الطب وصحةعلم الإنسان

علم الأعصاب الدماغية.. أزمــة تـطور أم انـطلاق

ترجمة: علي وطفة

تشكل الأبحاث العلمية الجارية في مجال الدماغ والبرمجة العصبية المجال الحيوي لعلم البيولوجيا المتقدم في القرن الحادي والعشرين. وتتوقع الدراسات المستقبلية إمكان تحقيق تقدم مذهل في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والذكاء البشري عندما يتم الكشف عن القوة الإعجازية الهائلة التي ينطوي عليها الدماغ، وسيؤدي مثل هذا الاكتشاف أيضا إلى معالجة الأمراض النفسية التي تؤثر فيه، مثل ألزهايمر والفصام والتوحد، ويجعلها أمراضا غير ممكنة الحدوث في المستقبل.

ومن الطبيعي أن يؤدي تطور هذا العلم إلى تحقيق اكتشافات مذهلة في مجالات أخرى، مثل: علم التربية، وعلم علاج الأمراض النفسية والعصبية. ومع أهمية هذه الطموحات المتعلقة بالتقدم في هذا المجال الجديد فإن تساؤلات كثيرة تثار حول التطور الحاصل في هذا الميدان.

وثمة مشروعان متميزان حالياً في مجال علم الأعصاب الدماغي؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية تقوم معاهد الصحة القومية (NIH) بتمويل مشروع يدعى «Connectome» يسعى إلى رسم الخريطة العصبية للدماغ البشري. ويعتمد هذا المشروع على تحقيق هذه الغاية من خلال دراسة أدمغة بشرية راشدة وصحية. وبالتزامن مع ذلك يؤسس عدد من الباحثين في مدرسة البوليتكنيك الفيدرالية بلوزان (EPFL) «مشروع الدماغ الأزرق» المتضمن بناء دماغ بشري افتراضي ضمن حاسوب فائق.

وتشكل هذه المحاولات التي تستهدف تسريع وتائر البحث حول الدماغ عالمياً منطلقاً لولادة عائلة من الاختصاصات التي تتكامل فيما نسميه علم الأعصاب الدماغية neurosciences. وهي تسعى إلى فهم العلاقة القائمة بين البيولوجيا والتفكير والسلوك الإنساني وتحليل مكوناتها واتجاهاتها. وتسعى هذه العلوم إلى تحليل الإنسان الكلي بوصفه كائناً مفكراً يمتلك القدرة على التصرف والإحساس من خلال الدماغ. ويمثل هذا الهدف طموح علماء الأعصاب، في الوقت الذي يرى فيه علماء البيولوجيا أن هذا الهدف يتمثل في دراسة النظام العصبي وبنيته ووظيفته بدءاً من المستوى الذري إلى المستوى العضوي، حيث تكون البداية في الدماغ ثم يتم الانتقال إلى دراسة الجسد بصورته الكلية.

ولادة علم الأعصاب الدماغي

هذا العلم هو في الأصل مجرد فرع من علم الأعصاب العام، وقد ولد تحت تأثير المناقشات القائمة حول تقاطعات الأمراض النفسية والجسدية. واستطاع خلال 15 عاماً أن يشكل مفترق طرق بين البيولوجيا والطب وعلم النفس، والكيمياء، وعلوم الحاسوب والرياضيات. ويركز على فهم وظائف الجهاز العصبي في مختلف جوانبه الخلوية والنمائية والتشريحية والفيزيولوجية والإدراكية والوراثية والطبية.

وحديثاً، استطاع علماء الأعصاب أن يوفروا معلومات مهمة حول وظائف الدماغ، ما أدى إلى بعض العلاجات المبتكرة، وكانت النتائج مقنعة جداً على المرضى الذين أصيبوا بأمراض خطرة غير قابلة للشفاء. ومن ذلك على سبيل المثال إمكان الأعمى استعادة البصر جزئياً من خلال كاميرا توضع في شبكة العين ويمكنها نقل بيانات الصورة بوضوح قدره 60 بكسل.

أزمة النمو 

وعلى الرغم من أهمية الإنجازات التي حققها علم الأعصاب، فإن هذا العلم يمر بمرحلة حرجة تأخذ طابع أزمة مستمرة. ففي مجتمع عصري حرّ تأخذ فيه مسألة الضبط الذاتي العاطفي والغرائزي أهمية مركزية كبيرة في مجتمعاتنا، تتنامى مسألة الصحة العقلية والأمراض النفسية في مختلف المؤسسات المجتمعية والثقافية.

ومع ذلك، يجب أن نعترف أن ما حققه علم الدماغ خلال العقد الأخير من القرن الماضي أقل من الطموحات المنشودة. وقد أثار هذا الأمر موجة عنيفة من الانتقادات العلمية تتركز على الصلاحية العلمية للتشخيصات الدماغية. وضمن هذا المسار يبدو أن مفهوم التشخيص بدأ يتغير أيضاً مع معاينات الطب النفسي، ولاسيما فيما يتعلق بالمتلازمات المرضية الشائعة.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى مسألة مصداقية الأبحاث ودقتها في مجال العلوم العصبية، و من ذلك مسألة اختيار العينات وسلامتها. وتطالعنا في سياق آخر مسألة عدم الكفاية العلمية للباحثين، فمعظم الباحثين ينتسبون إلى علم الأحياء، ويحتاجون إلى معرفة حقيقية بالرياضيات. ومن المعروف أن دراسة الجهاز العصبي تحتاج إلى خبرة في علم الرياضيات لدراسة العلاقات القائمة بين مختلف الجوانب المتعلقة بتكوينات الدماغ، ومن ثمّ علاقة ذلك بالعضويات المختلفة للجسد. وتتعاظم ضرورة الرياضيات في مجال فهم البنية المعقدة للدماغ ومعالجة البيانات الإحصائية. وهذا النقص ينسحب على الضعف في مجال الفيزياء التي تتكامل مع الرياضيات في فهم وتحليل التكوينات المعقدة للدماغ في علاقته بسائر أعضاء الجسد. وهذا النقص لدى علماء الأعصاب من شأنه أن يضعف مستوى القدرة على التشخيص الحقيقي بفعالية للكشف عن العلاقات الدائرية بين الأسباب والنتائج في خضم التفاعل بين عصبونات الدماغ من جهة، وبين مختلف الأوضاع السيكولوجية والجسدية من ناحية أخرى.

لقد أثار ولع العامة بمسألة الدماغ في مختلف أنحاء العالم نوعاً من الانتشار الواسع لعدد من الأفكار والتصورات العامة المتعلقة بتطوير الشخصية الإنسانية وتنميتها، وأدى هذا الانتشار إلى نوع من التعميم غير الحذر لنتائج البحوث الحقيقية الجارية في هذا المضمار. وضمن هذا الانتشار حقق بعض الباحثين شهرة واسعة وأصبحت دراساتهم أكثر شعبية وتبسيطية، ومثل هذا التبسيط يؤدي غالباً إلى زعزعة استقرار الأبحاث العلمية والتأثير في نتائجها.

ولم يسلم علم الأعصاب الدماغي من الانتقادات التي تحمل طابعا فلسفيا. ففي فرنسا، على سبيل المثال، رفعت دعاوى قضائية ضد علماء الأعصاب الذين يسطون على معطيات حقول علمية أخرى بعيدة عن مجالات تخصصهم مثل: اللسانيات والأنثروبولوجيا وعلم النفس، وينسبونها إلى علم البيولوجيا والأعصاب. ويضاف إلى ذلك أنهم يختزلون ما هو جمعي إلى ما هو فردي، ثم يفسرون ذلك في ضوء الفعالية الدماغية للفرد حصرياً.

وكما هي الحال في مختلف العلوم الناشئة، لم يستطع علم الأعصاب الدماغية تجنب الوقوع في مضارب النزعة التجارية الساعية إلى تحقيق الأرباح المادية.

وضمن هذا التوجه اتخذت الحكومة الأمريكية قراراً بإعادة تنظيم الأبحاث في مجال الأمراض العقلية في الفئات الأخرى ضمن تصنيفات جديدة، وهو ما يمثل انتصاراً لعلم الأعصاب الدماغي. وأعطت مبادرة الدماغ التي أعلنتها الإدارة الأمريكية حديثاً (خريطة الدماغ) بتمويل قدره 100 مليون دولار أمريكي قوة دفع أكبر للبحث في مجال علم الأعصاب الدماغي

وفي مواجهة هذا التطور الجديد أعلن أنصار الطب النفسي التقليدي أن علم الأعصاب ليس أكثر من اتجاه بيولوجي، وأنه لا يرتقي إلى النموذج العالمي ولا يمكنه أن يوفر قاعدة مهمة للأبحاث في مجال الدماغ.

ومن المؤكد أن هذا الصراع حول المشروعية العلمية بين علم الأعصاب الدماغية وغيره سينتهي إلى نوع من المصالحات العلمية، وسيؤدي بالضرورة إلى تعزيز مسارات هذا المجال العلمي الناشئ وتأكيد نجاحاته وفتوحاته المرتقبة. فمعرفة الأمراض العقلية والكشف عن خباياها وأسبابها يحتاج عملياً إلى طفرة هائلة في مجال التقدم التكنولوجي، ومثل هذه النقلة النوعية في مجال التكنولوجيا يمكنها أن تدعم وتعزز مسارات هذا العلم الجديد وتشجعه على تطوير اكتشافاته المنتظرة. فالكشف عن الأمراض العقلية في نهاية الأمر عملية معقدة تتجاوز حدود علوم البيولوجيا والوراثة وعلم الدماغ مجتمعة، ومثل هذا الأمر يحتاج إلى تفاعل مجموعة من العلوم والمعارف والاختصاصات العلمية الأخرى؛ لأن هذه الأمراض تشكل مزيجاً معقداً من العلاقات الذكية الفائقة بين وظيفة الدماغ والعوامل البيئية والاجتماعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق