العلوم الطبيعيةجيولوجيا

التيتانيوم.. مزيج الخفة والقوة والمتانة

داود سليمان الشراد

التيتانيوم معدن رمادي اللون، لمَّاع، يُشْبِهُ بِخَواصِهِ السيليسيوم، وهو أخف من الحديد (كثافته 3.34)، وأقسى من الألمنيوم بنحو 12 مرة، ويمتاز بصغر تمدده الحراري وبمقاومته الميكانيكية العالية، ويحتفظ بتماسكه وقوته عند درجات حرارة تبلغ 500 درجة مئوية ، وقد يتحمل حرارة تفوق 600 درجة مئوية إذا شاركه بعض المعادن الأخرى بنسب ضئيلة على شكل سبيكة، وهو معدن قابل للطرق وللسحب، ويمكن مقارنة خواصه الميكانيكية الصناعية بخواص الفولاذ، وإنْ كان استغلال التيتانيوم صعباً بسبب امتصاصه النتروجين والأكسجين.
وهو أقوى من الفولاذ الذي لا يصدأ، ومن الفولاذ الكربوني، مع أن وزنه نحو %60 منها، ويتميز بأنَّ نسبة متانته إلى وزنه مرتفعة، كمَا أنَّ مقاومته للتآكل عالية أيضاً، وهي تنافس في ذلك مقاومة البلاتين. وهذان العاملان يجعلان معدن التيتانيوم مثالياً لصنع أجسام الطائرات، و هياكل الصواريخ وقطع المحركات.

ويعد التيتانيوم أول عناصر المعادن الانتقالية، وهو من العناصر الواسعة الانتشار في الطبيعة، ويأتي في المرتبة الرابعة بعد الألمنيوم والحديد والمغنيزيوم، إذ تبلغ نسبته في القشرة الأرضية نحو %0.63 وزناً. وفلزات هذا المعدن منتشرة في أنحاء القشرة الأرضية، وغير مركزة في مكامن ضخمة، لذا فإن عدة دول فقط يمكنها إنتاج التيتانيوم بكميات كبيرة.

تحضير المعدن
بدأت محاولات استخلاص التيتانيوم في القرن الماضي، ففي عام 1823، أعلن الكيميائي الإنكليزي وولاستون أنه وجد التيتانيوم حراً في فضلات فرن لصهر الحديد، وكان ذلك سلوكاً غريباً لخاصية أي معدن بأن يظهر نفسه تلقائياً، وبالمصادفة البحتة بصورة ناتج ثانوي، لكن الحقيقة التي جاءت متأخرة بعض الوقت كانت غير ذلك؛ فبعد 33 سنة، أوضح الكيميائي الألماني فوهلر أن ما عثر عليه وولاستون في نفايات الأفران ليس إلا مركبات للتيتانيوم مع عنصري النتروجين والكربون.
وفي عام 1875 تطرق العالم الروسي كيريلوف في مقالة بعنوان (أبحاث من أجل التيتانيوم) إلى الصفات الكيميائية لمعدن التيتانيوم، مما يؤكد أنَّه نجح فعلاً في استخلاصه، ولكن لم يلتفت أحد في روسيا القيصرية إلى الرجل وأبحاثه الناجحة، فطواه الإهمال والنسيان.
وفي عام 1887، خطا الكيميائيان السويديان نيلسون وبيترسون خطوة مهمة في تاريخ معدن التيتانيوم، حين تمكنا من اختزال رابع كلوريد التيتانيوم في المختبر، باستخدام الصوديوم وبمعزل عن الهواء، داخل أسطوانة من الصلب، لكن المعدن الناتج لم يكن تام النقاء، بل كانت فيه نسبة %5 من الشوائب. وأخيراً، نجح الكيميائي الأمريكي هنتر في إدخال تحسينات على طريقة السويديين نيلسون وبيترسون، وانتزع كل الشوائب من التيتانيوم، وحصل على المعدن في صورة نقية في عام 1910.
وفي عام 1925 صادف النجاح جهودَ العالمين الألمانيين فان اركيل ودي بوير، حينما استخدما سلكاً من معدن التنغستين في تسخين مركب رابع كلوريد التيتانيوم إلى درجة حرارة عالية عملت على تفكيك المركب، وتحقيق أعلى درجات نقاء ممكنة لمعدن التيتانيوم.
وتعتبر طريقة تحضير التيتانيوم حديثة العهد فهي، لذلك، تعاني صعوبات جمة تكمن في فصله عن فلزاته، ويتم تحضيره على نطاق ضيق وفي عدد محدود من الدول، ولا يمكن الاعتماد على الطريقة التقليدية بإرجاع ثاني أكسيد التيتانيوم بالكربون لتعذر الحصول عليه نقياً من جهة وبسبب تشكيل كربيد التيتانيوم من جهة أخرى.
إن ارتفاع تكلفة فصل التيتانيوم من خاماته صناعياً يقف وراء ضعف انتشاره، فإذا قدرنا قيمة الخام بجزء واحد، فإن عمليات استخلاص المعدن على شكل صفائح رقيقة ترفع التكلفة إلى 500 أو 600 جزء. ولكن الأمل كبير في أن ينجح الكيميائيون وعلماء المعادن في خفض تكلفة صناعة استخلاص التيتانيوم.

تناقض كبير
يمثل التيتانيوم التناقض بعينه، فمع أن خاماته متوافرة بصورة واسعة في القشرة الأرضية، فإنَّ إمداداتنا منه قليلة جداً. ويتميز هذا المعدن بأنه شديد المقاومة وخفيف الوزن، لذا فإن أوسع استعمالاته في صناعة الطائرات والصواريخ. وقد بوشر في الاستفادة منه أخيراً في صنع أجزاء صنعية من جسم الإنسان وفي الأدوات الرياضية الممتازة، وحتى في صِناعة الوَرق، مما أكسب التيتانيوم سمعة مهمة.
وقد نعتبر – خطأ – أن التيتانيوم معدن نادر، إلا أن هناك عدداً من العمليات المستخدمة يومياً وفي كل مكان لاستخراجه. وهو موجود بمعنى الكلمة أمام أعيننا في الورق، وعلى أنوف بعضنا في النظارات. وهذا المعدن متعدد الاستعمالات بما فيه الكفاية كي يضفي لوناً بهيجاً على الجدران المعتمة، أو لبناء سقف مأمون فوق رؤوسنا، وهو يساعد على تحويل ماء البحر إلى ماء صالح للشرب، ويمكنه كذلك أن يحسن أداءك في لعبة الغولف.
ويستعمل %95 من التيتانيوم المستخرج حالياً لإنتاج ثاني أكسيد التيتانيوم، (TiO2) وهو مركب أساسي في صباغ أبيض يستعمل في الورق والدهان واللدائن. ولولا التيتانيوم لكانت منتجاتنا باهتة اللون، كئيبة ومعتمة.
لنأخذ مثلاً الورق، إنه قطعة محبوكة من ألياف السليلوز مرتبة في جميع الاتجاهات ومفصول بعضها عن بعض بألياف الفراغات الهوائية. ولو تركت هذه الحصيرة دون أي إضافات لشكلت مادة غير جذابة، نصف شفافة، رَمَادية بَاهتة أو بنية معتمة. إلا أن إضافة كمية ضئيلة من صباغ TiO2 ومن مواد ضئيلة أخرى، تحول هذه المادة السليلوزية الباهتة إلى ورق أبيض غير شفاف.
وخواص المعدن ذات قيمة كبيرة ومفيدة جداً لصناعات أخرى. فالصناعات الكيميائية النفطية تستخدم هذا المعدن لإنتاج المفاعلات والمبادلات الحرارية. ويستعمل في صناعة السيارات في قطع تراوح من أذرع التوصيل إلى الصمامات ونوابض التعليق. كما أنَّ صناعة الأدوات الرياضية تستعمل التيتانيوم في إنتاج الدراجات، وعصي الغولف، ومضارب التنس، وحتى الكراسي المتحركة المصممة للمعوقين الراغبين في التسابق أو في لعبة كرة السلة.
ونحن نعتمد بشكل غير مباشر على الوجود الخفي للتيتانيوم من أجل الحصول على الطاقة، لأنه يستعمل في مكثفات الماء وفي شفرات العنفات (التوربينات) في محطات توليد الطاقة الكهربائية. كما يستخدم هذا المعدن في الإنشاءات والسطوح، والجسور والكابلات والأنابيب إضافة إلى استعماله في وحدات إزالة ملوحة المياه، والمصاطب الطافية الضرورية لإنشاء الهياكل المعدنية الضخمة في المحيطات.

تيتانيوم لجسم الإنسان
استغل مهندسو الأدوات الطبية – الحيوية طبيعة التيتانيوم غير السَّامة، فأدخلوا هذا المعدن في الأجزاء الصنعية بجسم الإنسان مثل: العظام والمفاصل وصمامات القلب ومحددات الخطوات، ففي العظم الصنعي، مثلاً، يقوم المعدن غالباً بدور العنصر الرئيسي الحامل للأثقال.
ونظراً لأن التيتانيوم متين وخفيف ومقاوم غير سام، كما أنه لا يستفز نظام المناعة، ومن ثمّ فإنه – أي نظام المناعة – لا يقاوم الزرع، لذا يمكن تصميم العظم الصنعي بحيث يسمح لعظام المريض الطبيعية بأن تنمو فوقه وحوله. وبهذه الطريقة يتكامل العظم الصنعي بشكل دائم في جسم الإنسان.
من أهم صناعاته
يستعمل التيتانيوم في صناعة الطائرات ذات السرعات الكبيرة وفي صناعة السفن والصواريخ ومحركات الاحتراق الداخلي، ويستعمل في مختبرات البحث العلمي والصناعات الكيميائية نظراً لمقاومته الكبيرة للتآكل من قبل الكلور وحمض الكروم.
وقد أثبت كفاءته في خراطيم نقل الغازات، وفي مقاومة التأثير التآكلي لبعض الغازات الساخنة. وصمد الخرطوم المصنوع منه أمام الغاز الحمضي (ثاني أكسيد الكبريت) مدة شهرين كاملين، في حين لم يتحمل خرطوم مصنوع من الصلب هذا الغاز إلا لعدد قليل من الساعات، تآكل بعدها وتفتت.
ويتميز التيتانيوم بالخمول المغنطيسي، وبمقاومته الشديدة لمرور التيار الكهربائي، وإذا كانت الفضة تأتي في مقدمة المعادن الموصلة للكهرباء بدرجة مئة، فإن النحاس يأتي بعدها بتقدير 94، ثم الألمنيوم بتقدير 55، يليه الحديد والزئبق بتقدير درجتين فقط، ولا يزيد تقدير درجة توصيل التيتانيوم للكهرباء عن 0.3 من الدرجة. وقد جعلته هذه الصفة يدخل في حسابات مهندسي الكهرباء عند تصميم المشروعات الحديثة.
ومع أنه يقاوم معظم المؤثرات الكيميائية (باستثناء حمض فلور الماء) فإنه يبدي ألفة تجاه الهدروجين والهالوجينات والنتروجين والأكسجين والكربون والكبريت عن درجة الحرارة العالية.
ويستعمل ثاني أكسيد التيتانيوم صباغاً أبيض للطلاء (الدهان)، ويباع تجارياً باسم أبيض التيتانيوم، وله قدرة على تغطية السطوح تفوق سبع مرات قدرة أكسيد التوتياء Zine Oxide، ويستعمل كذلك لتحضير بعض أنواع الخزف الكهربائي نظراً لأنه عازل جيد.
ونظراً لأن التيتانيوم لا يتمغنط، فإنه يستعمل في القطع المعدنية الإنشائية المحيطة بعناصر الحاسوب مثل أداة إدارة القرص، أو الشرائح الدقيقة، التي قد تدمر بتأثير المغنطيسية التائهة، إضافة إلى استعماله في عروض الأزياء و صناعة الحلي والساعات وإطارات النظارات.
أما كربيد التيتانيوم فيعد من المركبات الصناعية المهمة ، وهو مقاوم للحرارة، ويدخل في كثير من الخلائط المستعملة لصنع أدوات للقطع السريع للمعادن والاستعمالات العسكرية.
وقد أثبت قدرة عالية في تصنيع أدوات القطع. وهو لا يقاوم بهذه المهمة وحده، ولكن بالاشتراك مع بعض المعادن الأخرى، في شكل سبائك تكون نسبته فيها هي الغالبة، وتصنع من هذه السبائك أدوات الجراحة التي يفضلها الجراحون. ويدخل المعدن في تركيب القاذفات العسكرية وصنع بعض الأجزاء الرئيسية في أول طائرة ركاب روسية أسرع من الصوت (تي يو – 144). كما تم إحلال أدوات الربط (مسامير وصواميل) الخاصة بمحرك طائرة مقاتلة أمريكية، والمصنوعة من الصلب، بأخرى مصنوعة من التيتانيوم، فكانت النتيجة اختزال مئة كيلوغرام من وزن الطائرة.
ويشكل مع الحديد خلائط يطلق عليها اسم فيروتيتانيوم Ferootitanium حيث يقوم التيتانيوم بتحسين الصفات الميكانيكية للفولاذ لأنه يمتص الأكسجين والنتروجين من الفولاذ فيحول بذلك دون تأكسده من جهة، ويمنع تشكل الفقاعات من جهة أخرى، ومن ثم يحول دون تشكل الفجوات الناجمة عن امتصاص النيتروجين.
ويدخل أيضاً في تركيب كثير من الخلائط المعدنية كخليطة الألمنيوم والقصدير والتيتانيوم المستعملة في صنع بعض المركبات الفضائية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق