أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم البيئيةالعلوم الطبيعية

الأشجار والبيئة.. احتجاز الكربون والحد من تغير المناخ

بزراعة الأشجار على مساحة 900 مليون هكتار (مساحة أمريكا) يمكن احتجاز نحو 205 بلايين طن من الكربون، أي ثلثي انبعاثات غاز الكربون من الغلاف الجوي التي تسبب بها الإنسان فعلياً

المستشار عماد سعد
خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، رئيس شبكة بيئة أبوظبي

     ثمة تساؤلات يطرحها خبراء البيئة كلما تصاعدت الدعوات إلى خفض الانبعاثات الكربونية، وتعالت أصوات الناشطين بضرورة الحد من آثار تغير المناخ، وأهمها: ما القيمة المادية لغاز الأكسجين الذي تنتجه الشجرة الواحدة؟ وكيف يتم احتسابه؟ وما كمية غاز ثاني أكسيد الكربون 2CO الذي تمتصه الشجرة الواحدة؟ وما آلية حساب الكربون تبعاً لعمر الشجرة؟

      ومن المؤكد أن معظمنا طرح على نفسه، أو قد يطرح، مجموعة من الأسئلة الفنية المشروعة: هل نحن أمام تحد بيئي من جراء ارتفاع تركيز غاز 2CO في الغلاف الجوي؟ ولماذا تؤكد الحكومات على مبدأ الاستدامة في برامجها التنموية؟ وهل توجد مشكلة في عدم الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع درجات الحرارة؟ ولماذا نحث المؤسسات على إطلاق المبادرات والتطبيقات الخضراء؟ وهل توجد جدوى من زراعة الأشجار على نطاق واسع؟

تحديات بيئية عالمية

   يواجه كوكب الأرض أزمة بيئية حادة وغير مسبوقة تتمثل في تغير المناخ الناجم عن الاحتباس الحراري، وهذا الأخير ناتج من انبعاث مجموعة من الغازات هي: غاز 2CO بنسبة 64%، وغاز الميثان بنسبة 19%، وغاز كلوروفلوروكربون بنسبة 11%، وغاز ثاني أكسيد النتروجين بنسبة  6%.

وبحسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) ، فإن الإحصاءات تظهر أن متوسط تركيز 2CO في الغلاف الجوي ارتفع بصورة كبيرة في السنوات القليلة الماضية، ومن ثم فإن الكائنات الحية ستدفع الثمن غالياً من تداعيات هذا الحد الحرج الذي وصلنا إليه، والذي لا رجعة عنه أبداً. ولا يوجد أمامنا سوى أمرين لا ثالث لهما: الأول أن نقوم بترشيد الإنتاج والاستهلاك ليكونا مستدامين للحد من استنزاف موارد الأرض، وتقليل الانبعاثات الكربونية في الغلاف الجوي، على قاعدة (اشتر ما تحتاج إليه واستهلك ما اشتريته)؛ والثاني التكيف مع الآثار الناجمة عن تغير المناخ.

مُواجهة الاحتباس الحراري

من حيث المبدأ، كلنا شركاء في المسؤولية، والمقصود كل الحكومات والشركات والجمعيات والأفراد وخلاف ذلك مسؤول عما آلت إليه حال الغلاف الجوي وأمنا الأرض من جراء استنزاف الموارد واستهلاكها بطريقة غير مسؤولة. ومن ثم علينا جميعاً أن نتحمل المسؤولية ونعمل معا لوقف التدهور البيئي والتكيف مع ما هو آت عبر إجراءات بسيطة أهمها تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتشجيع الاتجاه نحو الطاقات المتجددة، واستخدام وسائل النقل الجماعي، والتحول نحو الاقتصاد الدائري، وبناء مدن ذكية مرنة منخفضة الانبعاثات الكربونية، ونشر الوعي البيئي وترشيد استهلاك الموارد، وتكريس مفهوم الاستهلاك المستدام، وتطبيق ممارسات الزراعة المراعية للمناخ، وتخزين وإعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون، والتوسع في زراعة الأشجار والغابات.

دور  الأشجار  في معادلة تغير المناخ

      تؤدي الأشجار دورا مهما في حماية البيئة والمحافظة على مواردها. ومن أهم فوائدها تعزيز الأمن الغذائي المحلي؛ وتوفير الموائل الطبيعية وزيادة التنوع البيولوجي؛ وتحسين نوعية الهواء وجودة الحياة، وتنقية الهواء من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ وتحسين الصحة البدنية والعقلية، بتخفيض التوتر وضغط الدم والتوتر؛ وتثبيت التربة والحد من مخاطر الكوارث الطبيعية.

    ويؤدي تغير المناخ العالمي إلى إجهاد الغطاء النباتي الأرضي، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج. وكلما نما النبات بشكل أسرع، زاد استهلاك ثاني أكسيد الكربون. وبهذا المقياس، قد يكون الخيزران هو الأفضل في امتصاص ثاني أكسيد الكربون، لكن النباتات سريعة النمو لا تعيش طويلاً. لذا نجد أن الأشجار الأكثر مهارة في عزل ثاني أكسيد الكربون عن الغلاف الجوي هي الأشجار الأطول عمراً، مع الكتلة الأكبر (أشجار الأخشاب الصلبة) مثل الكستناء، والجوز، والصنوبر.

  ووَجَدَ الباحثون أن الشجرة بطيئة النمو قد تُخزن كميات أكبر من الكربون على المدى الطويل. وأفضل حل لاختيار نوع الأشجار الملائمة لموقع ما هو الاعتماد على المجتمع المحلي، وخبراء الغابات المحلية، وأحدث النتائج العلمية. إنَّ غَرسْ الأشجار هُو أهَم بكثير مِنْ غَرسِ أشجار بعينها؛ إذ يؤكد الباحثون أن أفضل حل متاح لمشكلات المناخ هو إعادة تشجير مناطق جديدة على نطاق عالمي واسع. على سبيل المثال، بزراعة الأشجار على مساحة 900 مليون هكتار (مساحة أمريكا) يمكن احتجاز نحو 205 بلايين طن من الكربون، أي ثلثي انبعاثات غاز الكربون من الغلاف الجوي، التي تسبب بها الإنسان فعلياً. من هنا تأتي أهمية مبادرة (الشرق الأوسط الأخضر) التي أعلنتها السعودية في مارس 2021 بالشراكة مع دول المنطقة، والتي تهدف إلى زراعة 50 بليون شجرة، كأكبر برنامج إعادة تشجير في العالم. وتأتي هذه المبادرة من منطلق الشعور بالمسؤولية تجاه حماية البيئة وتنميتها.

   وأهم ثلاث فوائد مباشرة للشجرة هي تنظيف الهواء من الغبار والملوثات، وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، وزيادة الأكسجين في الجو من خلال عملية التركيب الضوئي. لقد قام الإنسان، منذ فجر الزراعة، بقطع نحو ثلاث تريليونات شجرة، أي ما يعادل نصف عدد الأشجار على كوكب الأرض. وفي سياق الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي لاستعادة عافية بيئة الأرض، تعهدت 43 دولة عبر العالم بإعادة زراعة 292 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وهي مساحة تبلغ عشرة أضعاف مساحة المملكة المتحدة. ومبادرة (الشرق الأوسط الأخضر) ستسهم في استعادة مساحة تعادل 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة.

قدرة الأشجار على امتصاص 2CO

الأشجار سخية في عطاياها لجهة تنظيف الهواء الذي نتنفسه، وتعمل على إبطاء ويلات الاحتباس الحراري، وذلك بامتصاص جزء من انبعاثات 2CO  التي يسببها الإنسان، لكن ربما لا يستمر هذا الكرم إلى الأبد في مواجهة استهلاك الوقود الأحفوري وإزالة الغابات. ولطالما تساءل العلماء عما إذا كانت الأشجار والنباتات ربما تصل إلى نقطة الانهيار بحيث لن تتمكن من امتصاص 2CO بشكل كافٍ. لكن من المؤكد حتى الآن أن قدرة الأشجار على فعل ذلك بعد عام 2100 غير واضحة.

في الحقيقة، إذ تَمكَّنا من تخفيض انبعاثات الكربون إلى الصفر بحلول عام 2050 فستبقى هناك حاجة لامتصاص انبعاثات الكربون المتبقية في الغلاف الجوي حتى نهاية القرن لإبقاء ارتفاع درجة الحرارة دون 1.5 درجة مئوية. إن إعادة التشجير ضرورية للتخفيف من الكربون في الغلاف الجوي، لكن ذلك لن يكون حلاً بديلاً عن تخفيف النشاط البشري، الذي لا يزال يسهم في النسبة الأعلى من الانبعاثات.

فالأشجار هي العنصر الحاسم في دورة الكربون الذي هو العنصر الثاني في الأهمية بعد الماء للحياة. فهي تأخذ 2CO من الجو وتحوله من خلال عملية التركيب الضوئي إلى طاقة. وبعد ذلك، إما أن يتحوَّل الكربون إلى أكسجين وينطلق في الهواء من خلال تنفس الأشجار، أو يبقى فيها حتى يتحلل في التربة من خلال جذورها ويغنيها.

وهكذا إذا اختفت الأشجار ستتغير حياتنا بشكل كبير، وسيكون لدينا مستويات عالية من 2CO في الهواء ومنخفضة من الأكسجين، وسيصبح الهواء غير مناسب للتنفس، وسيضطر الناس إلى ارتداء أقنعةٍ لتصفية القليل مما تبقى من الأكسجين فيه. وربما يصبح الهواء النقي سلعة نادرة ومرتفعة الأسعار لا يستطيع معظم الناس شراءها.

كمية الكربون التي تمتصها الشجرة

“إذا عُزلت ورقة نبات (في المختبر) ورَفعتَ مستوى ثاني أكسيد الكربون حولها، سيزيد معدل التركيب الضوئي لديها”. هذه حقيقة علمية مُتفق عليها. لكن النتائج التي يحصل عليها العلماء داخل المختبرات تختلف بشكل عام عما يحدث خارجها في الواقع الأكثر تعقيداً. لا يعلم الباحثون حتى الآن لماذا تؤدي المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد الكربون في الجو إلى تغيير المحتوى الغذائي للمحاصيل الزراعية. بيد أننا نعلم أن المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد الكربون تقلل تركيز العناصر الغذائية المهمة حول العالم.

  في القياسات الأساسية وجد أن خشب الشجرة في ساقها يتألف من خمسة عناصر أساسية، هي الكربون ويمثل 50%، ثم الأكسجين ويمثل 42%، والهيدروجين ويمثل 6%، ثم النتروجين ويمثل 1%، ومواد معدنية مختلفة وتمثل 1% أيضاً. وذكرت الهيئة (IPCC) أن نسبة ثاني أكسيد الكربون بحدود عام 2021 في  الغلاف الجوي للأرض تشكّل 0.0417 % من حجم الغلاف الجوّي، أي ما يعادل 417 (ppm) جزءا في المليون.

   والشجرة الواحدة تمتص سنويا ما بين 10 و 50 كلغ من غاز ثاني أكسيد الكربون. وتختلف سعة تخزين الكربون بالشجرة حسب النوع، والعمر، والنمو. وكمية ذلك الغاز المخزنة في الشجرة = الكتلة الكربونية × الكتلة الموليّة. ومن ثم ، يجب أن نعرف المفردات التالية: الكتلة الجافة، والكتلة الكربونية، والكتلة المولية:

  • الكتلة الجافة = كتلة الخشب الكلية – كتلة الماء بالخشب
  • الكتلة الكربونية = 47.5 % من الخشب الجاف.
  • الكتلة المولية (CO2) = مجموع الكُتل الذرية في الصيغة الكيميائية للعنصر ÷ الوزن الذري للعنصر

 (C=12)،(O=16)،(CO2=44)  = 12/44=3.67، أي إن كل 1 كلغ من كربون الخشب يلزمه امتصاص 3.67 كلغ  CO2

مثال تطبيقي : شجرة نخيل التمر

  1. لدينا شجرة نخيل تمر عمرها 20 سنة ووزنها 1472 كلغ، (25% ماء + 75 % خشب)
  2. (25% ماء = 368 كلغ + 75% خشب جاف = 1104 كلغ)
  3. كل 1104 كلغ من الخشب الجاف فيها (60%) كربون
  4. أي الكتلة الكربونية = 1104 × 47.5 ÷ 100 = 662.4 كلغ كربون بالخشب الجاف
  5. الكتلة المولية للكربون CO2 = 3.67
  6. بالتالي لكي تخزن شجرة نخيل التمر هذا الرقم من الكربون في الخشب، تحتاج إلى 662.4 كلغ × 3.67 الكتلة المولية = 2431 كلغ CO2 من الهواء خلال 20 سنة. ومن ثم فإن شجرة نخيل واحدة تمتص 2431 ÷ 20 سنة = 121.5 كلغ من CO2 بالسنة.
تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى