الطب وصحةالعلوم البيئية

أكل الحشرات: أسباب اقتصادية أم فوائد صحية؟

هناك نحو 1900 نوع من الحشرات الصالحة للأكل، منها عدة مئات تعتبر جزءا من مائدة العديد من الشعوب. وهناك نحو بليوني شخص يتناولون مجموعة واسعة من الحشرات بانتظام

د. عبدالرحمن لطفي أمين
اختصاصي الصحة العامة بوزارة الصحة ، (الكويت)

  مع التحديات التي تواجه البشرية في مجال الأمن الغذائي بدأ الناس يتوجهون إلى مجالات جديدة لإيجاد مصادر غذاء للإنسان، وكان منها “أكل الحشرات” باعتباره نمطا شائعا لدى بعض الشعوب. وبرز هذا الموضوع كقضية ذات أهمية خاصة في القرن الحادي والعشرين بسبب ارتفاع تكلفة البروتين الحيواني وقلة الأمن الغذائي والضغوط البيئية والنمو السكاني. ووتبين للعلماء أن تناول الحشرات أو ما يسمى “entomophagy” سيسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين البيئة والصحة.

    وفي عام 2013 أصدرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) تقريراً بعنوان (الحشرات الصالحة للأكل..الآفاق المستقبلية للأمن الغذائي والتغذية) حثت فيه البشرية على تناول الحشرات من منظور اقتصادي، لاسيما مع توقع بلوغ عدد سكان العالم عام 2050 نحو تسعة بلايين نسمة. وذكرت أن نحو بليون شخص يعانون جوعا مزمنا في العالم، ومن ثم بات من الضروري إعادة تقييم الوضع الغذائي ودراسة كيفية تصحيح أوجه القصور في الغذاء وكيفية التقليل من إهدار الطعام.

الحشرات الصالحة للأكل

   هناك نحو 1900 نوع من الحشرات الصالحة للأكل، منها عدة مئات تعتبر جزءا من مائدة العديد من الشعوب. وهناك أيضا نحو بليوني شخص يتناولون مجموعة واسعة من الحشرات بانتظام. ووفق تقرير (فاو) تشمل الحشرات القابلة للأكل نحو 235 نوعا من الفراش والعث، و 344 نوعا من الخنافس، و 313 نوعا من النمل والنحل والدبابير، و 239 نوعا من الجراد والصراصير، و 39 نوعًا من النمل الأبيض، و20 نوعًا من اليعسوب.

  وتنحصر مبررات أكل الحشرات في ثلاثة أسباب: السبب الأول متعلق بالصحة؛ لأن الحشرات تعتبر بدائل غذائية صحية للحوم (البروتينات الحيوانية). والسبب الثاني متعلق بالبيئة؛ لأن تناول الحشرات كغذاء ينبعث منها غازات دفيئة أقل بكثير من غازات الدفيئة التي تنتج عن تناول اللحوم الأخرى، كما أن تربية الحشرات لا تتطلب بالضرورة نشاطًا بريًا أوتنظيف الأراضي لتوسيع الإنتاج. والسبب الثالث يتعلق بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية؛ فتربية الحشرات تعد خيارًا استثمارياً مجديا لاسيما لأفقر قطاعات المجتمع.

 أهم حشرات الموائد

 أكثر أنواع الحشرات التي تؤكل في العالم هي الخنافس (من فصيلة غمدية الأجنحة) بنسبة 31 %. وتناول يرقات قشريات الجناح Lepidoptera هو الأكثر شعبية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ويقدر بنحو 18 %. أما فئة النحل والدبابير والنمل فتأتي في المرتبة الثالثة مشكلة 14 % من الحشرات، ثم الجراد والصراصير بنسبة 13%، فالسيكادا وقافزات أوراق الشجر والحشرات القشرية والبق بنسبة 10 %، ثم النمل الأبيض بنسبة 3 %؛ فاليعسوب بنسبة 3 %، ثم الذباب بنسبة 2 %، ثم باقي أنواع الحشرات بنسبة 5%.

 القيمة الغذائية للحشرات

تعتبر الحشرات مصدراً للغذاء للطيور والحيوانات، ويمكن للبشر أيضًا الحصول على فوائد غذائية منها. وقد تناولها الناس على مر العصور القديمة، وعلى سبيل المثال تصور إحدى اللوحات من موقع أثري أن الجنس البشري استخدم أدوات لجمع النمل الأبيض من التلال من أجل الغذاء. وفي العصر الحديث، هناك نحو 80% من الأشخاص في العالم يأكلون الحشرات كل يوم.

   وتحتوي الحشرات على نسبة عالية من البروتينات مع الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة، إضافة إلى الدهون المفيدة والأحماض الأمينية وفيتامين B12. كما تعتبر الحشرات مصدراً غنياً بأحماض أوميغا 3 غير المشبعة وأوميغا 6 الدهنية.

   ويساعد تناول الحشرات على الحفاظ على صحة الأمعاء الحيوية. وتوجد مادة الكيتين في الهيكل الخارجي للحشرة ولها خصائص قيمة؛ فهي مكونة من ألياف البريبيوتيك التي تعتبر مغذيات لبكتيريا الأمعاء.

القيمة الغذائية لبعض أنواع الحشرات:

  1. ( الجنادب) من أفضل الحشرات الصالحة للأكل، فكل 100 غرام من الجنادب  تحتوي على 14-28 غراما من البروتين.
  2. النمل: وفقًا لموقع ناشيونال جيوغرافيك، فإن 100 غرام من النمل الأحمر تعطي 14 غرامًا من البروتين. ويمكن لنفس الكمية من النمل الأحمر توفير 5.7 مليغرام من الحديد، حيث يحتاج الرجال إلى 8 مليغرامات من الحديد، والنساء إلى 18 مليغراما يومياً.
  3. يرقات الفراشات: تكون هذه الحشرات المجنحة، خلال مراحل اليرقات والعذراء، غنية بالبروتين والحديد. وهي تحظى بشعبية كبيرة في أفريقيا، وتعتبر مكملا غذائيا ممتازا للأطفال والنساء الحوامل.
  4. النحل والدبابير: يتناول السكان الأصليون في آسيا وأفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية والمكسيك النحل والدبابير عندما تكون في مراحلها غير الناضجة.
  5. الحشرات المائية: بعض أنواع الحشرات التي تعيش في الماء وتسبح على ظهرها وتسمى backswimmers تضع بيضها على ساق النباتات المائية، في بيئات المياه العذبة والمياه المالحة والراكدة. ويجفف المكسيكيون بيض هذه الحشرات ويصنعون منه ما يسمى الكافيار المكسيكي، أو يتناولونه طازجًا لنكهته التي تشبه نكهة المأكولات البحرية.

لماذا لا تؤكل الحشرات في الغرب؟

تعتبر منطقة الهلال الخصيب، وهي المنطقة التي تضم أراضي خصبة في غرب آسيا ووادي النيل إحدى المناطق التي نشأت فيها الزراعة. ومن هذه البقعة كان الإنتاج الغذائي، سواء النباتي أم الحيواني، الذي انتشر في أوروبا، فأصبح الإنسان يتناول الحيوانات الآكلة للعشب. ولم تعط هذه الحيوانات للإنسان قيمة غذائية فحسب وإنما أعطته أيضًا الدفء (الفراء والجلود والصوف)، ومنتجات الألبان، وساعدته على حراثة الأرض. وباستثناء الفائدة التي تعطيها الحشرات للإنسان، إذ تنتج العسل والحرير، فإن الإنسان في الغرب لم يكن يعتمد على الحشرات في أي شيء آخر.

 وأدى إنتاج الغذاء في الهلال الخصيب وأوروبا إلى ترويض مجموعة واسعة من الحيوانات. في المقابل شهدت الزراعة تقدماً كبيراً في الإنتاجية والكفاءة، وأصبحت الإمدادات الغذائية أكثر استقرارا. وهذا التغيير المحوري في نمط الحياة ساهم في فقدان الاهتمام بالحشرات كغذاء في تلك المناطق، وأصبحت الحشرات تعطي للكثيرين انطباعاً بالقرف والاشمئزاز أحياناً والخوف أحياناً، إضافة إلى كونها مصدر إزعاج وتهديد لإنتاج الغذاء، كما ربط الغرب تناول الحشرات بالسلوك البدائي للإنسان.

  وباستثناء دول ذات مناخ معتدل كالصين واليابان والمكسيك، فإن تناول الحشرات هو عادة من عادات سكان المناطق المدارية؛ لأن حجم الحشرات وعددها يكون أكبر في المناطق المدارية فيسهل جمعها، ولأن الحشرات القابلة للأكل تتوفر في المناطق ذات درجة الحرارة العالية طوال العام، في حين تلجأ الحشرات في المناطق المعتدلة إلى البيات الشتوي لمقاومة الشتاء البارد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق