الكيميا الحيوية

تطور الكيمياء الحيوية ومآلات نظرية دارون

م. فداء ياسر الجندي

أدى التطور الهائل لعلم الكيمياء الحيوية منذ أواسط القرن الماضي وحتى اليوم إلى تغير جذري في معرفة العلم والطب بما يجري في جسم الإنسان، وبالذات في مقومات الحياة؛ وفتح ذلك المجال لمناقشة أمور عدة في مجالات علمية شتى، منها نظرية التطور لتشارلز دارون ومآلاتها حيال ذلك التطور.
فقد تبين للعلماء من خلال ذلك التطور في علم الكيمياء الحيوية أن حياة أي كائن حي قائمة على عدد يصعب حصره من الآلات والأجهزة التي تعمل بشكل متكامل ومتزامن، لو توقف أي منها عن العمل لكان لها تأثيرات ربما تكون مميتة للكائن الحي، وهذه الآلات ليست مصنوعة من معادن وأخشاب وغيرها من المواد التي نعرفها، لكنها مصنوعة من جزيئات كيميائية، تقوم بكل ما يخطر وما لا يخطر على بال الإنسان من أعمال، وتتحكم في كل ما يجري في الكائن الحي من مهمات، تحمل المواد وتنقلها ثم تفرغ حمولتها في المكان المناسب، وتنسخ الخلايا وتعطيها شكلها ولونها وتنقل صفات الكائن الحي لذريته وتدافع عنه ضد الأعداء، وتولد التيار الكهربائي وتنقله وترسله إلى الأمكنة المطلوبة وتقطعه عندما تنتهي مهمته. ولو عددنا لما فرغنا، ولكن باختصار، الجزيئات الكيميائية هي آلات تتحكم تماماً في كل ما يجري في خلايا الكائن الحي من أعمال.

لقد كان هذا التغير في المعرفة أحد المعاول الكبرى التي رأى عدد من العلماء أنها تساهم مع غيرها في هدم نظرية التطور التي وضع أسسها دارون، ولكن كيف؟
معروف أن نظرية دارون تقوم على أسس ثلاثة: الأول أن الكائنات لها أصل مشترك، والثاني أن الاختلاف والتنوع والتعقيد الذي نراه في الكائنات هو نتيجة طفرات عشوائية كانت تحدث للكائنات على مر الملايين من السنين، وأن تراكم هذه الطفرات كان يؤدي إلى تغيرات في الكائنات الحية، وهنا يأتي دور الأساس الثالث، وهو الاصطفاء الطبيعي، الذي ينتقي من الكائنات ما تؤدي طفراته المتراكمة إلى تحسن في نوعه، فيبقى ويتكاثر وينقل صفاته المحسنة الجديدة إلى ذريته، في حين ينقرض الكائن الأضعف أو ذو الصفات الأدنى.
وقد كان اكتشاف العمليات البيولوجية المتسلسلة والمعقدة، التي لا تكاد تحصى، والموجودة في الخلايا الحية، أحد أهم عوامل انهيار مبدأ تراكم الطفرات، وبالتالي انهيار النظرية من أساسها، وسنستعرض بعد قليل إحدى هذه العمليات بالتفصيل، ولكن بعد أن نذكر مثالاً نشرح فيه المقصود بالعمليات المتسلسلة.
العمليات المتسلسلة المعقدة

خطوط الإنتاج:
إن تصنيع أي آلة معقدة مثل السيارة على سبيل المثال يحتاج إلى مصانع متقدمة، تحتوي على خطوط إنتاج، تعمل بدقة شديدة، وبخطوات متعاقبة، تدخل المواد من أوله معادن ولدائن وقماشاً وجلداً وأسلاكاً، وتخرج من آخره سيارة متكاملة جاهزة للعمل، وأهم ما يلاحظه من يتأمل خط الإنتاج هو أنه يتألف من مراحل أو محطات متعددة متوالية، وأن كل محطة يتم فيها عمل يعتمد على ما تم في المحطة السابقة، ويعتمد عليه العمل الذي يتم في المحطة اللاحقة، وبتعبير آخر كل مرحلة هي نتيجة لما قبلها وتوطئة لما بعدها، وأن المواد التي تصنع منها السيارة موزعة على المحطات، كل مادة في المحطة المناسبة، وكل مادة ذات مواصفات دقيقة محددة معروفة مسبقاً. فمثلاً في المراحل الأولى للتصنيع نرى على خط الإنتاج هيكل السيارة المعدني مجرداً، وفي مرحلة لاحقة يتم معالجته فنرى عليه ثقوباً وفتحات وتفاصيل مجهزة للمراحل اللاحقة، هناك فتحات للأضواء، وثقوب لكل سلك أو أنبوب سيعبر من المحرك إلى مقصورة الركاب، وأمكنة مخصصة محفورة بدقة شديدة لكل صمام أو زر أو غير ذلك، وكلما مشت السيارة على خط الإنتاج أخذت أجزاؤها بالتكامل، حتى يتم التصنيع. وبدهي أن هذا لا يتم إلا إذا كان هناك تصميم لكل أجزاء السيارة، من أكبر قطعة في هيكلها إلى أصغر دارة كهربائية في محركها، وأن هذا التصميم قد تم تجهيزه مسبقا وبدقة شديدة وبشكل كامل (ضعوا خطاً أحمر تحت عبارة «بشكل كامل»)، قبل إنشاء خط الإنتاج. ومن البدهي أن مدير فريق التصميم يعلم تماما الكيفية التي ستخرج بها السيارة في نهاية خط الإنتاج قبل أن يبدأ الإنتاج، ولو حصل خلل أو خطأ في خط الإنتاج، لما اكتمل التصنيع، فخط الإنتاج يكون عادة مبرمجاً بحيث لا يتحرك إلى أي مرحلة قبل أن تنتهي المرحلة السابقة لها، ولو فرضنا جدلاً أنه تحرك وتجاوز إحدى المراحل، فستخرج السيارة غير مكتملة أو فيها خلل يمنع من استخدامها.
إن خطوط الإنتاج الصناعية هي مثال تقريبي لنوع من العمليات المتسلسلة المعقدة، التي ينعتها العلماء بمصطلح (تعقيد غير قابل للاختزال)، أي لا يعمل إلا إذا كان مكتملا من أوله إلى آخره ولا يمكن أن نحذف منه أي مرحلة من مراحله، لأن حذف مرحلة واحدة يعطله تماما ويعادل حذفه كله.

خطوط الإنتاج الحيوية:
إن جسم الكائن الحي يحتوي على ما لا يكاد يحصى من خطوط الإنتاج التي تعمل على مدار الساعة، أبطالها هي الجزيئات الكيميائية، ومنتجاتها أكثر تعقيدا وإتقانا من أكثر السيارات تقدما، وتزيد عليها أن منتجات الكائنات الحية هي جزء من منظومة لا محدودة من الآلات التي تعمل معا بتفاعل وتناغم مدهشين لتحافظ على حياة الكائن الحي، في حين أن السيارة آلة مفردة مستقلة.
ولنضرب لذلك مثالاً بعملية تخثر الدم، كلنا يعرف أن الدم الذي ينزف من أي جرح يصيب الإنسان، ما يلبث أن يتخثر فيسد الجرح، لكن الذي لا يعلمه الكثيرون أن هذا التخثر يتم عبر سلسلة معقدة من العمليات، أي عبر خط إنتاج محكم دقيق مشابه لخط الإنتاج الصناعي من حيث المبدأ، إذ يمر بمراحل متوالية متسلسلة تؤدي كل منها إلى ما بعدها حتى يتم الإنتاج على أكمل وجه، وبشكل دقيق محكم. وإذا حصل أي خلل في تسلسل هذه العمليات فإن ذلك سيؤدي إلى هلاك الكائن الحي، إما بسبب النزيف حتى الموت، أو بسبب تشكل تخثرات كبيرة تسد مجرى الدم، فهو كما سنرى ينطبق عليه تعريف (تعقيد غير قابل للاختزال). ولتبسيط شرح هذه العمليات المعقدة يمكن تقسيمها إلى مراحل:

الخثرة الأولية
استجابة الصفائح الدموية للخطر:
الصفائح الدموية هي جسيمات بروتينية موجودة في السائل الذي يحتوي مكونات الدم، (ويسمى «بلازما الدم»)، جنبا إلى جنب مع بقية مكوناته الأخرى مثل الكريات الحمراء والبيضاء، وهي تجري في العروق بانسيابية وسلاسة، ولكن عندما يحدث جرح في جسم الإنسان، تأتي رسالة استغاثة من جدار الشريان أو الوريد المجروح إلى تلك الصفائح، فتقوم فورا بإعلان حالة الطوارئ، وهذه الرسالة يحملها بروتين اسمه (كولاجين) Collagen وهو موجود خارج الأوعية الدموية، وبمجرد أن يحصل الجرح، يتم الاتصال بينه وبين الصفائح المجاورة للجرح، فيقوم بتحفيزها، ويحولها إلى صفائح ذات سطوح لزجة، ثم تندفع نحو المكان المجروح، وتلتصق ببعضها عبر هذه السطوح اللاصقة لتشكل ما يمكن اعتباره سدادة مؤقتة، أو سدادة طوارئ، تتوضع على الجرح وتسده لتحد من النزيف.

تكوين شبكة تقوية للخثرة الأولية :
إن السدادة التي تكونها الصفائح الدموية تكون هشة طرية، تقوم بعمل مؤقت وتحتاج لتقوية حتى يكون وقف النزيف محكما، وهذه التقوية تتكون بطريقة عجيبة مذهلة، وبالتوازي مع المرحلة الأولى، ويقوم بتنفيذها بروتينات وإنزيمات تسمى عوامل التخثر، وظيفتها هي التحكم في تخثر الدم وسيولته، وكلها موجودة أيضاً في بلازما الدم، وتعمل معاً بطريقة تسلسلية مدهشة، لتصل في نهاية المطاف إلى الحصول على مادة تسمى (فايبرين) Fibrin (كلمة Fibrin مشتقة في الإنكليزية من كلمة Fiber أي ليف، وقد عربت المجامع العربية كلمة Fibrin إلى «ليفين») وهذه المادة هي عبارة عن ألياف دقيقة ذات أطراف لزجة أو لاصقة، تتدافع وتتكاثف ناحية الجرح، ثم يلتصق بعضها ببعض بشكل هندسي متناسق متداخل، لتشكل شبكة أشبه ما تكون بشبكة الصياد، تحيط بالسدادة الأولية التي شكلتها الصفائح الدموية حول الجرح، فتضغط عليها وعلى ما يحيط بها من كريات الدم، لتشكل مع السدادة الأولى والكريات المحبوسة خثرة دموية قوية تسد الجرح وتوقف النزيف.

ولكن كيف يحدث ذلك؟
إن مفتاح هذه العملية كلها هي مادة موجودة في بلاسما الدم اسمها (فايبرينوجين) Fibrinogin، وتشكل هذه المادة ما يراوح بين 2 و%3 من البلازما، وتكون في الحالة العادية ذائبة في الدم كما يذوب الملح في ماء البحر. ولكن عندما يحدث جرح في الوعاء الدموي، يتم إعلان حالة الطوارئ، فتندفع مادة تسمى (ثرومبين) إلى جزيئات الفايبرينوجين الموجودة في موقع الجرح، وتنزع عنها بعض البروتينات، لتتحول من فايبريجين إلى فايبرين، وتندفع جزيئات الفايبرين إلى الجرح لتشكل الشبكة التي ذكرناها آنفا، ولكن….
من أين جاء مركب الــ (ثرومبين)؟ هل كان موجوداً في الدم أصلاً؟ إذ لو كان في الأصل فعالاً لقام بتحويل الـفايبريجين إلى ليفين ولتشكلت خثرات دموية داخل العروق، دون أن يكون هناك جرح، فتسدها وتمنع جريان الدم فيموت الكائن الحي، والجواب : نعم موجود لكن بصيغة كامنة غير فاعلة تسمى (بروثرومبين)، (وهي مزيج من مقطعين: «برو»، أي ما قبل، و«ثرومبين»، أي مادة ما قبل الثرومبين).
وحتى يتحول مركب البروثرومبين إلى ثرومبين يحتاج إلى ما يحفزه، والمركب الذي يحفزه يحتاج أيضاً إلى ما يحفزه… وهكذا، والسؤال هنا هو: أين تبدأ هذه السلسلة من التفاعلات المتتالية والتي تنتهي بتشكل الفايبرين؟

خطوط الإنتاج العجيبة
الجواب هو أن انطلاق هذه السلسلة يبدأ بتمزق نسيج الوعاء الدموي، وختامها يتم بالتئام الجرح، وتكون المركبات والبروتينات والإنزيمات المشاركة فيها كامنة في الدم تنتظر الإشارة ليبدأ مسلسل تحفيزها، وهذه الإشارة تنطلق من جدار الوعاء الدموي، الذي تحتوي طبقته الداخلية على مادة تسمى العامل النسيجي، Tissue Factor وهو مركب يوجد في طبقة رقيقة جدا تبطن الجدار الداخلي للوعاء الدموي، فإذا ما تمزق جدار الوعاء، ينطلق العامل النسيجي، معلناً حالة الطوارئ، ومؤذناً ببداية عملية التخثر، فهو الذي يُحفز بداية العملية التي تنتهي بتشكل الثرومبين، الذي يحفر الفايبربنوجين ليتشكل الفايبرين كما ذكرنا آنفاً.
وما بين إطلاق العامل النسيجي، وصولاً إلى تشكيل الفايبرين، هناك سلسلة معقدة متسلسلة من العمليات، يجد القارئ الكريم مخططا مبسطاً لها في الشكل المرفق، (وهو مختصر جداً للتبسيط)، ولا يهمنا هنا أسماء المركبات، فهي كأسماء فريق كرة القدم، لا يهم من يمرر الكرة من أول الهجمة إلى آخرها، لكن المهم أن يتحقق الهدف وتسكن الكرة في الشباك.
وهذه العملية المعقدة، تتم عبر خطين من خطوط الإنتاج:
خط الإنتاج الأول: ويسمى المسار الخارجي، لأنه يبدأ خارج الوعاء الدموي، حيث يقوم العامل النسيجي المذكور آنفا بتحفيز عامل (برثرومبين) ليتحول إلى (ثرومبين)، بكمية قليلة، ولكنها مؤثرة جداً، فهي تقوم بشكل عاجل بتحويل بعض جزيئات الفايبرينوجين الموجودة في بلازما الدم، إلى فايبرين، ليقوم بتشكيل شبكة أولية تحيط بالسدادة التي سبق أن شكلتها الصفائح الدموية لتقويتها، ولكن هذه الشبكة أيضاً غير كافية، ولابد من تقويتها، لأن تشكيل شبكة متينة تعمل كخثرة دموية تحاج لملايين الجزيئات من الفايبرين، وهنا يأتي دور آخر يقوم به عامل ثرومبين، عبر خط إنتاج آخر.
خط الإنتاج الثاني: بالإضافة لما يقوم به عامل ثرومبين عبر الخط الأول، يقوم أيضاً بتحفيز المزيد من عوامل وإنزيمات التخثر الكامنة في الدم، والتي تقوم بدورها بتحفيز المزيد من مركب (البروثرومبين) ليتحول إلى مزيد من مركب ثرومبين، (أي إننا هنا في دائرة مغلقة، ثرومبين.. يفعل عوامل تخثر… فتفعل بروثرومبين… ومن ثم ثرومبين، وكأن ثرومبين يستعين بأصدقائه من عوامل التخثر لإنتاج المزيد منه!)، وهذا بدوره يقوم بتحويل المزيد من الفايبرينوجين إلى فايبرين، فتتقوى الشبكة ويصبح لدينا خثرة دموية متينة قوية تمنع تسرب الدم خارج الوعاء الدموي، وهذا المسار يسمى المسار الداخلي، لأنه يتم كله داخل الوعاء الدموي، ويلاحظ أن المسارين الداخلي والخارجي يلتقيان معا في مسار مشترك كما هو واضح من المخطط المرفق.

هكذا بدأت.. فكيف تتوقف؟
هذا عن بداية عملية التخثر وتسلسلها المدهش، فماذا عن نهايتها؟ كيف تتوقف؟
يأتي هنا دور ثالث يقوم به مركب (ثرومبين)، فهو يقوم أيضاً بتحفيز مادة اسمها (بلاسمينوجين)، موجودة في بلاسما الدم، لتتحول إلى (بلاسمين)، وهذه الأخيرة هي مادة مثبطة للتخثر، تعمل على إيقاف تشكل المزيد من الفايبرين بعد أن تكتمل الشبكة وتقوى، لأن عدم توقف عملية التخثر وتشكل كميات زائدة عن الحاجة من الفايبرين تشكل خطرا على حياة الكائن الحي، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى انسداد الوعاء الدموي، فتقوم مادة البلاسمين، بتحفيز سلسلة من العمليات، ينتج عنها إنزيمات وعوامل مضادة للتخثر، تقوم بتثبيط العملية ومن ثم إيقافها تماما، ثم بعد ذلك يتم العمل ببطء على إذابة الشبكة أو الخثرة، عن طريق سلسلة أخرى من المحفزات. والمدهش أن سرعة إذابة الخثرة وامتصاصها ضمن مجرى الدم تعادل سرعة التئام الجرح، فلا يشعر الجريح إلا وقد التأم الجرح وفي الوقت نفسه اختفت الخثرة التي كانت تسده.
نحن نعيش عصر العلم، عصر التجربة والبرهان والدليل، ويجب إثبات أي نظرية بالدليل والبرهان والتجربة العلمية الموثقة، وهنا في مقالتنا : كيف تطور نظام تخثر الدم، كما يجب إثبات أن أسلافنا لم يكن لديهم هذا النظام، أو كان لديهم نظام بدائي ثم تطور حتى وصل إلى ما وصل إليه، وربما سيتبنى العلماء نظرية التطور إن تمكنت من إثبات ذلك بالدليل العلمي القاطع، وهو ما يبدو صعب المنال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق