هندسة معمارية

الإضاءة الطبيعية في العمارة الحديثة

د. عادل عبدالكريم المؤمن

استغلال الإضاءة الطبيعية في المباني (Daylighting) هدف استراتيجي تعتمد عليه العمارة الحديثة للوصول إلى عمارة مستدامة وخضراء وتكون ملائمة لمدن المستقبل. يقول المعماري لويس خان (1901 – 1974) إن «العمارة لا تكون عمارة إن لم تكن فيها إضاءة طبيعية، فهي تعطي إحساساً بالوقت ومزاجاً خاصاً في كل فصل من فصول العام». ويقول المعماري لي كوربوزي (1887 – 1965): «إن الإضاءة الطبيعية هي أساس العمارة وأنا أشكل العمارة بالإضاءة. والإضاءة الطبيعية تخلق البيئة الجميلة والإحساس بالمكان وتضيف وهجاً جميلاً وتخلق حياة داخل المبنى». ويبقى تصميمه الرائع لمنزل سافوي الذي شيد في 1930 والسابق لعصره شاهداً على مدى نجاح دمج العمارة بالبيئة المحيطة واستغلال الإضاءة الطبيعية فيه حيث تعطي ساكنيه الإحساس بالوقت والطقس، وتضفي ديناميكية مستمرة على إضاءة المبنى على مدار العام.

وأكدت الدراسات العلمية أهمية الإضاءة الطبيعية ودورها الإيجابي في بيولوجية الإنسان، فقد أثبتت أن الضوء الطبيعي الذي يضم فى حزمته طيفاً عريضاً من الموجات الضوئية تمتد من الموجات القصيرة إلى الموجات الطويلة؛ يساعد على تخفيف الجهد والضغط النفسي في حال استعماله بدلاً من الإضاءة الكهربائية، كما يساعد على التركيز في النهار والاسترخاء في الليل، ويزيد من كفاءة الإنسان وإنجازه في العمل، وبذلك تقل إجازاته المرضية وانقطاعه عن العمل. وهذه كلها فوائد مهمة يصعب قياسها مادياً.
وفي دور العبادة يمكن للإضاءة الطبيعية أن تكون مصدراً للروحانية والخشوع، كما نجد ذلك في مسجد ناصر الملك في شيراز بإيران، وكاتدرائية نوتردام في رونشامبز بفرنسا.
أمَّا الفائدة الاقتصادية الكبرى والمتوقعة من استغلال الإضاءة الطبيعية فهي قدرتها على تزويد المبنى بالإضاءة بدلاً من المصابيح الكهربائية، وحينئذ سيقل استخدام تلك المصابيح، ويطول عمرها، وتقل صيانتها، والحرارة الناتجة عنها، وبذلك تقل الأحمال الحرارية المفروض إزالتها عن طريق أجهزة التكييف، ما يعني أجهزة تكييف أصغر وأرخص ووفرة أكبر في الاستهلاك الكهربائي.
إضافة إلى كل هذه الفوائد؛ فإن تطبيق استراتيجية الإضاءة الطبيعية في المبنى سيساعد على اجتيازه النقاط المطلوبة للحصول على شهادة LEED وتسجيله ضمن المباني الخضراء المعتمدة عالمياً.

مسؤولية مهنية
وأظهرت دراسات عديدة أنَّ الإضاءة الكهربائية المستخدمة في المباني وخصوصاً المكاتب مسؤولة عن %30 من إجمالي الاستهلاك الكهربائي للمبنى، وإذا أضفنا تأثيرها الجانبي في زيادة الحمل الحراري فإن الإضاءة الكهربائية ستكون مسؤولة عن %50 من الاستهلاك الكهربائي للمبنى.
وبناء على ذلك فإن على المعماريين والمهندسين مسؤولية مهنية وأخلاقية لاستخدام كل الطرق والوسائل المعمارية والهندسية في المبنى، والتي تقلل من تلوث البيئة، وتحد من هدر الموارد الطبيعية، وتحفظ حقوق الأجيال القادمة، للاستمتاع ببيئة صحية مستدامة.
ولكي نعطي فكرة عن مقدار الإضاءة التي تأتي لنا مجاناً من الطبيعة ولانستغلها جيداً؛ يجب أن نعرف أن حاجة الإنسان إلى إنارة مكتبه هي 500 لوكس كما هو دارج في معظم الكودات العالمية، وهي عادة ما توفرها لنا الإضاءة الكهربائية في المباني التقليدية، في الوقت الذي يتوافر فيه بين 8000 لوكس و 100000 لوكس خارج المبنى خلال الطقس المشمس، ونحو 25000 لوكس خلال الطقس الغائم، أي بمعنى آخر؛ ما نحتاج إليه داخل المبنى للعمل المكتبي يراوح بين %2-1 من الإضاءة الطبيعية المتوافرة خارج المبنى لكي تغنينا عن الإضاءة الكهربائية.
لكن السؤال هو: كيف يمكن الاستفادة من هذه الإضاءة والوصول إلى تصميم معماري ناجح؟
يجب أولاً معرفة مصادر هذه الإضاءة وهي: الإضاءة الواردة من الشمس مباشرة، والإضاءة الواردة من السماء والغيوم، والإضاءة المنعكسة من سطوح جدران المباني المجاورة والمسطحات الأرضية.

استراتيجية التصميم المعماري
تعتمد استراتيجية التصميم المعماري للإضاءة الطبيعية بصورة كبيرة على الموقع والمناخ الجغرافي للمبنى، فإذا كانت المنطقة غائمة بطبيعتها كما هي في المناطق الأوروبية الشمالية فإن الإضاءة الواردة من الشمس لا يمكن الاعتماد عليها لضعفها، والاستراتيجية السليمة تكون بإدخال الإضاءة الواردة من أوج السماء، حيث تتركز شدة الإضاءة فيها وتشكل تقريباً ثلاثة أضعاف شدة الإضاءة في الأفق خلال الأيام الملبدة بالغيوم، وبذلك يجب أن تكون تصاميم النوافذ والمساحات الزجاحية باتجاه السماء العليا لكي تسمح للإضاءة بالدخول بصورة أكبر.
أمَّا في المناطق المشمسة كما هي الحال في معظم مدن الوطن العربي؛ فإن استراتيجية التصميم تختلف وتتمحور حول تفادي أشعة الشمس المباشرة، وتوجيه النوافذ إلى السطوح الأرضية بدلاً من الأجزاء العليا من السماء، وإدخال الإضاءة الواردة من الشمس بصورة غير مباشرة عن طريق المظلات وكاسرات الشمس Louvers، أو الرفوف الشمسية Light Shelves، والحد من المساحات الزجاجية الكبيرة لتفادي الأحمال الحرارية الزائدة والوهج الضوئي.
وفي جميع الأحوال؛ فإن الاستراتيجية العامة في المباني تبقى ثابتة؛ وهي أن تقوم الفتحات والأنظمة التي تتحكم في إدخال الإضاءة الطبيعية (مساحة ونوع الزجاج، المظلات وكاسرات الشمس) بالسماح للإضاءة الطبيعية بالدخول والانتشار داخل المبنى، بحيث نحصل على كمية الإضاءة المطلوبة Quantity of Light، ونوعية إضاءة جيدة Quantity of Light، وذلك بانتشار متساو من الإضاءة في كل مساحات المبنى، وتقليل انخفاضها قدر المستطاع، وهي في طريقها إلى الأجزاء الداخلية من المبنى. ويجب ألا تقل شدة الإضاءة في أبعد نقطة من المكتب عن نصف الإضاءة المتوافرة بالقرب من هذه النوافذ، وعندئذ يمكن تحقيق ما يسمى بالراحة البصرية Visual Comfort.
ولهذا فإن المصمم يواجه مسألة تصميمية صعبة؛ كيف يمكن تصميم مبنى يستطيع أن يتزود بإضاءة طبيعية كافية، بحيث لا تزيد ولا تنقص عن المطلوب؟ فإذا زادت هذه الإضاءة عن المطلوب كانت النتيجة حرارة زائدة ووهجاً ضوئياً Discomfort Glare، وإذا قلت عن المطلوب فإن العتمة تزداد والحاجة إلى الإضاءة الكهربائية تزداد أيضا. أضف إلى ذلك فإن شدة الإضاءة الطبيعية تتغير بتغير حركة الشمس وتجمع الغيوم وعوامل أخرى داخل المبنى، كلون سطوح الجدران ووجود قطع الأثاث، ما يجعل تصميم المبنى والتنبؤ بشدة الإضاءة فيه مسبقاً أمراً معقداً.

الإضاءة الطبيعية الناجحة
إن تصميم مبنى ذي إضاءة طبيعية ناجحة يحتم إجراء الأمور الآتية:
1. تخطيط الإضاءة الطبيعية يجب أن يبدأ من المراحل التصميمية الابتدائية Concept Design، وليس من المراحل المتقدمة، وعادة ما يتم الاستعانة باستشاري الاضاءة الطبيعية الذي يدرس العلاقة بين الكتل والفراغات ومساحات فتحات النوافذ واتجاهها وبين الإضاءة الطبيعية داخل المبنى، كما يدرس تأثير كاسرات وعاكسات الشمس للتوصل إلى حل أمثل لهذه العلاقات المرتبط بعضها ببعض. وعادة ما تكون الدراسة إما باستخدام المجسمات المعمارية التي تحوي بداخلها أجهزة لقياس الإضاءة Light Meters أو باستخدام برامج حاسوبية متخصصة بهذا المجال تساعد على تحليل الإضاءة المتوقعة من التصميم المقترح. وبناء عليه يضع الاستشاري سلسلة من التوصيات المعمارية التي ينفذها المعماري ويصممها لتكون جزءاً من المخطط المعماري المتكامل.
2. يمكن للمعماري إدخال الإنارة الطبيعية من خلال ثلاث طرق رئيسية:
– الإضاءة الجانبية عن طريق نوافذ الجدران.
– الإضاءة العلوية عن طريق نوافذ السقوف أو المناور.
– الإضاءة الواردة من الفناء المركزي.
ولكل طريقة إيجابياتها وسلبياتها، ولهذا فإن اختيار أي من الطرق المذكورة يجب أن يكون مرتبطاً بوظيفة المبنى والبيئة المحيطة به والمناخ السائد في هذه المنطقة. فالإضاءة العلوية مثلاً مناسبة أكثر للمباني التجارية والمتاحف والمكتبات، وبصورة عامة في المباني التي لا تتطلب منظراً خارجياً. والإضاءة العلوية كما ذكرنا آنفا مناسبة أكثر في المناطق ذات الأجواء الغائمة التي تكون الإضاءة الطبيعية قليلة فيها عادة، ولكن بتوجيه الفتحات الى أوج السماء ستجلب أشد إضاءة ممكنة. أما الإضاءة الجانبية فهي مناسبة في المكاتب والمنازل والمباني التي تحتاج إلى المنظر الخارجي وتكون عادة ملائمة للمناطق ذات المناخ المعتدل. أما إضاءة الفناء المركزي فهي مناسبة في المناطق المشمسة والحارة حيث تدخل هذه الإضاءة المبنى بطريقة غير مباشرة وأقل شدة.
3. ولكل من الطرق الثلاث المذكورة آنفاً معالجات معمارية وهندسية مناسبة لها تستهدف إدخال الإضاءة الطبيعية إلى داخل المبنى وانتشارها في جميع المساحات الداخلية وبمستوى ضوئي متساو قدر الإمكان. فالنوافذ الموجودة على الجدران والتي تواجه الشمس تحتاج إلى تصميم مناسب لكي تعكس أشعة الشمس المباشرة إلى سقف المبنى، والذي بدوره ينشر الإضاءة بصورة أكبر داخل المساحات الخلفية. أما النوافذ الموجودة في الجهة الأخرى التي لا تصل إليها الشمس فالاهتمام يكون بحجم الزجاج ونوعه. أما الفتحات الزجاجية العلوية فإنها تأتي بتصاميم مختلفة ومناسبة لحالات معينة يقدرها المعماري. وفي حال وجود أشعة شمس مباشرة يمكن دعم هذه المناور بإحدى المعالجات المعمارية المذكورة آنفا لكي تعكس أشعة الشمس وتحولها إلى سقف المبنى وذلك لضمان انتشار أكبر للإضاءة.
4. يجب على المعماري عدم إغفال أهمية تركيب مجسّات ضوئية Photosensors في منظومة متكاملة مع تصميم مناسب لشبكة المصابيح الكهربائية والتصميم المعماري، لكي يجني الفوائد المرجوة والمتوقعة من الإضاءة الطبيعية، حيث تقوم هذه المجسات بقياس كمية الإضاءة الطبيعية المتوافرة على المسطحات الداخلية (سطح طاولة المكتب مثلاً)، فإذا كانت الإضاءة كافية وتفي بالمطلوب ترسل هذه المجسات إشارات إلكترونية إلى أجهزة التحكم في الإضاءة (Switches and Dimmers) التي تقوم بغلق شبكة الإضاءة الكهربائية أو تخفيضها إلى درجات متفاوته بناء على كمية الإضاءة الطبيعية المتوافرة.
وهنا تكمن الفائدة الحقيقية لاستخدام الإضاءة الطبيعية بقدرتها على تخفيض عدد الساعات التي تعمل بها الإضاءات الكهربائية. وأظهرت دراسات حديثة أن التوفير – أو كما يسمى حصاد أو جني ثمار الإضاءة الطبيعية Daylight Harvesting – يراوح بين 30 و %60، وقد يبلغ في بعض الأحيان %80.
ويمكن القول إنه لا يوجد حل معماري واحد، والنقاط الأربع المذكورة آنفا كفيلة بأن توفر حلولاً معمارية عديدة لا حصر لها لإضاءة طبيعية ناجحة، تستطيع من خلالها تقليل الاعتماد على الإضاءة الكهربائية والحد من استهلاك الطاقة الكهربائية، وإيجاد بيئة داخلية مريحة جاذبة تشجع ساكني المبنى على البقاء لفترات أطول، وتزيد من رضاهم وكفاءتهم بصورة خاصة، وتزيد من إنتاجيتهم للعمل بصورة عامة . والمعماري المبدع يستطيع دمج هذه الاستراتيجيات الهندسية في إطار معماري جميل متميز وفريد من نوعه، ليبتكر مبنى معمارياً ناجحاً ومستداماً، قادراً على التعايش بسلام مع البيئة المحيطه به. >

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق