف كيلومتر في الثانية، فاعمل حسابات الضرب بنفسك كي تعرف المسافة الهائلة التي قطعتها تلك الأضواء، ومدى الدقة والقوة في التلسكوبات التي استخدمت للحصول عليها. لكن، الثقب الأسود مظلم تماماً، ولا يظهر في تلك الصورة! توضيحاً، يمتلك الثقب الأسود، وفق تصورات علمية متقاطعة عنه، جاذبية فائقة القوّة إلى حد أن لا شيء يغادر ذلك الثقب، لا شيء يستطيع الإفلات من جاذبيته الفائقة ولا حتى الضوء. لذلك السبب، سُميَّ بالأسود أو المُظلم. تُظهر صورة (إم 87) أضواء تحوم في مناطق قريبة من ثقب أسود يُفترض أنه في قلب المجرة (إم 87)، ولأن تلك الأضواء ليست قريبة من الثقب إلى الحد الذي يتيح لجاذبيتها أن تُمسِك بها و”تشفطها”؛ فإن العلماء يسمون تلك المسافة بـ”أفق الحدث” Event Horizon في إشارة إلى أنها حوله وقريبة منه، لكنها تدل أيضاً على أننا لا نرى ثقباً أسود، لا ضوء – ولا حتى موجات من أي نوع-  تصدر عنه كي نراه أو نتمكن من تقصي هيئته أو مكوناته. إنه هناك، لكنه مجهول تماماً. وبقدر ما تبرهن تلك الصورة على صحة القول العلمي بوجود ذلك الثقب الأسود، فإنها تبرهن بوضوح على أن العلم المعاصر لا يعرف شيئاً فعلياً عن ذلك النوع من التكوينات الكونية. تحوم المعرفة العلمية حول تلك المساحة المظلمة، تماماً مثلما تحوم الأضواء حوله في منطقة “أفق الحدث”.

لعل الصورة تكثّف معلماً رئيسياً عن حالة العلم في 2019، قوامه… الظلام، بمعنى ما لا يرى بالعين أو بالمجسات والآلات التي صنعها البشر لتقريب صورة الأشياء. لنتذكر أيضاً أن السنة استُهلتْ بهبوط تاريخي على الجانب المظلم من القمر، وقد نهضت به مركبة صينية وشاركت السعودية في العمل العلمي المتصل به. وخلال 2019، لم يُثر الأوساط العلمية شيئاً قدر ما هو متصل بالمظلم، خصوصاً “المادة المعتمة” Dark Matter التي يُعتقد ترجيحاً أنها تشد أرجاء الكون كله إلى بعضها بعضاً فتساعده على البقاء متماسكاً فلا يتشظى. واستطراداً، هناك “الطاقة المظلمة”  Dark Energy التي يرجح العلماء أيضاً أنها تعمل على المباعدة بين أرجاء الكون، فكأنها تمزّقه. لا تكتمل مشهدية المظلم في عام 2019 إلا بالحديث عن “المادة المضادة” Anti-Matter التي يعتقد العلم أنها موجودة بوفرة بالكون، بل يفترض أنها موجودة بقدر المادة العادية التي تشكل الكون كله، لكن العلماء لا يرونها إطلاقاً، واستمرت خلال السنة البحوث بغزارة عنها، خصوصاً التجارب في “مصادم الهادرونات الكبير- العالي الالتماع” High Luminosity-Large Hadron Collider  الذي تشرف عليه منظمة (سيرن) CERN الأوروبية للبحوث النووية. وتجمع ثلاثية “المادة المعتمة” وطاقتها و”المادة المضادة”، علوم الفيزياء والفلك والكيمياء والرياضيات، إضافة الى المعلوماتية والذكاء الاصطناعي اللذين باتا في قلب صناعة الأدوات العلمية المستخدمة في دراسة تلك الظواهر، لاسيما صُنع نماذج محاكاة افتراضية عنها.

إنه شغف بالمظلم المختفي المحاط بالأسرار والمجهول تماماً. الأرجح أن صورة (إم 87) تصلح مجازاً عن العمل الأساسي للعلم كله: السعي إلى معرفة ما ليس معروفا.

في المقابل، نجح العادي واليومي في تسجيل حضور مذهل في علوم 2019، تجلى في منح جائزة نوبل في الكيمياء إلى بطاريات الليثيوم (تلك التي نستخدمها جميعنا يومياً، خصوصاً في الأجهزة الإلكترونية). ولم يتأخر ذلك الفوز في البرهنة على أهميته مع الإعلان عن صنع بطارية ليثيوم للسيارات الكهربائية يمكن شحنها في بضع دقائق وتدوم أطول بأضعاف من البطاريات المستخدمة حالياً في تلك المركبات. ولا أقل من القول إنها تعني قفزة في مجال الطاقة (خصوصاً المستخدمة في المواصلات)، ربما غيّرت مشهديتها كلها، مع كل ما يحمله ذلك من تأثيرات وتغيرات في الاقتصاد العالمي وكذلك…. السياسة طبعاً!

في ما يلي إضاءات خاطفة على أهم الإنجازات في العلوم والتكنولوجيا خلال 2019.

الفضاء

بيئة ومناخ

معلوماتية وذكاء اصطناعي

طب وبيولوجيا

Exit mobile version