الطب وصحة

التقتير في النوم مشكلاته وأخطاره

د. رضا عبدالحكيم رضوان

لطالما شكل النوم ودوره ووظائفه حالة من الشغف لدى العلماء قديما وحديثا، لمعرفة أسرار هذه الظاهرة وأهميتها، وإدراك خفاياها وضرورتها، وما يحدث خلالها من تطورات وتبدلات، لاسيما في حال النوم الطويل أو الأرق أو التقتير.

وقد أثبتت أبحاث ودراسات ذات صلة بالوظائف المتعددة للنوم أن التقتير في النوم يمثل استراتيجية سيئة للتعامل مع الحياة اليومية؛ إذ تتأثر وظائف الجسم الهرمونية والمناعية والتذكرية. وقد تحقق العلماء من أن المرء إذا لم ينم نوماً ليلياً كافياً فإنه سيصاب بالمرض ويعاني التعب والنسيان والاكتئاب وزيادة في الوزن.

النوم هو حالة طبيعية من الاسترخاء في الكائنات الحيّة، وتقل خلاله الحركات الإرادية والشعور بما يحدث في محيط النائم، ولا يمكن اعتبار النوم فقداناً للوعي، بل يمثل تغيراً لحالة الوعي. ولا تزال الأبحاث جارية للتعرف إلى الوظيفة الرئيسية للنوم، إلا أن هناك اعتقاداً شائعاً أن النوم ظاهرة طبيعية لإعادة تنظيم نشاط الدماغ والفعاليات الحيوية الأخرى في الكائنات الحية. هذا ويتفاوت عدد ساعات النوم التي يحتاج إليها الإنسان الطبيعي تفاوتاً كبيراً من شخص إلى آخر.

منذ خمسة عقود قوض علماء النوم من جامعة شيكاغو بشكل جازم الاعتقاد الذي كان سائدا بأن النوم ما هو إلا توقف لمعظم النشاط الدماغي؛ فقد اكتشف الباحثون أن النوم يتميز بفترات من الحركة العينية السريعة تُعرف باسم النوم الرِّيْمي REM، التي ينطوي وجودها على أن شيئاً ما فاعلاً يحدث أثناء النوم. وفي الآونة الأخيرة، حقق هذا المجال أعظم تقدم له في توصيف طبيعة النوم على مستوى الخلايا العصبية في الدماغ.

ويتمثل أحد المداخل لدراسة وظيفة النوم في تفحص التغيرات الفيزيولوجية والسلوكية الناجمة عن الافتقار إلى النوم في حد ذاته. فمنذ أكثر من عقد من الزمن تبين أن الحرمان الكامل من النوم عند الفئران يفضي بها إلى الموت. وتبدي هذه الحيوانات نقصاناً في الوزن على الرغم من استهلاكها المُسرف للطعام، مما يوحي بفقد مفرط للحرارة.

ولأسباب ما زال العلماء بحاجة إلى تبيانها، تموت هذه الحيوانات أسرع (بما مقداره من 10 إلى20 يوماً) فيما لو حُرِمت تماماً من الطعام مع بقاء نومها اعتيادياً.

مرض دماغي

وفي جانب آخر يؤدي مرض دماغي تنكسي نادر جداً لدى البشر يدعى الأرق العائلي المميت إلى الموت بعد بضعة أشهر من الإصابة به. ولا يتضح ما إذا كان فقدان النوم في حد ذاته مميتاً، أم أن اللائمة تقع في هذا الشأن على نواح أخرى من التلف الدماغي.

وقد توصلت دراسات الحرمان من النوم لدى البشر إلى أن النعاس يزداد حتى في حالة الاختزالات الصغيرة من أوقات النوم ليلاً. ويساوي النعاس أثناء قيادة السيارة (أو أثناء النشاطات الأخرى التي تتطلب يقظة مستمرة) في خطورته خطورة تناول الكحول قبل تلك المهمات. ولكن الأدلة الحالية تشير إلى أن “مساعدة” الناس على زيادة زمن النوم عن طريق تناول حبوب منوِّمة لفترة طويلة لا تقدم فائدة صحية واضحة، وربما تقلل في الواقع من طول الحياة. ونشير هنا إلى أن النوم سبع ساعات في الليلة يتلازم مع طول حياة أكبر لدى البشر.

هذا وإن الدافع للنوم أمر يتعذر رده إلى درجة أن تحقيق الحرمان الكامل من النوم يتطلب تنبيهاً شديداً ومتكرراً. لذا فإنَّ الباحثين الذين يستخدمون الحرمان من النوم في دراستهم لوظيفة النوم، سرعان ما يجابهون صعوبة التمييز بين التأثيرات الناجمة عن الإجهاد والتأثيرات الناجمة عن نقص النوم.

النوم حاجة ضرورية

مثل الجوع والعطش، فإن المرء يحتاج إلى النوم، فنحن نقضي ثلث أعمارنا نياماً. وثمة أبحاث علمية حديثة أظهرت أن النوم لا يعالج النعاس فحسب، بل إنه ضروري لتحقيق الأداء المثالي للعديد من الوظائف الحيوية.

ويقول العلماء إن النوم ضروري لتفعيل الجملة المناعية وعملها ولتحقيق التوازن الهرموني الصحيح وللصحة العاطفية والنفسية وللتعلم وعمل الذاكرة. والنوم يقوي أداء الجسم للوظائف السابقة. ومعروف أن أي شخص يعيش من دون نوم لعدة أشهر سيكون مصيره الموت.

يأتي البرهان الأوضح على حاجتنا المطلقة الى النوم من خلال تجارب أجراها علماء أمريكيون في عام 1989، إذ وجدوا أن الجرذان التي حرمت من النوم بصورة كامل لمدة شهر واحد ماتت جميعاً.

كما يأتي ذلك رهاناً إضافياً فيما تابعه الاختصاصيون عن حالة مرضية تعرف بـ«الأرق العائلي المميت»، وهي حالة لوحظت للمرة الأولى قبل نحو ثلاثين عاماً. وتتمثل هذه الحالة في اعتلال صحي قابل للوراثة يؤدي إلى أرق متواصل ومنه إلى الموت. وهو ما تأكد منه علماء في إيطاليا عام 1986 بجامعة بولونيا من أنَّ رجلاً عمره 53 عاماً توفي بعد عدة أشهر من إصابته بالأرق غير القابل للمعالجة، كما أن الأمر حصل عند العديد من أقربائه على مدى جيلين.

وأكد العلماء أنّ عدم النوم لليلة واحدة فقط أو قلة النوم في تلك الليلة يمكن أن يتدخل في الوظائف الجسمية المختلفة؛ مثل النشاط الهرموني والحماية من الأمراض الخمجية.

وتذكر الدراسات الخاصة بالفيزيولوجيا البشرية أن النوم القليل يمكن أن يؤدي إلى زيادة في الوزن، وأن الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين السادسة والتاسعة والذين ينامون أقل من عشر ساعات ليلاً هم أكثر عرضة لأن يصبحوا بدناء بما يراوح بين مرة ونصف ومرتين ونصف مقارنة بالأطفال الآخرين الذين ينامون أكثر من ذلك. أمَّا البالغون الذين ينامون أقل من ست ساعات؛ فإنَّ ثمة زيادة في البدانة لديهم تبلغ %50, كما تبين الأبحاث أنَّ ثمة ترابطاً بين قلة النوم والإصابة بداء السكري من النوع الثاني.

وفي عام 2006 بحث علماء من جامعة كاليفورنيا ببركلي في تأثير الحرمان من النوم لليلة واحدة فقط في الذكريات العاطفية التي يختزنها المرء. وأثبتت التجارب أنه عندما يحرم المرء من النوم فإنه يتذكر الأمور السلبية في حياته أكثر بمرتين من تذكره للأمور الإيجابية. ويؤدي ذلك الى أن تصبح ذاكرته منحازة وغير حيادية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي بدوره إلى ذاكرة مكتئبة في اليوم الذي يلي الحرمان من النوم.

وبالفعل، فإنَّ دراسات عدة أظهرت أن النوم السيىء في ظروف معينة يمكن أنْ يؤدي إلى اكتئاب شديد، كما يمكن أن يسهم في مشكلات نفسية.

ظاهرة «انقطاع النفس»

والدليل على الارتباط الظرفي بين النوم السيىء والاكتئاب ازداد بشكل واضح في السنوات الأخيرة. وتم استنتاج ذلك من ظاهرة تعرف بـ«انقطاع النفس» التي تحدث أثناء النوم والتي سببها انقطاع تدفق الهواء إلى الرئتين، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى الشخير واللهاث وعدد من المشكلات النفسية. وفي كل مرة يصاب فيها المرء بهذه العلة، فإنه يستيقظ فجأة من نومه ليعاود التنفس من جديد. ونتيجة لذلك فإن المصاب بداء انقطاع تنفس شديد يمكن أن يستيقظ كل دقيقة أو كل دقيقتين خلال الليل كله.

إن الشخير هو انسداد جزئي لمجرى الهواء في البلعوم الأنفي والبلعوم الفمي والجزء الخلفي من اللسان، مع مرور الهواء أثناء التنفس في هذا الجزء يحدث تذبذب في الأنسجة الرخوة لسقف الحلق واللهاة فيحدث صوت الشخير. وأحياناً قد يحدث انقطاع تام للتنفس.

انقطاع النفس 

أما انقطاع النفس فهو ينجم عن انسداد كلي في مجرى التنفس لمدة لا تقل عن عشر ثوان، وقد يكون ذلك الانسداد جزئياً ويسبب الشخير أثناء النوم، لكنَّه قد يكون خطراً في بعض الحالات. وعندما يحدث هذا الاضطراب يصحو الإنسان من النوم أو يصبح نومه قليل العمق إلى حد كبير، ويستمر كل توقف مؤقت في التنفس عشر ثوان أو عشرين ثانية وربما أكثر في بعض الحالات.

وفي عام 2012 وجدت المراكز الأمريكية للتحكم في المرض أن الرجال والنساء المصابين بمرض انقطاع التنفس المذكور أكثر عرضة للاكتئاب بمرتين أو أربع مرات عند الرجال و5.2 مرة عند النساء مقارنة بمن ينامون بصورة طبيعية بين الجنسين. وثمة أساليب للعلاج متبعة لمرض انقطاع التنفس تتمثل في أجهزة CPAP التي تعيد التنفس والنوم الى طبيعتهما، وتؤدي إلى تخفيض عوارض الاكتئاب بصورة واضحة. وأثبتت الأبحاث الحديثة المتعلقة بالنوم والذاكرة أن وظيفة التمييز البصري تتحسن بعد ليلة من النوم الطبيعي، وأن دور النوم يتجاوز تثبيت الذكريات والمحافظة عليها من التلاشي وإلى تحسينها أيضاً، فالنوم يحسن أداء الدماغ لحل المشكلة المطروحة.

وكلما ازدادت معرفة الباحثين بما يحصل أثناء النوم ازداد اكتشافهم لفوائد جديدة تنتج من نوم ليلي جيد، وأحدث إضافة ممكنة إلى هذه الفوائد هي تنظيف الدماغ من النفايات. ففي عام 2013 وجد علماء المركز الطبي بجامعة (روشستر) أن المسافة بين خلايا الدماغ تزداد خلال النوم، الأمر الذي يؤدي إلى جريان أفضل للسائل المخي الشوكي بين الدماغ والعمود الفقري.

وهذا الجريان يساعد على

خروج الجزيء السام من الدماغ ويبعده عن المناطق التي يمكن أن يسبب وجوده فيها ضررا كبيرا. ولذلك فإن البحوث تدرس حالياً ما إذا كان ازدياد الجريان الحاصل خلال النوم معطوباً عند المصابين بمرض ألزهايمر، وذلك في محاولة لإيجاد علاج مناسب لهؤلاء المرضى. ونحن نعلم أن ألزهايمر داء يصيب المخ ويتطور ليفقد الإنسان ذاكرته وقدرته على التركيز والتعلم، وقد يتطور ليحدث تغييرات في شخصية المريض فيصبح أكثر عصبية أو قد يصاب بالهلوسة أو بحالة من حالات الجنون المؤقت.

ولا يوجد حتى الآن علاج لهذا المرض، إلا أن الأبحاث في هذا المجال تتقدم من عام إلى آخر. كما أثبتت الأبحاث أنَّ العناية بالمريض والوقوف بجانبه يؤديان إلى أفضل النتائج مع الأدوية المتاحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق