العلوم الطبيعيةالكيميا الحيوية

مركبات الديوكسين والفيوران خطر يهدد البيئة لسنوات طويلة مقبلة

د. مروان الدمشقي

تعتبر مركبات الديوكسين والفيوران من الملوثات العضوية الثابتة التي تبقى لسنين طويلة في البيئة، وهي ضمن قائمة الملوثات التي نصت عليها اتفاقية استوكهولم (الملحق C) للملوثات العضوية الثابتة. وهذه المركبات لا يتم إنتاجها صناعياً، لكنها تتشكل عن غير قصد على شكل نواتج ثانوية أثناء تصنيع بعض المركبات العضوية الكلورية، أو أثناء عمليات الاحتراق المختلفة. ويعود الانتشار والتوزع الكبير لهذه المركبات في البيئة إلى تاريخ البدء بإنتاج مركبات الكلور العضوية (مثل المبيدات الكلورية العضوية) بصورة كبيرة في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين. ويقدر الباحثون أن الكميات التي تطلق عالمياً من الديوكسين إلى البيئة في العام الواحد تراوح بين 1800 – 3000 كغ في العام.
يطلق اسم الديوكسينات – Dioxins على 75 مركباً من مركبات ثنائي بنزو-بارا-الديوكسين المتعددة الكلورة، و135 مركباً من مركبات ثنائي بنزو الفيوران المتعددة الكلورة.
ويعتبر مركب رباعي كلوروثنائي بنزو الديوكسين (2,3,7,8-TCDD) من أكثر المركبات سمية من بين طائفتي مركبات الديوكسين والفوران.

مركبات الديوكسين والفيوران (وخاصة ذات عدد ذرات الكلور العالي) ذات ضغط بخار منخفض وضعيفة الانحلالية في الماء وتتمتع بانحلالية عالية في المحلات العضوية، أي إنها قابلة للتراكم في الدهون والشحوم، ومن ثم فهي قليلاً ما توجد في المياه، وقليلاً ما تتحرك ضمن التربة، وهي «تُدمصْ» بقوة على الجسيمات والسطوح، أي إنها تتراكم في الطبقة السطحية من التربة والرسوبيات القاعية، وتصبح متوافرة للنبات والحيوان. وتتراكم المركبات بتراكيز محسوسة في الخلايا الدهنية للإنسان والحيوان.

آليات تشكل المركبات
هناك عدة آليات لتشكل مركبات الديوكسينات والفيوران أثناء عمليات الاحتراق، وهي:
أ. قد توجد المركبات أصلاً في المواد الداخلة في عملية الاحتراق، (مثل النفايات البلدية التي قد تحتوي على مقدار ضئيل من الديوكسينات 50-6 ng/Kg)، ومن ثم يمكن ألا تحترق هذه المركبات بصورة كاملة، وقد تنجو من عملية التحطيم الحراري، أو يمكن أن يعاد تشكيلها أثناء عملية الاحتراق.
ب. يمكن أن تتشكل المركبات أثناء عملية الاحتراق بدءاً من مركبات شبيهة بها، مثل مركبات ثنائي الفينيل المتعدد الكلور PCBs، ومركبات كلور الفينول وكلور البنزن.
ج. قد تتشكل المركبات أثناء عمليات الاحتراق عن طريق ما يسمى بآلية دي نوفو، وذلك لدى احتراق مركبات كلورية غير شبيهة (مثل: بولي فينيل كلورايد ومركبات الكربون الكلورية)، أو لدى احتراق مركبات عضوية غير كلورية مثل: بولي ستيرين والسيليلوز والليغنين والفحم، وبوجود مركبات أخرى مانحة للكلور.

إن الاحتمالات الثلاثة السابقة يمكن أن تحدث أثناء عمليات الاحتراق، لكن تشير نتائج التجارب والبحوث إلى أن الاحتمالين «ب» و «ج» هما الأغلب في تشكل مركبات الديوكسين والفيوران، ويعود السبب في ذلك إلى أن تقنيات الحرق الحديثة والحرارة العالية يمكن أن تحطم مركبات الديوكسين والفيوران التي كانت موجودة أصلاً في المواد الداخلة في عملية الاحتراق. من أهم الآليات في تشكيل مركبات الديوكسين والفيوران هي عندما تنتقل نواتج الاحتراق من منطقة الحرارة العالية إلى منطقة التبريد (250 – 450 °C). ومن أهم المناطق التي يمكن أن تتشكل فيها هذه المركبات هي المبادلات الحرارية وأجهزة معالجة الغبار والمرسبات الكهربائية.

عوامل مؤثرة
هناك عوامل عديدة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في آلية تشكل مركبات الديوكسين والفيوران، مثل رماد الاحتراق المتطاير ومحتواه من الكربون العضوي والأملاح الكلورية للمعادن التي يمكن أن تؤدي دوراً وسيطاً، إضافة إلى عوامل أخرى مثل الأكسجين وبخار الماء ودرجة الحرارة ووجود الكلور أومركبات مانحة له.
وهناك دلائل كافية على أن مركبات الديوكسين والفيوران يمكن أن تتشكل نتيجة تفاعلات متجانسة تحدث في الطور الغازي، أو نتيجة تفاعلات غير متجانسة تحدث على سطوح الجسيمات الصلبة، وعلى السطوح المعدنية.
درجة الحرارة: تؤدي الحرارة دوراً مهماً في تشكل أو تحطيم مركبات الديوكسين والفيوران، حيث تشير بعض التجارب في درجات الحرارة العالية إلى أن مركبات أولية شبيهة من طائفة مركبات ثنائي الفينيل المتعدد الكلور PCBs (مثل: خماسي كلور ثنائي الفينيل) يمكن أن تبقى ثابتة حتى الدرجة 700 درجة سيلزية، ومع زيادة درجة الحرارة لوحظ انخفاض في تركيز مركب PCB وزيادة في تشكل مركبات الفيوران عند الدرجة 750 سيلزية، ولدى متابعة زيادة درجة الحرارة لوحظ تحطم مركبات الفيوران التي تشكلت حديثاً. ولدى دراسة التفاعلات غير المتجانسة على الرماد المتطاير أظهرت بعض التجارب وجود نافذة حرارية 280 – 320 درجة سيلزية مناسبة لتشكل مركبات الديوكسين والفيوران. وتعتبر هذه الآلية من أهم الآليات في تشكيل مركبات الديوكسين والفيوران عندما تنتقل نواتج الاحتراق من منطقة الحرارة العالية إلى منطقة التبريد، كما هي الحال في المبادلات الحرارية وأجهزة معالجة الغبار والمرسبات الكهربائية.

وجود المركبات الشبيهة بالديوكسينات: أظهرت بعض التجارب أن مركب خماسي كلور الفينول يمكن أن يشكل مادة أولية جيدة لتشكيل مركبات الديوكسين لدى تكاثفه على الرماد المتطاير بدرجة حرارة تراوح بين 250 – 350 درجة سيلزية، وأن المكونات المعدنية للرماد يمكن أن تؤدي دور الوسيط في تفاعلات التشكيل هذه. وبينت تجارب أخرى أنه يمكن أن تدمص جزيئتان من مركب رباعي كلور الفينول على سطح الرماد وتندمجان لتشكيل مركب ديوكسين.

نسبة الكبريت إلى الكلور: إن احتراق الوقود مثل الفحم يولد تراكيز أدنى من مركبات الديوكسين والفيوران مقارنة بحرق النفايات الصلبة المدنية. في عام 1986 وضع العالم (غريفين) فرضية لتوضيح تشكل مركبات الديوكسين والفيوران كنتيجة لنسبة الكبريت إلى الكلور S/Cl في المواد الداخلة في عملية الاحتراق.

نسبة الأكسجين والمعادن والكلور: بينت التجارب المختبرية والميدانية أن زيادة تركيز الأكسجين من 0 إلى %10 أدت إلى زيادة في تشكل مركبات الديوكسين والفيوران.
إن وجود زيادة في تركيز الأكسجين سيدفع أحد التفاعلات باتجاه تشكيل الكلور الجزيئي، ومن ثم تشكيل مركبات الكلور العضوية. ولدى اختبار كفاءة المعادن في أداء دور الوسيط أو الحفاز في عملية تشكل مركبات PCDD/PCDF، وجد أن النحاس كان من أفضل المعادن، وفي معظم الاختبارات كان يضاف النحاس أو السيليس أو بعض المعادن الأخرى على شكل بودرة من أملاح المعدن.
ومن المعروف أن تفاعلات الكلورة للهدروكربونات الحلقية العطرية تحدث بوجود الكلور الجزيئي، وأن تفاعلات الاستبدال هذه (استبدال الهدروجين بالكلور) تحدث في الطور الغازي المتجانس أو حتى في الطور غير المتجانس على سطوح الرماد. كما يمكن لجزيء غاز كلور الهدروجين أن يقوم بعملية الكلورة هذه في حرارة 250 درجة سيلزية لبعض المركبات العضوية المدمصة على الرماد، لكن وجد أن غاز الكلور الجزيئي كان أقوى بمقدار 4 مرات من غاز كلور الهدروجين في كلورة هذه المركبات.

الانتقال في البيئة
تنبعث مركبات الديوكسين والفيوران من مصادرها إلى البيئة الهوائية والمائية والبرية، ويمكن أن يحمل الهواء هذه المركبات المنبعثة من مصادر الاحتراق والصناعة إلى مسافات بعيدة عن مصادرها قبل أن تترسب فوق المياه والتربة. وقد يراوح تركيز هذه المركبات أثناء انتقالها في الهواء بين 10-1 pg/m3. ويوضح الشكل أدناه مسارات انتقال الديوكسينات في الأوساط البيئية:
إن مركبات الديوكسين والفيوران التي تحتوي على عدد قليل من ذرات الكلور (من 1 إلى 3) تكون موجودة عادة في الهواء على شكل بخار مما يجعلها أكثر عرضةَ لعمليات التفكك الضوئي والتفاعلات الكيماضوئية مع جذور الهدروكسيل (OH) والأوزون (O3)، في حين نجد أن مركبات الديوكسين والفيوران التي تحتوي على عدد ذرات كبير من الكلور (4 – 8) تكون عادة مُدمصة على جزيئات الغبار والعوالق الهوائية أثناء انتقالها في الهواء، مما يجعلها أقل عرضة للتفاعلات التي تؤدي إلى تفككها أو تحولها. ومن ثم تكون الترسبات النهائية للمركبات غنية أكثر بالمركبات الحاوية على عدد أكبر من ذرات الكلور (والتي تعتبر أكثر سُمية).
إن عمليات الترسب النهائية لكلا الطورين (الغازي والصلب) لمركبات الديوكسين والفيوران من الهواء تلوث التربة والمياه والنباتات والرسوبيات القاعية (في البحار والأنهار)، وتعتبر بذلك المدخل الرئيسي إلى السلسلة الغذائية.
وبسبب الانحلالية الضعيفة وضغط البخار المنخفض لمركبات الديوكسين والفيوران، تميل هذه المركبات أثناء وجودها في البيئة المائية إلى البقاء في الرسوبيات القاعية، وهو مكان يعتبر مخزناً كبيراً لها. ويقدر نصف العمر لمركب 2.3.7.8-TCDD في الرسوبيات بين 12-10 سنة.
ويبين الشكل أعلاه (في اليسار) ترسب وانتقال ومصير الديوكسينات في البيئة المائية:
وبالتالي تتركز هذه المركبات من المياه إلى الرسوبيات القاعية (في الأنهار والبحار) والهوائم النباتية والحيوانية وفي النباتات والحيوانات المائية، ويأخذ التركيز بالتضخم في هرم السلسلة الغذائية كما هو مبين في الشكل في الأعلى (في اليمين).
إن التعرض الرئيسي (%90) للإنسان لمركبات الديوكسين والفيوران يتم من خلال الغذاء، وبصورة رئيسية عن طريق تناول اللحوم والأسماك والبيض ومشتقات الألبان.
تتراكم مركبات الديوكسين والفيوران في جسم الإنسان بصورة رئيسية في الشحوم والدهون. ونظراً لثباتية هذه المركبات وعدم قابلية استقلابها الحيوي ومعدلات طرحها البطيئة خارج الجسم، يمكن أن تبقى في جسم الإنسان حتى 50 عاماً.
تنصح منظمة الصحة العالمية بألا تتجاوز الكمية التي تدخل إلى سم الإنسان يومياً من هذا المركبات عن طريق الغذاء القيمة (1 – 4 بيكوغرام لكل كغ) من جسم الانسان في اليوم.

طرائق تعرض الإنسان
يمكن أن يتعرض الإنسان لمركبات الديوكسين والفيوران بصورة مباشرة من خلال استنشاق الهواء والعوالق الحاوية على مركبات الديوكسين والفيوران أو من خلال الجلد.
كما يمكن أن يتعرض الإنسان بصورة غير مباشرة من خلال تناول الطعام الملوث بمركبات الديوكسين والفيوران. والتعرض أثناء العمل (التعرض المهني) يمكن أن يحدث أيضاً في بعض الصناعات، مثل صناعة المبيدات العضوية الكلورية وصناعة زيوت ثنائي الفينيل المتعدد الكلور.
ومن أشهر كوارث التعرض لمركبات الديوكسين حادثة سيفيسو التي وقعت عام 1976 في مدينة سيفيسو قرب ميلان شمالي إيطاليا، حيث انطلقت غمامة بارتفاع 50 متراَ في السماء لمواد كيميائية (نحو 3000 كغ) من أحد المصانع الكيميائية، وكانت تحتوي على مواد سامة مثل ثلاثي كلور الفينول الذي يستخدم في صناعة مبيدات الأعشاب، كما كانت تحتوي على نحو 20 كغ من رباعي كلور ثنائي بنزو الديوكسين الذي يمكن أن يتشكل كمنتج ثانوي أثناء تصنيع ثلاثي كلور الفينول.
ويعتقد أن نحو 37 ألف شخص تعرضوا لهذا الحادث وأن نحو %4 من الحيوانات المحلية ماتت، وأن نحو 80 ألف حيوان تم التخلص منها لمنع انتشار الديوكسين والمواد السامة الأخرى في السلسلة الغذائية.
ومن أشهر الحوادث الفردية للتسمم بمركبات الديوكسين حادثة تسمم رئيس أوكرانيا السابق فيكتور يوشينكو عام 2004 (الصورة أعلاه) حيث تم تسميمه بمركب رباعي كلور ثنائي بنزو الديوكسين، وأشارت نتائج التحاليل إلى وصول تركيز الديوكسين إلى مستويات عالية جداً، أعلى بنحو 50 ألف مرة عن التراكيز التي يمكن أن توجد لدى عامة الناس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق