العلوم الطبيعيةفلك وعلم الكونيات

طقس الفضاء

استراتيجية حيوية للوطن العربي

د. سليمان محمد بركة

تعد جميع الدول العربية جزءا لا يتجزأ من المنظومة الدولية الاقتصادية والاجتماعية فيما يتعلق باستخدام التكنولوجيا في النقل والمواصلات والاتصالات والأقمار الاصطناعية والطيران المدني والعسكري والبحث العلمي. لذلك فإن (طقس الفضاء) كعلم ومجال بحثي أصبح حاجة ملحة أكثر مما مضى، فيما يتعلق بحماية ممتلكات الدول, الأرضية منها والمحمولة جوا. وعلى الرغم من أن الوطن العربي يقع جغرافيا في المنطقة الممتدة من أقصى غرب المغرب العربي وحتى الخليج العربي, ويشمل إحداثيات خطوط الطول والعرض التي تقع – بشكل مبدئي- خارج تأثير الفضاء المباشر من خلال الجسيمات ذات الطاقة العالية والأشعة الكونية المنبعثة من الشمس أو من خارج المجموعة الشمسية، فإن بعض الجسيمات ذات الطاقة العالية تستطيع أن تكسر هذه القاعدة، ولا تصل فقط إلى المجال الجوي القريب من الأرض، بل تصل إلى الأرض حيث شبكات الضغط العالي الكهربائية، والأهم من هذا كله هو خطوط أنابيب البترول والغاز والمياه المصنعة من المعادن! فماذا سيحصل إذا حدثت عاصفة مغناطيسية؟

العواصف المغناطيسية
للعواصف المغناطيسية أمثلة كثيرة، منها حادثة الهالووين التي وقعت في عام 2003 وتسببت في حدوث هزات هددت شبكة الطاقة في أمريكا الشمالية وعدد من المناطق الأخرى القريبة من القطب الشمالي، مما أدى إلى توقف عمل الأقمار الاصطناعية والملاحة والاتصالات.
إن ما سيحصل هو أن المجال المغناطيسي المتغير مع الزمن الناتج من العاصفة الشمسية يولد تيارا كهربائيا متغيرا مع الزمن، وإذا كان هذا التيار قويا سيُحدِثُ فرق جهد كبيرا بين الأنابيب وبين التربة يتخطى تكنولوجيا الحماية الكهربائية للأنابيب، مما يؤدي إلى حدوث تآكل فيها وانفجارها.
إن مثل هذه الحوادث تستوجب اهتمام الجامعات ومراكز الأبحاث في الوطن العربي ووزارات البحث العلمي والتعليم العالي لوضع استراتيجية للتطبيقات الفيزيائية في الفضاء، مثل فيزياء الشمس، والمجالات المغناطيسية بين الكواكب، والمجال المغناطيسي الكروي للأرض، وفيزياء المجال الجوي. ونعطي مثالاً على هذه الأهمية خمس بعثات فضائية عالمية هي: مشروع الفضاء الأوروبي، Cluster space mission ومشروع الفضاء الأمريكي المتموضع في نقطة تعادل الجاذبية بين الأرض والشمس – L1- Advanced Composition Explorer -ACE، ومشروع المرصد الشمسي
Solar Heliospheric Observatory-SOHO، ومشروع Solar Dynamic Observatory (SDO)، ومشروع The NASA Magnetospheric Multiscale (MMS) Mission.

علم ناشئ
إن علم طقس الفضاء الناشئ حديثا (تبنته أوروبا عام 2004 تقريبا) هو محاولة علمية لفهم العواصف الفضائية وتأثيراتها المباشرة على البنية التحتية التكنولوجية لكوكب الأرض. والهدف منه هو الاستطاعة والقدرة على التنبؤ بطقس الفضاء وتجنب الأخطار الناتجة منه. ويمكن تعريف طقس الفضاء بأنه الظرف المكاني على الشمس وفي الرياح الشمسية وفي المجال المغناطيسي الكروي والمجال الأيوني والمجال الحراري الكروي المحيط بالكوكب، الذي يؤثر تأثيرا مباشرا على أداء وفعالية الممتلكات المحمولة جوا (مثل الطائرات والصواريخ والأقمار الاصطناعية) والأنظمة التكنولوجيا الموجودة على الأرض (مثل شبكات الاتصالات والضغط العالي وأنابيب النفط). وطقس الفضاء مصطلح مرتبط بالنظام الشمسي، ينتج من الجسيمات والإشعاعات المقذوفة من الشمس. والمنتج الرئيسي لهذه المقذوفات هو الرياح الشمسية والكتل الهالية الشمسية المقذوفة من سطح الشمس. وأصبح طقس الفضاء حاجة استراتيجية ماسة لجميع المجتمعات، سواء التي تنتج التكنولوجيا أو تستهلكها. فأي دولة فقيرة تمتلك حاليا أسطولا من الطائرات المدنية وشبكات اتصال سلكي ولاسلكي وشبكات تلفزة وراديو، وكلها تعتمد على بث الأقمار الاصطناعية التي يمكن أن تتأثر بالنشاطات الشمسية المفاجئة.

مجال جوي عنيف
بعد مسح شامل للنظام الشمسي بعدد كبير من الأقمار الاصطناعية والمركبات الفضائية في السنوات الـ 50 الماضية، تبين أن الناس يعيشون في مجال جوي ديناميكي عنيف للشمس يوفر الطاقة لاستمرار الحياة، لكنه من جانب آخر قد يسبب الخراب الشامل والدمار للأقمار الاصطناعية وأجهزة الاتصالات.
إن المشاهدات المنظمة والمتتابعة والمراقبة الحثيثة للظواهر الطبيعية، مثل الشفق القطبي والمجال المغناطيسي لكوكب الأرض والبقع الشمسية على سطح الشمس، تعتبر مجتمعة من العناصر التي انطلق منها علم طقس الفضاء. ومنذ الستينيات ومركبات الفضاء والقياسات الموضعية ينتج منها كميات هائلة من البيانات التي من المثبت، في المجتمع العلمي لفيزياء الفضاء، أن ديناميكية بلازما الفضاء (الحالة الرابعة للمادة، باعتبار أن %99 من الكون بلازما) في بيئة الفضاء المحيط بكوكب الأرض تقودها جسيمات الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي بين الكواكب، حيث تقذف الكوكب من الجهة المواجهة لنجمنا الشمس. و وكالات الفضاء، مثل ناسا الأمريكية، وفكا الروسية، وجاكسا اليابانية، وسنسا الصينية، وكنوس الفرنسية، وإيسا الأوروبية، تعتبر الاهتمام بطقس الفضاء أولوية قصوى للعقود المقبلة. وتأثير الرياح الشمسية على الكوكب يشمل قدرتها على إدخال ونقل كتل جُسيمية وطاقة وزخم حركي من الفضاء إلى حيز فضاء الأرض وحتى المجال الجوي لها.
إننا – نحن العرب – لا نملك ولا نشغل مركبات فضائية، سواء لاكتشاف الفضاء أم لطقس الفضاء، لذا فإني أدعو جميع الزملاء في الجامعات ووزارات البحث العلمي والدراسات العليا في الوطن العربي إلى الاهتمام بهذا المجال من باب التوجه إلى البحث العلمي في فيزياء الفضاء ونمذجة طقس الفضاء بالتعاون مع الجامعات العالمية التي تعمل في هذا المجال، وتدريب طواقم شبابية لحماية مستقبل بلادهم العلمي والاقتصادي وحتى العسكري. فنحن لا نستطيع أن نبقى مستهلكين للمعرفة، بل يجب أن نشارك في صناعتها وتسخيرها لخدمة الأمة العربية.

مشروع مستقبلي
هناك مقترح مقدم من كاتب هذا المقال والزميلين الدكتور كيلي تشانص والدكتور رائد سليمان من مركز سميثسونيان للفيزياء الفلكية في  جامعة هارفارد ببوسطن في الولايات المتحدة. ويتلخص المقترح في مشروع يسمى (TEMPO:Tropospheric emission: Monitoring of Pollution)، وهو يعمل على قياس نسبة التلوث في الولايات الشمالية باستخدام أنظمة الطيف فوق البنفسجية والمرئية. كما باستطاعته قياس نسبة O3 ,NO2 , SO2 , H2CO ,C2H2O2 ,H2O والغبار الجوي والأشعة فوق البنفسجية.
ويهدف هذا المشروع إلى حماية طبقة الأوزون من غاز ثاني أكسيد النتروجين وثاني أكسيد البروميد. وهذا مشروع استراتيجي، نوصي به، لكنه يحتاج الى إرادة سياسية وقرار سيادي أبعد بكثير عن داوئر البحث العلمي والجامعات ومراكز الأبحاث الخاصة والعامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق