السكري عند الأطفال: الأسباب * الوقاية * العلاج

د. عزة شلتوت

تحزن كل أم وتقلق عندما يعاني طفلها نزلة برد أو عارضاً صحياً بسيطاً، فكيف تكون حالها إذا أصيب الطفل بمرض السكري المزمن الذي سيلازمه طوال حياته؟ وهنا يجول في خاطر الأم أسئلة عدة بسبب قلقها المستمر، وعدم إلمامها بماهية هذا المرض. ومن هذه الأسئلة على سبيل المثال لا الحصر: هل يمكن أن يشفى طفلي من السكري؟ هل يجب استعمال حقن الأنسولين طوال حياته؟ وكيف سيستخدمها؟ هل يمكن شفاء الأعراض؟ ما الأغذية التي يمكن أن يتناولها طفلي؟ كيف سيتعايش طفلي بصورة عامة مع السكري؟

مرض السكري بصورة مبسطة، هو ارتفاع مستوى السكر(سكر الغلوكوز) في الدم والذي يكون مصدره الغذاء. وتعود أسباب ارتفاعه إلى أمور عدة، منها نقص كمية الأنسولين الذي تفرزه غدة البنكرياس، أو وجود مقاومة من الأنسجة والخلايا تعوق وظيفة الأنسولين. وفي كلتا الحالتين يتراكم السكر في الدم فترتفع معدلاته. وبمرور الوقت يتسبب هذا الارتفاع بأضرار بالغة للجسم بصفة عامة. ويعتبر مرض السكري واحداً من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً لدى الأطفال بعد مرض الربو، وهو حالة مرضية مرهقة للأطفال والمراهقين ولأسرهم أيضاً، إذ يحتاج المصابون إلى متابعة مستمرة للسيطرة عليه حتى يتمكنوا من الحياة بشكل طبيعي قدر الإمكان.

أنواع مرض السكري
هنالك ثلاثة أنواع لمرض السكري عند الأطفال، وثمة فروق كبيرة بين النوعين الأول والثاني. فحتى نهايات التسعينيات من القرن الماضي تمت تسمية النوع الأول بسكري الاطفال. أمَّا النوع الثاني فتمت تسميته بسكري البالغين. وهذا خطأ شائع؛ إذ إن النوع الثاني بدأ ينتشر بكثرة بين الأطفال في السنوات الأخيرة بسبب تفشي السمنة الناتجة عن قلة الحركة بين صغار السن، وتغير عاداتهم الغذائية، لاسيما بسبب تناول الوجبات السريعة. كما أنَّ العامل الوراثي يؤدي دوراً أساسياً في الإصابة بالنوع الثاني من السكري. ويتضح ذلك من خلال انتشاره بين عدة أفراد في العائلة الواحدة. ويصاب الشخص بالسكري من النوع الثاني بصورة تدريجية وربما لا يتمكن الأهل من ملاحظة الأعراض.
أمَّا النوع الأول من السكري فإن سبب الإصابة به غير معروف على وجه الدقة حتى الآن. وما يعرفه العلماء أن جهاز المناعة المسؤول عن التصدي للبكتيريا والفيروسات يستطيع تدمير الخلايا المنتجة للأنسولين في البنكرياس. كما تؤدي مورثات جينية معينة، أو التعرض لبعض الفيروسات، دوراً في الإصابة، وتكون الإصابة مفاجئة وحادة. وفي النوع الثاني أيضاً، ربما لا يتمكن الأهل من ملاحظة الأعراض. وعلى الرغم من الاعتقاد أن الأطفال المصابين بالنوع الأول من السكري يحملون نوعاً ما من الجينات المهيئة لإصابة النظام المناعي بخلل، فإن معظمهم ليس لديهم أقارب مصابون بهذا المرض. ولا يزال سبب الإصابة غامضاً.

ثلاثة عوامل
يدرس الباحثون ثلاثة عوامل بيئية محتملة للإصابة بالنوع الأول من السكري:
أولاً- النظافة المفرطة: فبفضل النظام الصحي المتطور أصبح الأطفال لا يتعرضون للكثير من الجراثيم، مما قد يؤثر سلباً على التطور الطبيعي لجهازهم المناعي.
ثانياً- زيادة الوزن: ربما تسبب زيادة الوزن لدى الأطفال الذين بدأت خلاياهم المنتجة للأنسولين بالاختلال في عملها الوظيفي بتعجيل الإصابة بمرض السكري.
ثالثاً- تناول الأطعمة في سن مبكرة: ربما يرتبط إطعام الحبوب قبل عمر ثلاثة أشهر لطفل معرض للإصابة بالسكري من النوع الأول بتحفيز النظام المناعي لمهاجمة البنكرياس عن طريق الخطأ، ومن ثم توقف إنتاج الأنسولين .
وتختلف طريقة العلاج لكلا النوعين، حيث تعتبر حقن الأنسولين هي العلاج الأساسي لمرضى السكري من النوع الأول، إضافة إلى تغيير نمط الحياة والذي يشمل الرياضة والتغذية السليمة للوقاية من المضاعفات. أما أساس علاج النوع الثاني فهو تقليل النشويات والدهون مع زيادة الألياف الغذائية في الطعام، وممارسة الرياضة يومياً والابتعاد عن الجلوس فترات طويلة مقابل التلفزيون.
مدى انتشار المرض
يعتبر مرض السكري أحد أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً بين الأطفال بعد الربو. وتحتل الكويت المركز السابع عالمياً بين الدول من حيث معدلات الإصابة. فخلال التسعينيات من القرن الماضي تم تشخيص 21 حالة جديدة سنوياً بين كل مئة ألف طفل دون سن الـ15.
وتم حديثاً إنشاء رابط بين السجلات الإلكترونية من مصادر البيانات المتعددة في مستشفيات وزارة الصحة ومراكز الرعاية الأولية التابعة للوزارة وبين معهد دسمان للسكري، التابع لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي، كخطوة فعالة لإنشاء سجل إلكتروني خاص بمرض السكري للأطفال واليافعين حتى سن 19 سنة، والذين تم تشخيص إصابتهم بالمرض حديثاً، وذلك ضمن إطار الشراكة مع وزارة الصحة وجامعة دندي وشركة أريديا للمعلوماتية، على أن يكون معهد دسمان للسكري مستودع حفظ البيانات الإلكترونية للأطفال.
ومن الأهداف الأساسية لهذا السجل؛ تقدير معدل إصابة الأطفال بالنوع الأول من السكري، ومدى انتشار النوع الثاني من السكري، ومعدلات انتشار الأنواع الأخرى (الهجينة) من السكري بشكل عام، وذلك حسب السن والأصول العرقية، مع وصف الخصائص الوبائية ورصد التغيرات في انتشار المرض.
أعراض السكري وتشخيصه
عند ظهور الأعراض الآتية عند الأطفال يتحتم على الأهل الأخذ بعين الاعتبار احتمال الإصابة بالسكري، ومن ثم استشارة طبيب الأطفال فوراً. ومن أهم الأعراض: العطش الشديد، وكثرة التبول، ونقص الوزن، والسلس البولي، والجفاف، وجفاف الحلق، وجفاف العين، ونقص الدموع، والعيون الغائرة.
وجميع ما سبق من أعراض يدل على أن الطفل لا يأخذ كفايته من السوائل. ويمكن التأكد من صحة التشخيص عن طريق إجراء فحص الدم بواسطة جهاز الفحص المنزلي. وعند ارتفاع مستوى السكر في الدم لأكثر من 200 ملغم لكل ديسيلتر (11.1 ملّمول لكل لتر) يمكن الجزم بإصابة الطفل بالسكري لتبدأ رحلة العلاج. أما تأخير التشخيص بسبب إهمال الأهل أو لأي سبب آخر فإنه يؤدي إلى مضاعفات حادة قد تظهر خلال عدة أيام أو أسابيع، وهي ما يعرف بغيبوبة السكر الكيتونية، وهي غيبوبة تحدث بسبب النقص التام أو شبه التام للأنسولين. ومن أعراض الغيبوبة الكيتونية: جفاف الحلق، واحمرار الجلد والوجه، وانخفاض ضغط الدم، والغثيان والقيء، والتنفس السريع، وآلام في البطن، وهذيان مع عدم القدرة على التركيز، وميل شديد للنوم، وفقدان الوعي، وظهور رائحة الأسيتون في الفم، وارتفاع مستوى السكر في الدم (600-300 ملغم/ديسيلتر أي 33.3-16.6 ملمول/لتر).

العلاج
أولاً – الأنسولين:
يعتمد علاج الأطفال على هرمون الأنسولين عن طريق الحقن تحت الجلد مرات عدة يومياً، إما عن طريق الأقلام أو الإبر أو مضخة الأنسولين. ولا يمكن تناوله عن طريق الفم لأن العصارة المعدية تقوم بتكسيره مما يفقده فاعليته. ويعتمد توقيت حقن الأنسولين على عدة عوامل، منها: مدة مفعول الأنسولين السريع، والقصير، والمتوسط، والطويل، وكمية ونوعية الطعام، ومعدل النشاط الجسمي الذي يبذله الطفل.
وتعتبر مضخة الأنسولين من أحدث ما توصلت إليه التقنية الحديثة لإعطاء الأنسولين. توضع المضخة خارج الجسم، ويتم توصيلها بأنبوب بلاستيكي في نهايته أنبوب لين يتم من خلاله مرور الأنسولين. يتم إدخال التعليمات الخاصة بجرعات الأنسولين في الحاسوب الخاص بالمضخة لضخ الأنسولين بطريقة حسابية دقيقة وثابتة. ويتم تغيير الأنبوب كل يومين. ولا يمكن أخذ العلاج عن طريق الفم، حيث تقوم العصارة المعدية بتكسيره مما يفقده فاعليته.

ثانياً – التغذية:
تُعتبر التغذية السليمة من الأركان الأساسية في علاج الأطفال المصابين بالسكري، لذا يتم تحويلهم وذويهم إلى عيادة التغذية العلاجية في معهد دسمان للسكري، بإشراف اختصاصيات تغذية علاجية. ويقوم هذا القسم بتعريف الأهل والطفل بالمجموعات الغذائية التي تؤثر على معدلات السكر في الدم، مثل الكربوهيدرات، وكذلك تعريفهم بالأطعمة والمشروبات الغنية بالكربوهيدرات، وتعريفهم بالأغذية التي تحتوي على البروتينات والدهون وكيفية تأثيرها على معدلات السكر في الدم بصورة غير مباشرة.
وبعد ذلك يتم تدريب الأهل وذويهم على تقدير كمية الكربوهيدرات في الأطعمة والمشروبات المختلفة عن طريق استخدام أدوات القياس والجداول الغذائية والتطبيقات المختلفة أو استخدام التقدير باليدين. وبعد أن يتم تعريف الأهل بأنواع الغذاء، تقوم الاختصاصية بدراسة الحالة الصحية وأخذ التاريخ الغذائي للأطفال المصابين بالسكري، ثم تقيم المعلومات لتقديم النظام الملائم للطفل الذي سيلتزم به الأهل في المنزل. كما يتم تعليمهم كيفية حساب الكربوهيدرات في الوجبة لتعديل جرعة الأنسولين. وتتم المتابعة من خلال زيارات متعددة للأطفال وذويهم لعيادة التغذية في المعهد حتى يتم التعديل وفقا لنشاطهم الجسدي أو الضغوط النفسية أو الحالة المرضية بصفة عامة. كما يتم دعوة الأطفال وذويهم لدروس الطبخ الصحي في المعهد، وتزويدهم بمطبوعات إرشادية مختلفة للتعريف بالتغذية السليمة.

ثالثاً – ممارسة الرياضة:
لما كانت الرياضة تساعد على تحسين أداء الدورة الدموية مما يؤدي إلى تقليل أو منع الإصابة بمضاعفات السكري، نتيجة زيادة فاعلية الأنسولين الناجم عن الرياضة؛ فإنَّ الأطفال من مرضى السكري من النوع الأول سيستفيدون بدرجة كبيرة من ممارسة الرياضة. إضافة إلى ذلك، فإن للرياضة أثراً إيجابياً في رفع الروح المعنوية للطفل، من حيث قدرته على اندماجه مع أقرانه وممارسة المجهود البدني دون إحساس بالنقص أو الخوف، مما يشعره بالمزيد من الحيوية والنشاط.
وكل أنواع الرياضة، ولاسيما رياضتا المشي والسباحة، مفيدة جداً للطفل، على أن تكون تحت إشراف دقيق من الوالدين، بحيث يكونان على دراية تامة بأعراض الهبوط وكيفية التعامل معه. كما يجب قياس مستوى السكر في الدم قبل البدء بأي نشاط رياضي.

رابعاً – التثقيف العلاجي:
يعتبر التثقيف العلاجي حجر الزاوية في علاج السكري، إذ يمكن المرضى من التحكم والسيطرة عليه للتعايش معه كصديق قريب. لذا فإن التثقيف ضروري لتعريف الأهل بطبيعة مرض السكري وكيفية التعامل معه، وسبل التحكم في معدلات سكر الدم من خلال التحليل المنتظم، والالتزام بالجرعات العلاجية، والتنبيه إلى الخلل إن حدث، أو المضاعفات وكيفية الحد منها أو الوقاية منها، وتأكيد أهمية اعتماد نمط الحياة الصحي من خلال تناول الغذاء الصحي بكميات معتدلة.
ويشمل التثقيف الصحي العديد من الجوانب، منها:
– المهارات العملية، مثل فحص السكر، وحقن الأنسولين، وفحص الكيتونات في البول.
– مراقبة نسب سكر الدم اليومية من خلال الفحص الذاتي المنزلي لما له من أهمية كبرى؛ لأنه لا يمكن للطبيب تقييم حالة الطفل بصفة دورية سريعة من خلال تحليل واحد خلال الزيارة. حيث يقوم الطفل بالمراجعة كل ثلاثة أشهر لمعرفة السكر التراكمي أو الهيموغلوبين السكري.
– كيفية التعامل مع أي مشكلة طارئة مثل مضاعفات السكري الحادة.
– كيفية الموازنة بين نشاطات الحياة المختلفة والغذاء والبرنامج الرياضي.
– معرفة ما الذي يجب على مريض السكري فعله في أيام المرض والضغوط الشديدة وخلال السفر.
– سبل الوقاية من المضاعفات الحادة، مثل هبوط مستوى السكر بالدم أو الحمض الكيتوني Diabetic Ketoacidosis الذي ينتج عن ارتفاع شديد في السكر وتركه دون علاج.
ويقدم معهد دسمان للسكري خدمات متكاملة لمرضى السكري بأنواعه المختلفة. وذلك من خلال فريق رعاية طبية متعدد الاختصاصات حرصاً على التوصل إلى أفضل النتائج. ويستخدم المعهد الأدوات والمهارات اللازمة لتمكين الطفل المصاب بالسكري وعائلته من العناية الذاتية السليمة والفعالة، للتعايش اليومي مع السكري بصورة آمنة وطبيعية.

المساندة النفسية
بعد الصدمة الأولى التي يشعر بها الوالدان، وعدم تصديقهما لحقيقة أن طفلهما مصاب بمرض السكري، تأتي المرحلة الصعبة وهي تقبل الوضع، وفهم المرض، والبحث عن أفضل طريقة للعلاج. لكن كيف يتم التكيف؟
1 – تقبل الأمر:
الأطفال المصابون بالسكري وكذلك أمهاتهم وآباؤهم يحتاجون إلى مساندة معنوية ونفسية بعد تشخيص المرض. هذا أمر ضروري لمساعدتهم في التغلب على الصدمة الأولى ومشاعر الغضب والإنكار الطبيعية التي قد يشعرون بها، والتي قد تستمر بعض الوقت. والنصيحة المهمة للآباء والأمهات هي أن يتذكروا أن تقبلهم للقدر سيساعد أطفالهم أيضاً على تقبله. ولا يوجد في يدي أي منهم ما قد يغير هذا القدر، لكن بمساعدتهم يمكن للأطفال أن يتغلبوا على مرضهم ويحققوا كل ما كانوا يتمنونه لهم، لاسيما أن كل القيود والهموم التي كانت شائعة في الماضي بخصوص مرض السكر أصبحت محدودة، و كل ما في الأمر هو التعود على روتين حياة جديد.
2 – فهم الحالة:
المعرفة الجيدة بالأمور هي الوسيلة الأساسية للسيطرة عليها. من الضروري أيضاً أن يكون الأبوان والأخوات والإخوة مشاركين وعلى دراية بالوضع الجديد، وبالأدوار والمسؤوليات التي سيلتزمون بها كأسرة. سيتعلم الطفل مثلاً أنه لا داعي لأن يأكل (البيتزا) كاملة، ولكن لا بأس بتناول قطعة أو قطعتين منها فقط. كما ستتعلم الأم تقديم الفاكهة والخضراوات وجعلها من الأشياء الرئيسية في المنزل، وستتعلم الأم الحد من عمل الحلويات أو شرائها، وأن يكون ذلك في المناسبات الخاصة فقط. ويمكن أيضاً أن يتعلم الإخوة اكتشاف أعراض نقص السكر عند أخيهم، وأنه يحتاج إلى وجبة خفيفة.
ومن الضروري استمرار المساندة المعنوية، حيث يقوم فريق من المتخصصين والموجهين؛ النفسيين والاجتماعيين وخبراء التغذية، بمساندة الطفل في جميع نواحي حياته. ويقوم الفريق بوضع برنامج يناسب كل مرحلة سنية لكل طفل على حدة. وهذا جزء مهم لتقبل الطفل لوضعه وطريقة مناسبة لمساعدته على التكيف مع حالته. ويشعر المريض أنه شخص مهم عندما يظهر للآخرين كيفية تمكنه من أخذ جرعات الأنسولين بنفسه، فهو بذلك يجذب أنظار العديد من الأطفال الآخرين.

Exit mobile version