التاريخفنون وعلوم إنسانية

الترجمة في العصر العباسي

د. عامر النجار

كانت الترجمة إحدى البدايات الحقيقية لمعرفة المسلمين بعلوم الأوائل، ويقال إن حركة الترجمة والنقل من اليونانية والسريانية إلى العربية ظهرت بدايتها في عصر الدولة الأموية على يد خالد بن يزيد بن معاوية (ت 85هـ) الذي كان مهتماً بالكيمياء فاستخدم من يترجم له كتب ذلك العلم.
وكانت تلك البداية بطيئة، ولم تقو حركة الترجمة وتزدهر وتنطلق بقوة إلا في عهد الدولة العباسية، ذلك أن علوم الأوائل كانت مهجورة في عصر الأمويين، ولما ظهر آل عباس كان أول من اهتم منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور، وكان مطلعاً على علم الفلسفة، محباً لأهلها، ولما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع (عبد الله المأمون) تمم ما بدأه جده، فأقبل على طلب العلم من مواضعه، فكاتب ملوك الروم وسألهم ما لديهم من كتب فلسفية، فبعثوا إليه منها بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو وأبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس، وغيرهم، وأحضر لهم مهرة المترجمين فترجموها له.

والحقيقة أن العرب شعروا بعد الفتح الإسلامي الكبير شرقاً وغرباً بحاجتهم الماسة إلى اقتباس العلوم والآداب، والتعرف إلى فكر وحضارات الأمم السابقة، ليستفيدوا من علومهم الطبيعية والفلكية والطبية والكيميائية والرياضيات وكل ما يمكن أن يستفاد منه في حياتهم اليومية، ولاسيما في معرفة مواقيت الصلاة وبداية الأشهر القمرية للصوم والحج، فاهتموا بنقل كتب الفلك والرياضيات، وكذلك اهتموا بنقل كتب الطب لعلاج أبدانهم، فكان طابع الترجمة والنقل يتجه اتجاهاً قوياً نحو ترجمة الكتب العلمية والطبية.

فضل كبير
وكان للعلماء والمترجمين العرب فضل كبير في حفظ التراث اليوناني من الضياع والنسيان والإهمال، لأن معظم النصوص اليونانية فقدت ولم يبق منها غير الترجمة العربية، ومن هذه الترجمة أخذت ترجمة عبرية، وعنها ترجمة لاتينية، ويعد هذا فضلاً عظيماً للعرب على التراث اليوناني بعد أن صانوه من الضياع.
وكان لتشجيع خلفاء الدولة العباسية لحركة الترجمة دور بارز في إنماء عملية الترجمة وتقدمها ونجاحها. وكان الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور أول من اهتم بالترجمة والعلوم من خلفاء بني العباس وطلب من بيزنطة ما عندها من مخطوطات وكتب يونانية.
كذلك كان المأمون يطلب من أمراء البلاد المفتوحة الكتب بدلاً من الغرامة المفروضة عليهم، فلما انتصر المأمون على الروم عام 215هـ، وكان يعلم أن اليونان حينما انتشرت النصرانية في بلادهم جمعوا كتب الفلسفة من المكتبات وألقوا بها في السراديب، طلب من ملك الروم أن يعطيه هذه الكتب بدلاً من الغرامة.

بيت الحكمة
وازدهر في عهد المأمون (بيت الحكمة) الذي أصبح لاحقاً أهم وأعظم معهد ثقافي نشأ بعد المتحف الإسكندري الذي أسس في القرن الثالث قبل الميلاد. وشجع الخلفاء المترجمين على نقل مختلف أنواع العلوم والمعارف التي كانت لدى الأمم التي سبقتهم، فاستفاد العرب منها أيما فائدة حتى نبغوا بل تفوقوا على غيرهم بعد أن أضافوا إلى تلك العلوم مبتكرات جديدة.
وكان (بيت الحكمة) حجر أساس لمدرسة بغداد التي ظل تأثيرها حتى النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ويرجع الفضل إلى هذه المدرسة الزاهرة في الحفاظ على استمرار الحضارة، وإصلاح سلسلة المعارف الإنسانية التي حطمها بقسوة في القرن السادس الميلادي اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها.
ويقال إن الرشيد والد المأمون أنشأ (دار الحكمة) وبعث عماله إلى الإمبراطورية الرومانية، وعين عالماً مسيحيا مسؤولاً عن الترجمة وهو ماسويه والد يوحنا بن ماسويه. وكان يوحنا يجيد اليونانية وهو أستاذ حنين بن إسحاق أشهر المترجمين في العصر العباسي، وعين المأمون يوحنا بن ماسويه أميناً على الترجمة في بيت الحكمة، وكان المأمون معجباً بحنين بن إسحاق ومقدراً لعلمه وفضله فاختاره لتقليده رئاسة بيت الحكمة. وكان يعمل في (دار الحكمة) أيضاً بن نوبخت الذي كان يترجم من الفارسية إلى العربية.

الترجمة والعصر الذهبي
أدت الترجمة دوراً بارزاً في نمو وازدهار الفكر والعلم في العصر الذهبي، وعادة ما يقصد بالعصر الذهبي للحضارة والثقافة الإسلامية العصر العباسي الأول الذي استمر من منتصف القرن الثامن الميلادي وحتى القرن الثالث عشر الميلادي. وكان للترجمة دورها في التعرف إلى علوم شعوب وحضارات أخرى واقتباس كل ما يناسب الفكر العربي.
ومن أهم العلوم التي كان للترجمة دور كبير في تقدمها؛ الطب وعلومه. فقد بدأ عصر نضج الطب وعلومه بحركة الترجمة الواسعة التي قادها خلفاء وأمراء مستنيرون أنشأوا في مدن عديدة مراكز للعلم والمعرفة والترجمة.
ومن المعروف أن العرب عندما فتحوا بلاد الفرس والشام وجدوا بها خزائن العلم اليوناني والروماني والفارسي منتشرة فأمر الخلفاء بنقل بعضها إلى اللغة العربية، وبدأت حركة الترجمة الواسعة للعلم اليوناني من اليونانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية.
ويلاحظ أن معظم أطباء العصر الأموي والعباسي كانوا من النصارى الذين يجيدون السريانية، وثمة عدد منهم كانوا ممن درسوا في مدرسة جنديسابور أو في (الرها) و(نصيبين). وكانت شهرة مدينة جنديسابور في ميدان الطب عظيمة، وكان لمدرستها لتعليم الطب شهرة مدوية تحت إشراف النساطرة، ولهذا فإنه لما أصيب المنصور العباسي (159 هـ – 775م) بمرض ولم يفلح في علاجه أطباء بغداد؛ استقدم (عام 148 هـ – 775م) جورجيس بن بختيشوع (ت 771م) رئيس أطباء جنديسابور، الذي نجح في علاج المنصور، وأصبح طبيبه الخاص، وأصبح أحفاده أطباء الخلفاء العباسيين لنحو ثلاثة قرون.

أبقراط وجالينوس
تقول الدراسات إنه ما إن جاء عام 900م حتى كانت كتب أبقراط وجالينوس مترجمة كلها إلى العربية، وقد ترجم أهم ما تبقى من المجموعة البقراطية ككتاب البلدان والمياه والأهوية، والأمراض الحادة أو الوافدة، ومقدمة المعرفة، والأركان والأخلاط، وطبيعة الإنسان والأمكنة. والحق أن الكتب اليونانية الأصل شملت معظم فروع الطب والمعرفة آنذاك.
وقد اهتم العرب بترجمة مؤلفات جالينوس اهتماماً كبيراً، وكانت كتب جالينوس في الطب تُعَدّ من المصادر الرئيسية للرازي وابن سينا وابن النفيس. ويذكر الدكتور عمر فروخ بعض بواعث النقل في الإسلام لكتب الطب والعلوم والفلسفة إلى اللغة العربية ومنها احتكاك العرب بغيرهم من الأمم، وحاجتهم إلى علوم ليست عندهم مما كانوا يحتاجون إليه في الطب وفي معرفة الحساب والمواقيت لضبط أوقات الصلوات وتعيين بدء أشهر الصوم والحج وأول السنة. كما أن العلم من توابع الحضارة، وحينما تزدهر البلاد تتجه النفوس إلى الحياة الفكرية والتوسع في طلب العلم.

حنين بن إسحاق
يعد حنين بن إسحاق العبادي -ويكنى أبا زيد (194 هـ – 264 هـ) – واحداً من أشهر الرجالات في تاريخ الدولة الإسلامية باللغة اليونانية وطب جالينوس، وهو من نصارى الحيرة وكان نسطوري المذهب.
تتلمذ على يد الطبيب يوحنا بن ماسويه، ومن أهم الكتب التي قرأها عليه كتاب فرق الطب لجالينوس. وكان واحداً من أعظم المترجمين الذين انتسبوا إلى مدرسة جنديسابور وعلى يديه تخرج عدد من أشهر المترجمين.
ولعل من أهم خصائص الترجمة عنده أنه كان يراجع دائماً ترجماته السابقة ليقدم ترجمة أكثر دقة. وبالفعل فإن ترجماته كانت تتسم بالدقة لمعرفته بدقائق الموضوع الذي يقوم بترجمته، ولهذا اتسم أسلوبه بالاهتمام بالمعنى قبل اللفظ فقد كان حريصاً على تأدية المعنى بدقة، مدركا تماماً لمقتضيات النشر العلمي ووجوب الرجوع إلى أفضل المخطوطات، كما أن ترجمته بصفة عامة امتازت برصانة الأسلوب العربي.
ومن أبرز خصائص الترجمة عند حنين أنه كان يحترم النص الأصلي من حيث المضمون، وفي كثير من الأحيان كان يلتزم بالشكل أيضاً، ما يعني عمق النظرة وصحة الاستدلال. وإصابة الفكرة، فضلًا عن التعبير الأنيق والتنغيم العذب. وترجم العديد من الكتب الطبية، وأوضح معاني كتب أبقراط وجالينوس ولخصها وكشف ما استغلق منها.
ومن يعايش ترجمات حنين العلمية يجد أنه كان عاشقاً لهذه المهنة، مالكاً لناصية اللغتين اليونانية والعربية، دقيقاً في فهم المصطلحات العلمية والطبية، يملك قدرة عجيبة على تطويع اللفظ العربي للمعنى اليوناني والمصطلح العلمي.
وكان المترجمون في العادة يجيدون اللغة التي ينقلون عنها إجادتهم للغة التي ينقلون إليها مع إلمامهم التام بموضوعات ترجماتهم، وكان معظمهم يلتزمون الدقة ويتوخون الأمانة فيما ينقلون. فكانوا في العادة يحرصون على أن تكون تحت أيديهم نسخ الأصل الذي ينقلون عنه وترجماتها في غير العربية – السريانية – ليقابلوا بين النسخ.
وكانوا يقسمون الجمل إلى بنود وفصول وفقرات حتى يتيسر نقل معانيها إلى العربية في وضوح لا يحتمل اللبس كما كان يفعل ابن الأشعث، فيما يرى ابن أبي أصيبعة، وشروحهم للأصل تشهد بأنهم كانوا على إلمام دقيق بالتعبيرات الدارجة والمصطلحات المألوفة في اللغة التي ينقلون عنها، وإن بدا أن بعض المترجمين كانوا على عكس هذا يتوخون الترجمة الحرفية.
وأدى اختلاف التراكيب في اللغات وعدم تكافؤ الألفاظ فيها إلى غموض المعاني في الترجمة العربية أحياناً، لكن أكثر الترجمات التي جرى أصحابها على هذا النهج قام مترجمون ممتازون بإصلاحها أو إعادة ترجمتها.
وإذا كان ابن البطريق مثلاً قد تصدى للترجمة عن اليونانية وهو لا يجيدها بالرغم من تمكنه من اللاتينية؛ فإن حنين بن إسحاق نهض بإصلاح أو إعادة ترجمة ابن البطريق من مؤلفات جالينوس. بل كان حنين يعيد ترجمة ما سبق له أن نقله إلى العربية في صباه، وفعل في ترجمات اصطفان بن باسيل مثل ما فعل في ترجمات ابن البطريق، وقد مكنه من ذلك أن حنين كان يجيد ثلاث لغات غير العربية؛ الفارسية واليونانية والسريانية، وكان حنين بشهادة المؤرخين جيد الأسلوب واضح المعنى. وكان يستعمل المصطلحات العلمية بألفاظها الأجنبية – أباح ذلك مجمع اللغة (العربية) بالقاهرة في أيامنا الحاضرة – لكنه كان يتبعها بشرح معناها حتى يتحدد مدلول الكلمة في العربية. وكان حنين ومدرسته خير من يمثل الثقافة اليونانية وخير من قدمها إلى قراء العربية. وكان يساعده في كتاباته وترجماته ابنه إسحاق، وابن أخته حبيش بن الأعثم واسطفن بن بسيل، ويحيى بن هارون، وكان حنين يراجع أخطاءهم ويصححها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق