العلوم الطبيعيةعلم الجينات والوراثة

علم الوراثة والرحلة السرمدية في مملكة النبات

د. قاسم زكي

يعود لمملكة النبات الفضل الأول في اكتشاف مبادئ علم الوراثة حين أجرى العالم غريغور ماندل (1866-1822) تجاربه الأولى وتهجيناته المختلفة على نبات البازلاء، والتي مهدت لإرساء دعائم هذا العلم. وقدم علم الوراثة لمملكة النبات خدمات جليلة أدت إلى الكشف عن أسرار مكنوناتها والمحافظة عليها من الاندثار وزيادة إنتاجها وتطويرها من أجل رخاء البشرية ورفاهيتها. وستتطرق هذه المقالة إلى تطبيقات علم الوراثة في عمليات التحسين الوراثي للنباتات، بدءا من نشأة فكرة التهجين، مروراً بتطبيقات قوة الهجين والثورة الخضراء، ثم استحداث الطفرات واستخدامها الواسع في إنتاج أصناف نباتية جديدة عالية الإنتاج، وصولاً إلى القدرة على إنتاج نباتات حسب الطلب بتطبيق التكنولوجيا الحيوية، انتهاء بعلم الجينوم والتعرف إلى مكنون التسلسل للمادة الوراثية. ولعل القارئ يستطيع أن يستدل على ما أحرزته البشرية من تقدم علمي حينما يرى مدى التطوير الكبير الذي أدخله علم الوراثة على نوعية المحاصيل وجودتها، فمثلا منذ خمسة قرون عثر الإسبان على ثمار بندورة برية (طماطم Tomato) لنباتات خضراء عشبية مع ثمار صغيرة الحجم، ضعيفة الاستساغة وقليله الجودة، كان يستعملها أهل أمريكا الجنوبية الأصليون، ونقلت إلى أوروبا وبقية دول العالم فيما بعد، ولكن ظل الإقبال على زراعتها واستهلاكها محدوداً لقرنين من الزمان بسبب انتشار اعتقاد خاطئ مفاده أن ثمارها سامة للإنسان.

وظل ذلك الوضع سائداً حتى منتصف القرن التاسع عشر حينما تناولتها أيدي العلماء بالبحث والتحسين الوراثي حتى صارت اليوم بحجم يتجاوز 30 ضعف حجمها الأصلي، وبدأ التوسع في زراعة البندورة في الولايات المتحدة ثم بقية أنحاء العالم، وتفوقت البندورة الحديثة على البرية في الطعم والجودة وأصبح لها مئات الأصناف منها ما يصلح للزراعة في منطقة دون غيرها، ومنها ما تم تربيته وراثياً ليصلح لعمليات التصنيع أو ليزرع في مناطق تعاني ضعف خصوبة الأرض أو ملوحتها أو قلويتها، أو تعاني بسبب درجات حرارة عالية أوبرودة قارصة. هذا أيضاً ما جرى على عدد من المحاصيل الأخرى كمحصول الذرة الشامية.

علم الوراثة والتهجين
عندما كان الإنسان يبحث عن تحسين وزيادة إنتاج غذائه من النباتات، راودته فكرة تهجين النباتات المختلفة ليحصل على أفضل صفاتها في الهجين الناتج. وظهر ذلك في بدايات القرن الثامن عشر (قبل اكتشاف قوانين ماندل في الوراثة) على يد توماس فيرتشيلد (1667–1729) حينما أنتج أول هجين صناعي لنبات زينة (عام 1718)، وإن كان الهجين عقيماً. لكن ذلك فتح المجال أمام عمليات التهجين في مختلف أفراد مملكة النبات، وهو ما أثرى الحياة بألوان من النباتات المختلفة ذات المواصفات الجديدة والجيدة.
وعمليات التهجين تعني تزاوج النباتات (أصناف أوأنواع أوأجناس مختلفة) بعضها ببعض، وذلك بنقل الجاميطات المذكرة إلى الزهور المؤنثة للنباتات الأخرى، والتي قد تكون مختلفة عنها في بعض أومعظم المحتوى الوراثي، مما يؤدي إلى إنتاج نسل يحوي صفات كلا الأبوين، وقد تجمع أفضل الصفات (قوة الهجين hybrid vigourHeterosis) التي تفيد في زيادة الإنتاج أوتحمُّل الظروف البيئية الصعبة أو مقاومة الكائنات الممرضة والآفات. ولعل أشهر ما سجلته تطبيقات علم الوراثة في مجال قوة الهجين هوإنتاج الذرة الهجين التي تفوقت على السلالات البرية أوالأبوية بعشرات الأضعاف من حيث المحصول أوالمحتوى من الزيوت أو البروتين وغير ذلك. وحالياً هناك مئات من الشركات الزراعية العملاقة التي تخصصت في إنتاج تقاوي الهجن والتي يتجاوز ثمن البذرة الواحدة منها أحياناً ثمن وزنها ذهباً وتدر إنتاجاً عاليا للمزارع، مثل تقاوي هجن الذرة والبنجر والبندورة والخيار والفلفل والبطاطا والكسافا. وأصبحت تلك الهجن مصدر دخل كبيراً للمزارعين والدول، وزادت في محصول تلك النباتات لتلبي حاجات الزيادة المطردة في عدد البشر.
ولعل أكثر حلقات التطبيق العملي لعلم الوراثة وميضاً، ما يعرف بالثورة الخضراء حينما أنجز نورمان بورلوغ (1914 – 2009) تهجينات ناجحة وأنتج سلالات وأصناف قمح قصيرة الساق ومقاومة للأمراض وعالية الإنتاج ساهمت في حماية المكسيك من شر مجاعة كادت تعصف بها، بل تحولت في غضون بضع سنين إلى دولة مصدرة للقمح، ثم أهدى تقاوي تلك الأصناف إلى دول العالم وبخاصة النامية منها. لذا كافأته نوبل بمنحه جائزتها للسلام لعام 1970 تقديراً لجهوده في رفاهية البشرية. ومازال المكان الذي اتخذه مقراً لأبحاثه (مدينة الباتان بالقرب من العاصمة مكسيكوسيتي) يؤدي دوره كأكبر مركز بحثي لإنتاج أصناف القمح والذرة وغيرهما من الحبوب للعالم أجمع (المركز الدولي لتحسين الذرة والقمح CIMMYT).
وساهمت «الثورة الخضراء» في مضاعفة الإنتاج الزراعي بين 1960 و1990، واستفادت منها آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية على وجه الخصوص. ويرى محللون أن تلك الثورة حالت دون حدوث مجاعة عالمية في القرن العشرين.

الطفرات والتباين الوراثي
لكن البحث عن الجديد هو سمة البشرية وعلمائها لتلبية الحاجة إلى المزيد من الغذاء والكساء وذلك عبر مزيد من التنوع الوراثي. وقد تفتق ذهن العلماء عن مصدر جديد لإحداث التباين الوراثي بين النباتات للحصول على الصفات الجديدة، فكانت الطفرات (التغيرات) التي تحدث في المادة الوراثية (DNA) سواء بطريقة تلقائية أوبطريقة يستحدثها الإنسان وتورث للأجيال التالية.
ولوحظ أن الطفرات التي تحدث في الخلايا الجنسية تورث للجيل اللاحق، إلا إذا كانت مميتة. أما الطفرات التي تحدث في الخلايا الجسدية فيمكنها الانتقال إلى النسل فقط عن طريق إكثارها خضرياً. والطفرات تمثل المواد الأولية اللازمة لنشأة التنوع الوراثي (التنوع الحيوي)، وهي ضرورية كي يحدث التطور. وتأثيرات الطفرات قد تكون ضارة أو نافعة، أومحايدة، أما الطفرات الضارة فتتم تصفيتها عن طريق الاصطفاء الطبيعي باختفاء الكائن، أما الطفرات المحايدة فقد تتراكم وتصبح شائعة وفق آلية تطور أخرى تسمى الانحراف الوراثي، والتغيرات التي تنتج عن الطفرات ربما لا يكون لها أي تأثير، أو قد تعدل من النواتج الوراثية أو قد تمنع الجين عن العمل. ومعظم الطفرات تكون محايدة ولا تؤدي إلى تغيرات ملحوظة، في حين تكون معظم الطفرات التي تعدل من البروتينات الناتجة عن الجينات ضارة.
وكانت بداية استحداث الطفرات صناعيا عام 1920 على يد العالم لويس ستالدر (1896 – 1954) في جامعة ميسوري الأمريكية، حينما عرض حبوب الشعير لأشعة أكس ( X-rays) وحصل على نباتات مختلفة الألوان.
وزاد استعمال تلك التقنية بعد الحرب العالمية الثانية وبخاصة كتطبيقات لاستخدام الطاقة النووية لإنتاج أصناف نباتية جديدة ذات صفات مميزة. وأحدثت تلك التقنية تغييراً كبيراً في استحداث تباينات وراثية نتج عنها صفات جديدة للمحاصيل، كإنتاج ثمار أكبر حجماً أو أزهار ذات ألوان جديدة أو فاكهة أكثر حلاوة يصعب وجودها في الطبيعة أو ربما اختفت مع مراحل التطور.
يتم ذلك بتعريض بذور تلك النباتات أو أجزاء تكاثرية منها كالعقل أوالبراعم إلى مواد كيميائية (مثل  EMS أو DMS) أوإلى أشعة (مثل أشعة إكس أوأشعة غاما) أو إلى درجات حرارة عالية أو منخفضة، تتسبب تلك المعاملات في إحداث تغيير في المادة الوراثية (كتركيبها أو ترتيبها أو عددها أو تناسخها أو تعبيرها عن نفسها) يتبعه تغيير في الصفات التي تظهر على النبات الناتج، ثم تنتقل تلك الصفات إلى أنسال هذا النبات فيما يعرف بظاهرة التوارث (Heredity)، ويستمر هذا الانتقال من الآباء إلى الأبناء عن طريق المادة الوراثية التي حدث فيها هذا التغيير. ومازالت تقنية استحداث الطفرات مستمرة لتبلغ من العمر قرابة قرن في كل بلدان العالم، ولتسجل نجاحاً فاق المتوقع، فمثلاً جرى ما بين عامي 2007-1930، إنتاج 2540 صنفاً نباتياً جديداً، ثلاثة أرباع هذا العدد لأصناف من المحاصيل الغذائية (مثل الأرز، والقمح، والشعير، والكمثرى، والبازلاء، والقطن، والنعناع).
وأفردت منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو) سجلاً خاصاً بتلك الأصناف على شبكة الإنترنت. ومن تلك الأصناف القمح البلغاري «فريمر Fremer» ذو الإنتاج العالي والتأقلم الواسع والمقاومة لمرض صدأ الساق الأسود وللصقيع، والذي استحدث بأشعة غاما في عام 2009.

الوراثة والتكنولوجيا الحيوية النباتية
ومع تزايد أعداد البشرية لتصل إلى نحو سبعة مليارات نسمة مع نهاية القرن العشرين، وتهدد بتجاوزها حاجز تسعة مليارات نسمة مع حلول منتصف القرن الحادي والعشرين، مما يستوجب مضاعفة إنتاج الغذاء لتلبية حاجة البشر، التي تعجز الطرق التقليدية (التي ذكرناها آنفاً) عن القيام بذلك وحدها، كان لزاماً البحث عن طرق وراثية مبتكرة عالية الدقة والكفاءة تثري التنوع الوراثي النباتي وتتماشى مع الزيادة الكبيرة في أعداد البشر، وتمثلت تلك الطرق في هندسة النباتات حسب الطلب:

أولاً: هندسة النباتات خلوياً:
مع بدايات القرن العشرين بدأ العلماء بترويض الخلايا النباتية والأجنة والأنسجة والأعضاء لتزرع وتنمو داخل قوارير (أوعية زجاجية أو بلاستيكية في جو معقم خال من أي كائنات دقيقة وفيه بيئات مغذية مع التحكم في ظروف الحرارة والإضاءة والرطوبة) ولتنتج نباتات كاملة حسب الطلب، بل يتم إكثارها بالآلاف والملايين ولو كانت من نبات واحد فقط ذي ميزات اقتصادية، فيما يعرف بتكنولوجيا الإكثار الدقيق. تمكننا تلك التقنية أيضاً من المحافظة على السلالات النادرة والمميزة وإكثارها وإتاحتها للمزارعين وبخاصة تلك النباتات التي يتم إكثارها خضرياً عن طريق الفسائل والخلفات والعقل (ليس عن طريق البذور)، كما هوحادث في الموز والنخيل والبطاطا والفراولة، وغيرها.
وأتاحت تلك التقنيات التغلب على صعوبات عملية التهجين في الحقول بين نباتات بعيدة القرابة، سواء عوائق ما قبل عملية التلقيح والإخصاب، وذلك بإتمام التلقيح والإخصاب في القوارير (كأطفال الأنابيب)، أو في التغلب على مشكلات ما بعد التلقيح والإخصاب، حين تنتج أجنة مبتسرة تموت إذا تركت تنمو على أمهاتها الطبيعية، لذا تجرى لها عملية إنقاذ الأجنة، ومن ثم استيلاد أجناس أو أنواع نباتية جديدة لم تعرفها البشرية. بل تعدى الأمر هذا إلى إنتاج هجين بين نباتات يستحيل التهجين بينها في الطبيعة لعدم وجود صلة قرابة أصلاً، وذلك بدفع خلايا تلك النباتات للاندماج داخل القوارير لتكون خلايا هجينية، تجمع كل منها المادتين الوراثيتين للنباتين المتفارقين، ثم يجري إنماء تلك الخلية ليستولد منها نبات هجين يجمع صفات النباتين، يتم إكثاره فيما بعد. ولدينا الآن هجين بين القمح والشعير والبصل والثوم وبعض القرعيات، تحمل تلك الهجن الجسدية صفات كلا النوعين المرغوبة مثل المحصول العالي أو مقاومة الأمراض أو تحمل الظروف البيئية المعاكسة.
ولدينا أيضاً إمكانية إنتاج نباتات خالية من الكائنات الممرضة وإكثارها، حتى لو لم يوجد أي نبات سليم من تلك النباتات ذات الإنتاج العالي والمحصولية الكبيرة. وتمكننا تقنية زراعة الخلايا والأنسجة النباتية من حفظ التراكيب الوراثية النادرة لسنوات عدة في صورة خلايا أو أجنة أو براعم كبنوك للجينات، وذلك بحفظها تحت درجات حرارة منخفضة جداً (تصل إلى –196˚م) تحت النتروجين السائل أوتحت درجات حرارة الثلاجة (صفر- 5˚م)، يعاد استيلادها لنباتات كاملة حين الطلب، ونتفادى التخزين العادي الذي قد يؤدي إلى إصابتها بآفات المخازن كالسوس فتفقد البشرية سلالاتها النادرة أو يحدث لها تدهور وراثي.
وهنالك أيضاً إنتاج المواد الصيدلانية والطبية من خلال زراعة الخلايا في أوعية واستخلاص تلك المواد الفعالة دون الحاجة لزراعة النباتات الكاملة في التربة، وبذا يكون الإنتاج طول العام مع تخفيض التكاليف.
وبزراعة حبوب اللقاح أو البويضات الأحادية وجدت تباينات وراثية عديدة كتلك التي أوجدتها زراعة خلايا جسدية، وأمكن منها الحصول على تراكيب وراثية وأصناف جديدة تفوقت على جميع الأصناف الموجودة، وكانت ذات إنتاجية عالية في كل الأنواع النباتية التي تناولتها أيدي خبراء زراعة الخلايا والأنسجة النباتية، مثلما حدث فى القمح والشعير والأرز والدخان وغيرها.

ثانياً: هندسة النباتات وراثياً:
حينما بحث علماء الوراثة عن وسيلة أسرع وأكفأ لإضافة صفات وراثية جديدة، تطلعوا إلى هندسة المادة الوراثية للنباتات مباشرة، فبدلاً من التهجين بين نباتات مختلفة يتم فيه خلط كل المكونات الوراثية (المرغوب وغير المرغوب منها)، وأحيانا يصعب القيام بذلك لو تباعدت القرابة الوراثية، وبدلاً من إحداث الطفرات العشوائية لكل المحتوى الوراثي، ودون تحكم فيما سينتج وانتظار ما سيكون، لجأ العلماء إلى تحديد الصفة المراد إضافتها إلى نبات ما، ثم البحث عن العامل الوراثي المسؤول عن تلك الصفة (الجين gene) وعزله حيثما يوجد (في أي كائن حي آخر) ثم نقله وإضافته إلى المحتوى الوراثي للنبات المطلوب تحسينه، أي هندستـه وراثياً. هذا ما يشار إليه حالياً في أدبيات التقنيات الحيوية بتقنيات الهندسة الوراثية، ويطلق على النباتات الناتجة بالنباتات المعدلة أو المحورة أوالمهندسة وراثياً، والتي بدأت منتجاتها تغزو أسواق العالم منذ عام 1992.
وقد هندست وراثياً العديد من المحاصيل وأشهرها القطن والذره الشامية وفول الصويا والقمح والأرز والشعير. وهناك قرابة 30 دولة (معظمها من الدول النامية) تزرع ما يزيد عن أربعمائة مليون فدان (قرابة 170 مليون هكتار) من تلك المحاصيل.
وتم إنتاج نباتات محددة الطلب كنباتات تقاوم أمراضا معينة كالتي تسببها الفيروسات أو البكتريا أو الفطريات، وهناك نباتات تقتل الحشرات التي تحاول أن تتغذى عليها فيما يعرف بمحاصيل (بي تي)، وهي مصممة لكي يضاف إليها عامل وراثي يعرف بجين الـ(بي تي) نزع من بكتريا التربة (Bacillus thuringiensis) وهو ينتج مواد بروتينية سامة للحشرات فقط دون أي كائن حي آخر، ليزرع في المادة الوراثية للنباتات فيقيها شر هجوم الحشرات . ويزرع من تلك النوعية من الذرة مثلا ما يفوق مساحته 60 مليون هكتار حول العالم، بما في ذلك مصر والسودان من الدول العربية. وجرت هندسة النباتات وراثياً لمقاومة الصقيع بجينات من أسماك تعيش في قاع البحار والمحيطات المتجمدة، وأخرى تتحمل درجات عاليه من الحرارة أو ملوحة الأرض، وهناك نباتات هندست لتنتج المزيد من الوقود الحيوي، بل هناك نباتات بطاطا أضيفت إليها عوامل وراثية من الآدميين لتنتج مكونات لبن الأم، وأيضا هناك الأرز الذهبي الذي عالج نقص الفيتامين (أ) ليقي ملايين الفقراء في جنوب شرق آسيا من الوفاة وأمراض العمى. ومع أن هذه النباتات حظيت بقبول واسع من المزارعين والمستهلكين، فقد حظيت أيضاً ببعض الشك والتخوف من بعض الأشخاص كأي تقنية جديدة لم يألفها البشر من قبل.

الوراثة وعصر الجينوم
ركز علماء الوراثة جل جهدهم خلال الـ50 عاماً الماضية على التعرف إلى الطبيعة الجزيئية للعوامل الوراثية (الجينات)، مما أدى لتراكم كم هائل من النتائج، وهذا صعَّب على المتخصصين متابعة تلك البيانات والمعلومات. وازداد الأمر تعقيداً خلال العقدين الماضيين مع ازدياد نتائج دراسة جينومات العديد من الكائنات ومنها عدد كبير من النباتات. والجينوم (Genome هو المحتوى الوراثي الكامل لكائن ما)، وبشكل أكثر دقة فإنّ الجينوم هو كامل تسلسل الدنا (DNA) ضمن مجموعة وحيدة من  الصبغيات (الكروموسومات) وهذا يوضح بصورة جلية مدى المشكلة التي يعانيها البيولوجيون عموماً والوراثيون خصوصاً. وتمثل الحل المناسب في الاستعانة بعلم الحاسوب وتطبيقاته.
وكما حقق الحاسوب نجاحاً في كل مناحي الحياة، فقد حقق أيضاً ما هو أكثر من ذلك في مجال الوراثة، فقد ساعد على نشأة علم هجين (بين علوم الحياة والوراثة خصوصاً وعلم الحاسوب والبرمجة) ويعرف هذا المجال باسم «المعلوماتية الحياتية» (Bioinformatics) فهو يعنى بدراسة علوم الحياة خصوصاً البيولوجيا الجزيئية ولاسيما الوراثة الجزيئية بالاستعانة بالحاسوب. وقد ساعدت هذه البرامج على دراسة وفك أسرار جينومات العديد من الكائنات، وظهرت بالتالي علوم «الأومكس» مثل الجينومكس (Genomics) الذي يعنى بدراسة المحتوى الوراثي للكائن تفصيلياً، وعلم البروتيومكس (Proteomics) الذي يعنى بدراسة البروتينات وعلاقاتها بالمحتوى الوراثي. وهناك العديد من المواقع الإلكترونية التي تحوي كماً هائلاً من المحتويات الوراثية للتعرف إلى تتابعات الجينات مما يسهل من عمليات المقارنة والتعرف إلى أي جينات جديدة يجدها الباحث مقارنة بكائنات أخرى. وبذا أصبح لدينا خرائط كاملة وتفصيلية لنباتات عديدة تمكننا من سهولة تحسينها. ومن أول ما تم التعرف إلى جينوماته فى مملكة النبات كان نبات «الأرابيدوبسس» (Arabidopsis thaliana) في عام 2000، ثم تبعه العشرات أهمها الأرز.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق